تأتي إعادة هيكلة مجلس الجالية المغربية بالخارج استجابةً للتوجيهات الملكية الواردة في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الـ49 للمسيرة الخضراء، والتي أكدت على ضرورة مراجعة الإطار المؤسسي الحالي لضمان تمثيل فعّال للجالية المغربية بالخارج وتعزيز مساهمتها في تنمية البلاد. هذه العملية تهدف إلى تجاوز الاختلالات السابقة، بما في ذلك ضعف التنسيق بين المؤسسات، تداخل الاختصاصات، وضعف استجابة المجلس لاحتياجات الجالية التي تقدر بأكثر من 5 ملايين مغربي موزعين على مختلف القارات.
إحدى الأولويات الرئيسية لهذه الهيكلة الجديدة هي تعزيز نجاعة المجلس وجعله أكثر قربًا من الجالية عبر تحديث آلياته واعتماد نموذج حكامة فعال. كما تهدف إلى ضمان تمثيلية عادلة ومنصفة للمغاربة المقيمين بالخارج، بحيث يعكس المجلس التنوع الجغرافي والمهني لمغاربة العالم، ويستجيب للرهانات الجديدة التي يواجهونها، سواء على مستوى الإدماج في بلدان الإقامة أو على مستوى ارتباطهم بالمغرب. هذا التوجه يأتي في سياق التحولات العميقة التي تعرفها الجالية، حيث أظهرت الدراسات أن الأجيال الجديدة من المغاربة المقيمين بالخارج تواجه تحديات مختلفة عن الأجيال السابقة، بما في ذلك قضايا الهوية، الاندماج الاجتماعي، والتمثيل السياسي في دول الإقامة، إلى جانب الرغبة في الاستثمار بالمغرب.
لكن هذه العملية الإصلاحية تواجه عدة تحديات، أبرزها تداخل الصلاحيات بين المؤسسات المختلفة المكلفة بشؤون الجالية، مثل مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج، والمجلس الحالي نفسه. هذا التداخل أدى في السابق إلى إضعاف فعالية التدخلات، وهو ما تسعى إعادة الهيكلة إلى تصحيحه عبر تحديد واضح للأدوار وضمان التنسيق المحكم. كما تطرح هذه العملية إشكالات قانونية مرتبطة بإعادة تحديد مهام المجلس وإعادة النظر في قانونه الأساسي ليواكب المستجدات.
ومن التحديات الأخرى، ضرورة ضمان استقلالية المجلس ليتمكن من أداء مهامه بحرية، مع خلق آليات جديدة لمواكبة الكفاءات المغربية بالخارج التي برزت في مجالات متعددة، مثل الاقتصاد، التكنولوجيا، الثقافة، والسياسة. فرغم أن الجالية المغربية بالخارج تحظى بمكانة هامة من حيث التحويلات المالية، التي بلغت في 2023 أكثر من 100 مليار درهم، إلا أن مساهمتها في تنمية البلاد لا تزال غير مستثمرة بالشكل الكافي، بسبب غياب استراتيجيات واضحة لتوجيه هذه الإمكانيات نحو استثمارات منتجة.
أما على مستوى آليات اختيار الأعضاء الجدد للمجلس، فمن الضروري وضع معايير دقيقة تضمن تمثيلية حقيقية للجالية، مع مراعاة التنوع الجغرافي، الفئات العمرية، والتخصصات المختلفة. يجب أن يكون الاختيار قائمًا على الكفاءة، الالتزام، والخبرة في قضايا الجالية، مع إتاحة الفرصة للشباب والنساء للعب دور أكبر داخل المجلس. ولتحقيق ذلك، يمكن اعتماد آليات شفافة مثل فتح باب الترشيح المباشر، إجراء استطلاعات رأي داخل الجالية، وتشكيل لجنة مستقلة للإشراف على عملية الانتقاء. كما يجب اعتماد آلية تقييم دورية للأعضاء لضمان الأداء الفعّال وتحقيق الأهداف المرجوة.
إعادة هيكلة مجلس الجالية المغربية بالخارج ليست مجرد تعديل إداري، بل هي إصلاح استراتيجي يهدف إلى تعزيز دور الجالية المغربية في الدفاع عن القضايا الوطنية، الاستثمار في التنمية الاقتصادية، والمساهمة في تعزيز صورة المغرب في الخارج. ولنجاح هذا الإصلاح، لا بد من إشراك الجالية في بلورة التصورات الجديدة، ضمان استقلالية المجلس، وتوفير آليات عمل حديثة تستجيب للتحولات المتسارعة التي يعرفها مغاربة العالم.