في مؤتمر ميونيخ للأمن الذي عُقد في 14 فبراير 2025، وجه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس انتقادات لاذعة للدول الأوروبية والمملكة المتحدة، متهمًا إياها بالتراجع عن مبادئ الديمقراطية وحرية التعبير. وفي خطابه، أكد فانس أن التهديد الأكبر الذي تواجهه أوروبا لا ينبع من خصوم خارجيين مثل روسيا أو الصين، بل من أنظمتها السياسية نفسها، التي يرى أنها باتت تضيق الخناق على حرية التعبير وتنتهك القيم الديمقراطية الأساسية.
استندت اتهامات فانس إلى مجموعة من الأحداث والتدابير القانونية التي اعتبرها مؤشرات على هذا التراجع الديمقراطي. من بين أبرز هذه القضايا، قرار المحكمة الدستورية في رومانيا بإلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية بعد فوز المرشح اليميني المتطرف كالين جورجيسكو، بدعوى وجود تدخل روسي مزعوم. بينما رأت المحكمة أن القرار ضروري لحماية العملية الديمقراطية، اعتبر فانس أن إلغاء نتائج الانتخابات يمثل تجاهلًا لإرادة الناخبين وسابقة خطيرة للتدخل السياسي في المسار الديمقراطي.
في المملكة المتحدة، استشهد فانس بقضية آدم سميث-كونور، الذي تم تغريمه لمجرد أدائه صلاة صامتة بالقرب من عيادة للإجهاض. ورأى في هذه الواقعة دليلًا على تصاعد توجه الحكومات الأوروبية نحو فرض قيود على حرية التعبير والمعتقدات الدينية، متذرعة بضرورة الحفاظ على الانسجام الاجتماعي.
كما أثار استبعاد شخصيات سياسية من اليمين المتطرف واليسار الراديكالي من حضور مؤتمر ميونيخ نفسه غضب فانس، إذ اعتبر أن هذا الإقصاء يعكس نهجًا أوروبيًا متزايدًا لتقييد التنوع الأيديولوجي ومنع الأصوات المعارضة من المشاركة في الخطاب العام. وأعرب أيضًا عن قلقه إزاء سياسات الاتحاد الأوروبي المتزايدة في مراقبة الإنترنت وحجب ما يُصنَّف على أنه “خطاب كراهية”. وبينما يبرر صناع القرار الأوروبيون هذه الإجراءات على أنها ضرورية لمكافحة التطرف والمعلومات المضللة، حذّر فانس من أنها قد تصبح بوابة للرقابة الواسعة، مما يهدد المبادئ الأساسية للديمقراطيات الليبرالية الغربية.
لقيت تصريحات فانس ردود فعل قوية من القادة الأوروبيين، حيث وصف وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، هذه الانتقادات بأنها “غير مقبولة”، مؤكدًا أن ألمانيا لا تزال ملتزمة بقيم الديمقراطية وحرية التعبير رغم التحديات. في فرنسا، أعربت ناتاليا بوزيريف، رئيسة لجنة الدفاع في الجمعية الوطنية، عن دهشتها من تركيز فانس على القضايا الداخلية الأوروبية بدلًا من التحديات الأمنية العالمية، والتي كان من المفترض أن يكون المؤتمر معنيًا بها.
لكن أبعد من الجدل اللحظي، تعكس تصريحات فانس انقسامًا أيديولوجيًا أعمق بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. ففي حين تعيد واشنطن تشكيل سياستها الخارجية حول الدفاع عن القيم الليبرالية التقليدية، تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى تحقيق توازن دقيق بين الحريات المدنية ومتطلبات الأمن. في عصر تصاعد الشعبوية، وحملات التضليل الإعلامي، وعودة النزعات الاستبدادية في العديد من أنحاء العالم، ترى الحكومات الأوروبية أن هذه القيود ضرورية لحماية مؤسساتها الديمقراطية من التهديدات الداخلية والخارجية. لكن يبقى السؤال ما إذا كانت هذه الإجراءات تعزز الديمقراطية أم تقوضها.
هذا التباين في الرؤى يثير مخاوف بشأن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي. فإذا استمرت الولايات المتحدة في النظر إلى السياسات الأوروبية على أنها خيانة للقيم الديمقراطية المشتركة، فقد يؤدي ذلك إلى توتر في العلاقات الدبلوماسية وتقليل مستوى التعاون في القضايا العالمية الحيوية، مثل الأمن والتجارة وحوكمة الفضاء الرقمي. وفي وقت يحتاج فيه الغرب إلى تنسيق وثيق لمواجهة التحديات الجيوسياسية، من التوسع الروسي إلى النفوذ الصيني المتزايد، قد تؤدي هذه الخلافات الأيديولوجية إلى إضعاف تماسك التحالف الغربي.
كما أن انتقادات فانس تتماشى مع التيارات السياسية الأوسع في كل من الولايات المتحدة وأوروبا. فالحركات الشعبوية اليمينية التي اكتسبت زخمًا على ضفتي الأطلسي تدّعي منذ فترة طويلة أن النخب السياسية تخنق حرية التعبير تحت ذريعة مكافحة التطرف. وفي الولايات المتحدة، غالبًا ما يُنظر إلى السياسات الأوروبية، خصوصًا في مجالات الرقابة الرقمية والسياسات الاجتماعية، على أنها مفرطة التقييد وغير متوافقة مع الحماية الدستورية الأمريكية لحرية التعبير. لذلك، لا ينبغي النظر إلى خطاب فانس على أنه مجرد توبيخ دبلوماسي عابر، بل باعتباره جزءًا من نقاش أوسع عبر الأطلسي حول حدود تدخل الدولة في المجال العام.
في النهاية، يثير الجدل الذي أشعلته تصريحات فانس تساؤلًا جوهريًا: هل الديمقراطية وحرية التعبير في أوروبا تواجه خطرًا حقيقيًا، أم أن هذه الانتقادات مجرد امتداد لإعادة تشكيل المشهد السياسي داخل الغرب؟ بغض النظر عن الإجابة، يشير هذا النقاش إلى أن القيم التي شكلت أساس التحالف عبر الأطلسي لم تعد تحظى بالإجماع ذاته كما في الماضي. وإذا لم يتم التعامل مع هذه الخلافات بجدية، فقد تعيد تشكيل ليس فقط سياسات أوروبا الداخلية، بل أيضًا علاقتها طويلة الأمد مع الولايات المتحدة.