samedi 5 avril 2025
مجتمع

عبد الرزاق الحنوشي: الفقيد السكتاوى المفرد بصيغة الجمع

عبد الرزاق الحنوشي: الفقيد السكتاوى المفرد بصيغة الجمع عبد الرزاق الحنوشي ( يمينا) رفقة المرحوم محمد السكتاوي

عندما توصلت من صديقي صالح عبد اللوي مدير فرع المغرب لمنظمة العفو الدولية ( أمنيستي ) برسالة يطلب منى فيها المساهمة بشهادة شخصية في حق الفقيد العزيز محمد السكتاوي، رحمه الله، لإدراجها ضمن كتاب جماعي تخليدا لأربعينيته، واشترط أن يتم ذلك في أجل لا يتجاوز الأسبوع، وأن لا يزيد حجم المساهمة عن صفحتين، بادرت إلى الاتصال بالأخ صالح معاتبا ومحتجا، وقلت له أنك تطلب منى إنجاز " مهمة مستحيلة"، فمكانة الفقيد الرفيعة وإسهاماته المتعددة وعلاقاته الواسعة والوازنة لا ولن تستوعبها مجلدات فأحرى أن تستوعبها بضعة سطور، قد لا تكتفي حتى للتأبين والدعاء، فأحرى أن تفي بالغرض. وبعد أخذ ورد أقنعني الأخ صالح بأن أدبج هذه الكلمات وكذلك كان.

علاقتى بالفقيد العزيز ذ محمد السكتاوي كانت علاقة محبة وتقدير واحترام متبادل على مدى أزيد من ثلاثة عقود، وهو بالنسبة لي القدوة والمثال الذي يقتدى به في الإستقامة والنزاهة الفكرية والجدية والإخلاص في العمل، والتوازن والموضوعية في التعبير عن الرأي، هو أيضا صاحب الأسلوب الراقي والشفاف والصادق في الحوار و التواصل ، والقدرة الفائقة على الإنصات وإسداء النصح والمشورة، ولعل هذا المزيج من القيم والفضائل التي ميزت فقيدنا العزيز هي ما جعلته محط تقدير عالي ، وبوأته وضعا اعتباريا متميزا في صفوف الحركة الحقوقية بشكل خاص ،وفي باقي المجالات الأخرى التي كان له فيها إسهامات وازنة، ولا سيما ضمن المنظمة العتيدة " التضامن الجامعي" .

 

استنبات حقوق الإنسان في التربة المغربية

رغم أن عطاءات الفقيد واسهاماته غنية ومتنوعة، لكن الجهد الأكبر في اعتقادي، كرسه لوضع الأسس واللبنات الكبرى لتوطيد واستنبات حقوق الإنسان في التربة المغربية: وذلك نجده في صدارة الأطر الوطنية التي وضعت فيهم منظمة العفو الدولية ثقتها الكاملة وحملته مسؤولية تأسيس الفرع المغربي للمنظمة.

 

وبعد جهد جهيد واستماتة وصمود، تمكن من تحقيق ذلك في ظروف عسيرة حابلة بالألغام والمطبات، وتم ذلك بتدشين مقر الفرع في فاتح يونيو 1998 بحضور الأمين العام الأسبق للمنظمة بيير ساني وحشد كبير من ممثلي السلك الدبلوماسي والمنظمات الحقوقية والسياسية والثقافية والإعلامية ،والذين لم تستوعبهم الشقة الصغيرة بشارع سويسرا بحي المحيط بالرباط، فتم نصب خيمة كبيرة لاستقبالهم ، فتم الشروع في هدمها على رؤوسهم بأمر مباشر من وزير الداخلية الأسبق ادريس البصري، وهو ما دفع بالوزير الأول الأسبق الراحل عبد الرحمان اليوسفي، أن يتدخل لدى الملك الراحل الحسن الثاني شخصيا، ليتم إعادة تثبيت الخيمة من جديد واستقبال الضيوف بما يلزم من واجب الضيافة المغربية العريقة.

 

أمنيستي بالمغرب تجربة متفردة

طريق ولادة أمنيستي بالمغرب لم تكن مفروشة بالورود، وكذلك مسارها الحافل والعسير، غير أن حنكة وتجربة وصمود الراحل ذ. السكتاوي، جعل منها تجربة متفردة واستطاعت أن تفرض وجودها كرقم أساسي في معادلة حقوق الإنسان بالمغرب، لقد استطاع الفقيد بمعية فريق عمله المكافح أن يجد لفرع المنظمة بالمغرب مكانة مرموقة ومتميزة.

ألم تكن المنظمة سباقة للاهتمام بمجال التربية على حقوق الإنسان وراكمت في ذلك تجارب فضلى واستطاعت أن تنجز العديد من البرامج بتعاون وثيق مع الأسرة التعليمة، وكان للفقيد دور الدينامو في هذه التجربة، أليست المنظمة هي من سلطت الأضواء بقوة على قضايا حقوقية، ربما لم تكن حينئذ ضمن أولويات الأجندة الحقوقية الوطنية، ومنها بالأساس إلغاء عقوبة الإعدام، واستثمار معطيات التقرير الخاص بهذا الموضوع الصادر بشكل منتظم ودوري عن منظمة العفو الدولية عبر العالم، أليس الفرع المغربي للمنظمة من كان سباقا للاهتمام بالحقوق الإنسانية للنساء ومناهضة العنف ضدهن.

 

العناية بفئة الشباب

أليس فرع المنظمة بالمغرب من كان السباق إلى إيلاء العناية الخاصة لفئة الشباب والذين ساهموا بقسط وافر في ضمان استمرار شعلة المنظمة موقظة باستمرار، كل ذلك وغيره كان للفقيد السكتاوي النصيب الأوفر فيه وهي حقيقة لا ينكرها إلا جاحد.

 

لقد استطاع الفقيد العزيز بفضل ما كان له من خصال حميدة وسمعة طيبة، أن يحافظ على استمرارية المنظمة وإشعاعها ، ويساهم في صناعة مجدها وتألقها حتى في اللحظات العسيرة والصعبة التي كانت فيها العلاقات بين المنظمة الأم (بلندن) من جهة ،والسلطات المغربية من جهة أخرى، متوترة أو اقتربت من القطيعة التامة ، ومع ذلك فقد كان المرحوم لا يتردد ولا يبخل في طرق أبواب كل المسؤولين للإقناع بما يمكن أن تربحه بلادنا من علاقة سليمة ومستقرة ومفيدة مع هذه المنظمة ، والتي يعرف كل مكونات الطيف الحقوقي أدوارها الحاسمة أحيانا في إحداث بعض الطفرات الهامة التي شهدتها بلادنا في فترات معينة من تاريخها الراهن، ولنا في التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة التي خلدنا ذكراها العشرين السنة المنصرمة ، ما قد ينعش ذاكرتنا المشتركة بهذا الصدد.

رحم الله فقيدنا العزيز وعهدنا له أن نواصل المسير على دربه.

عبد الرزاق الحنوشي
باحث وفاعل حقوقي