vendredi 4 avril 2025
كتاب الرأي

صديق معنينو: بئر أنزران (2)

صديق معنينو: بئر أنزران (2) صديق معنينو
الاستنفار
يقول الجنرال... «كانت القيادة قد أخبرتني بأن موقعي سيتعرض للهجوم وأن تجمعا ضخما للعتاد والمقاتلين تجري أطواره فوق الأرض الموريطانية المحادية للصحراء... كان علي أن أعزز مواقعي الدفاعية وأن أحفر الخنادق... كان هدفي هو تطبيق الأوامر بالدفاع عن الموقع وحماية السكان ومنع أي تقدم للعدو.....
 
كانت المخابرات العسكرية تمدني بكل المعلومات المتوفرة ومع مرور الأيام ومنذ خطاب الملك تواترت استعدادات العدو.... قبل يومين وصلت معلومات بأن تجمع العدو قد اكتمل... وأن هناك أكثر من خمسمائة عربة وشاحنة ستنطلق للهجوم وعلى متنها ما بين 4500 و 5000 ألف من المرتزقة... كانت الأخبار التي تزودني بها قيادة العيون تحتني على مواصلة الاستعداد.... كنت أقضي اليوم بكامله مع ضباطي نتجول حول المواقع وتحسن إمكاناتها الدفاعية وكنا نحضّ الجنود على الثبات والمواجهة.....
 
ليلة الحادي عشر من غشت اهتزت الأرض من كثرة الشاحنات والمدرعات وحاملات الجنود المصفحة..... كنت على يقين أن الصدمة ستكون عنيفة وعلينا أن نكسر الأمواج الأولى دون السماح لها بالوصول إلى الخط الدفاعي الرئيسي... كان على المواقع المتقدمة أن تتحمل الصدمة.....
 
لم يتم أحد تلك الليلة... كان الظلام يمنع الرؤيا ولكن بين الفينة والأخرى كانت أضواء بعض الشاحنات تتراءى من بعيد بل كان هديرها كرعد مستمر يقترب منا ... ردّد الجنود الشهادة وصلوا في خنادقهم وأخذوا يصيحون الله أكبر... الله أكبر.... بعد طلوع الفجر بدأ الهجوم».
 
هناك بدأ الجنرال يستعرض لائحة الأسلحة المتطورة التي كانت في حوزة المهاجمين.... سيذكر أنواعها وأرقامها وسيقول... «بأن القدافي أغدق عليهم من الأسلحة ما لا تملكه الكثير من الجيوش النظامية......
 
وأضاف... «انطلق الهجوم استعمل خلاله العدو المدافع والصواريخ وسط قعقعة رهيبة من الانفجارات... لم يعد في الإمكان الحديث بهدوء.... كنت أخبر باستمرار القيادة بتطورات الوضعية... وقيل لي بأن الملك يتابع المعركة... في الصباح اتضح أن عدد المهاجمين كبير وأنهم اقتربوا وتمكنوا من النفاذ إلى بعض الخطوط الأمامية... فجأة سمعت الملك على الخط ... قال لي الحسن الثاني.. «عليك بمهاجمتهم.. الصبر والصمود... والدعم في طريقه إليك.... كان صوت الملك بمثابة شعلة أنارت أمامي الطريق وحفزتني على مزيد من المقاومة.....

وتابع ... «لم أتوقف على التنقل بين الجبهات، أصيح وأثبت الرجال وأدعو إلى المقاومة... بدأ الطيران الملكي في التحرك وحلقت فوق موقعنا طائرات نفاثة كنت أتحدث إلى ربابنتها وأدلهم على المواقع التي عليهم أن يقنبلونها.... كانوا شجعان وعلى استعداد لكل مغامرة للدفاع عنا. كانوا بعد ضرب العدو يعودون إلى العيون يملأون خزائنهم بالوقود والذخيرة ويعودون للقصف.....
 
بعد عشر ساعات من القتال وسقوط الشهداء ووصول المعارك إلى الصفوف الدفاعية المتقدمة... قلت الربابنة الطائرات النفاثة.... أرجوكم إن اقتحموا خطوطنا ... أرجوكم أن تقنبلوننا جميعا... نريد الاستشهاد عوض الأسر.... أكد لي الجنرال أنه ردّد هذه المقولة عدة مرات وأن الربابنة تأثروا وشجعوني على مزيد من الصبر والمقاومة....
 
وكما وعدني الملك أخبرت بأن طائرة عملاقة من نوع «سي 130» تتجه نحو بئر أنزران.... وكنت قبل ذلك قد أعددت مدرجا لنزول الطائرات الضخمة... إنه ثاني مدرج أعددته بعد مدرج بئر الحلو... ساعدت الربان على ضبط الاتجاه وفجأة ظهرت الطائرة الضخمة ونزلت وعندما قللت من سرعتها فتحت الباب الخلفي وأخذ الجنود يقفزون ويتدحرجون على الأرض وأسلحتهم مملوءة بالرصاص على استعداد للقتال.... كانوا أبطالا... فوراً أقلعت الطائرة وجاءت أخرى.
 
الشهداء
لم يتوقف الهجوم ولو لفترة قصيرة ... اندهش العدو لأن صمود القوات المغربية لم يكن متوقعا لديه وأن المقاومة فاقت كل التكهنات... استمر العدو في هجومه رغم أن خسائره فاقت المئات إلى جانب تدمير عشرات المدرعات والشاحنات... دب الخوف في صفوف العدو وكنت أسمع الحوارات الجارية بين وحداته وكان طاقمي يخبرني بما يتبادله العدو من معلومات.... كما كانت القيادة في العيون تتابع ما يتبادله العدو عبر الراديو.... كانت المعلومات تؤكد وجود حالة من اليأس والاكتئاب مما كان يشجعني لذلك لم أتوقف على التنقل من موقع إلى آخر، وكنت أدعم المواقع التي فقدت الكثير من الجنود كما كنت أخبر الجنود بأن العدو منهزم وأن الله مع الصابرين....
 
بعد عشر ساعات من المواجهة توقف القتال وتراجع العدو ورغم ذلك ظل الطيران يطارد ويصطاد عرباته... تنفسنا الصعداء وبادرنا إلى الترحم على شهدائنا والذين فاق عددهم المائة... عالجنا الجرحى ونجحنا في حماية السكان والحيلولة دون اختطافهم بل كنت أمدهم بالمواد الغذائية والطبية... بل أكثر من ذلك بنيت لهم حماما خاصا بهم كما بنيت فرانا لإعداد الخبز... كانوا متمسكين بوطنهم يرفضون أطروحة الانفصال ........
 
عاد الجنرال إلى الصمت وبدأت أنفاسه تهدأ وكأنه ارتاح من عبء.... قال لي... «السي معنينو، قمت بواجبي فقط... طبقت التعليمات والله كان معنا... وتابع في نفس السنة سأشارك في بناء «سمطة» حول الداخلة... الجنرال يتحدث عن السمطة» عوض الجدار... بعد ذلك تلقيت أمرا بحمل السكان إلى ما وراء الجدار حماية لهم هذه العملية كانت صعبة ومليئة بالمخاطر لكن الطقس ساعدنا... فخلال أيام النقل غطى ضباب كثيف المنطقة مما سهل عملنا دون أن يشعر العدو بذلك... بل ظل يذيع بلاغات على أنه قدف بالصواريخ موقع بئر أنزران وألحق أضراراً بالقوات المغربية بينما كنا قد أفرغنا المكان......
 
بعد المعركة زارنا ولي العهد الأمير سيدي محمد ... صاحب الجلالة الملك محمد السادس... كنا فرحين و فخورين بهذه الزيارة.... قدمت لسموه شروحا على أطوار المعركة وقدمت له الضباط للسلام عليه... زار المواقع وأطلعته على أطنان من المدافع والذخيرة تركها العدو عندما اضطر إلى الفرار من أرض المعركة... كان ولي العهد لطيفاً معنا حيث هنأنا وبارك جهودي.... زارنا بعد ذلك عدد من الجنرالات المعاينة الأوضاع كانوا جميعا ينوهون بقدرتنا القتالية ... كنت أجيب... «قمنا بواجبنا !».
 
بلاد اسبوعة
كانت العائلة بكاملها حاضرة في هذا اللقاء وكانت زوجة الجنرال تتدخل للتعليق على حدث أو لضبط بعض التواريخ... قالت لي.... «كنت في إفران يوم استقبل الملك زوجي... انتظرته لعدة ساعات وخشيت أن يكون قد استشهد... ووسط كبار المسؤولين أجهشت بالبكاء... كان إلى جانبي المحجوبي أحرضان... قال لي.... «لماذا البكاء؟... إذا عاد فهذه هي الفرحة وإذا استشهد فعليك أن تكوني فرحة لأنك زوجة شهيد.......
 
عاد الجنرال إلى القول بأن الحسن الثاني كان يتابع المعركة... ويسأل عن الأجواء العامة داخل الجيش..... كنت إذاك برتبة كومندار... دعاني الملك إلى إفران... وهناك وضع على صدري وسام النجم الحربي» ووسام العرش من درجة فارس وقام بترقيتي إلى رتبة ليوتنان كولونيل... أثناء التوشيح سألني الحسن الثاني بالدارجة... من أي جهة أنت؟»... فقلت نعم أسيدي من إيموزار مرموشة فأجابني... «أنت من معقل الأسود.... قالها بالدرجة أنت من بلاد السبوعة وأضاف... الله أعطانا الجبال والجبال أعطتنا الرجال».
 
وتذكرت زوجته فاطمة بأنها كانت تزور زوجها في موقع بئر أنزران وأن الجيش كان يحملها بواسطة طائرة الهيليكوبتر. كانت مع أطفالها تقضي هناك عدة أيام وكان الأطفال يعتبرونها عطلة... قالت «خلال مقامنا، كان الموقع يتعرض للقدف بالمدفعية أو الصواريخ... كانت الانفجارات تهز المكان وكان الأطفال يسألون والدهم عن مصدر هذه الانفجارات فكان يجيبهم.... الجنود يطلقون النار على الكلاب ......
 
السيدة فاطمة زوجة الجنرال ناشطة سياسية وجمعوية تكفلت ليس فقط بالحفاظ على أبناءها ومتابعة دراستهم بل شاركت في الحياة الوطنية واحتلت مراكز قيادية ... سألتها ما هو سر تسمية صغيرة بناتك... قالت... عندما كانت المعركة جارية شهر غشت كنت حاملا... وعندما انتصرت قواتنا وتلقيت التهاني رغبت أن أسجل للتاريخ هذا الانتصار.. لذلك عندما وضعت مولودتي سميتها «انتصار»... انتصار هي التي اتصلت بي وهيأت أجواء اللقاء مع والدها.

يتبع