الأشعرية هي مدرسة كلامية إسلامية تُنسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري (ت 324هـ/936م)، الذي حاول التوفيق بين العقل والنقل في قضايا العقيدة، وردّ على التيارات المختلفة التي ظهرت في عصره، ويعود نسب الإمام الأشعري إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري.
وتعتبر مدرسته إحدى المدارس الكبرى في علم العقيدة، ولها أثر كبير في تاريخ الفكر الإسلامي، لهذا أغلب العلماء والفقهاء الكبار انتسبوا لها مثل: البيهقي، الباقلاني، القشيري، الجويني، الغزالي، الفخر الرازي، النووي، السيوطي، ابن عساكر، وغيرهم كثير..كان منهجه رحمه الله تعالى قائماً على الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، والسعي إلى إثبات العقائد الدينية المكتسبة من الأدلة اليقينية، لهذا عرفت المدرسة الأشعرية انتشاراً واسعاً في العالم الإسلامي، كما أصبحت العقيدة الأشعرية مرجعية فكرية ثابتة في العديد من الدول الإسلامية، ومنها المغرب الذي تبناها كحصن معرفي وعقدي تحفظ الأمن الروحي للمغاربة ووحدتهم الدينية والعقدية؛ لهذا فشلت بعض التيارات المتطرفة في اختراق المجتمع المغربي المسلم وجلبه إلى التطرف والإرهاب والتكفير؛ لأن قضية التكفير عند الأشاعرة خط أحمر وخصوصاً فيما يتعلق بحكم مرتكب الكبيرة؛ بحيث عرّف الأشاعرة الإيمان بأنه التصديق القلبي، ووفقاً لذلك، ذهبوا إلى أن مرتكب الكبيرة دون الكفر لا يُعتبر كافراً ولا منافقاً، ولا يخرج عن دائرة الإيمان، بل يُعدّ مؤمناً فاسقاً، أي أن الإيمان والفسق يجتمعان فيه. يقول القاضي الباقلاني في هذا السياق: "فإن قال قائل: فخبروني عن الفاسق الملي هل تسمونه مؤمناً بإيمانه الذي فيه، وهل تقولون إن فسقه لا يضاد إيمانه؟ قيل له: لأن الشيئين إنما يتضادان في محل واحد. وقد علمنا أن ما يوجد بالخوارج لا يجوز أن ينفي علماً وتصديقاً يوجد بالقلب.
فثبت أنه غير مضاد للعلم بالله والتصديق له، فصح بذلك اجتماع الفسق الذي ليس بكفر مع الإيمان وأنهما غير متضادين." ومن هذا المنطلق، كان المذهب الأشعري متشدداً في رفض تكفير أهل القبلة، كما جرم قتل النفس الإنسانية البريئة، بغض النظر عن دينها أو مذهبها، علما أن المذهب الأشعري هو الامتداد الحقيقي لمذهب السلف الصالح وأهل السنة والجماعة، وهو الحصن الذي حمى الأمة الإسلامية من التيارات الدينية المنحرفة والطوائف المغالية، كما أن هذا المذهب يعكس مقصداً عاماً من مقاصد الإسلام، وهو الوسطية والاعتدال، ولهذا ما أحوجنا اليوم إلى المدرسة الأشعرية وخصوصا في ظل تنامي ظاهرة التطرف الديني الذي يبيح أصحابه التكفير والتفجير والقتل والإرهاب باسم ديننا الإسلامي.
ختاماً، إن المذهب الأشعري لم يكن مجرد مدرسة عقدية؛ بل كان ولا يزال ركيزة أساسية للوحدة الفكرية والدينية للأمة الإسلامية، وقوة دافعة نحو بناء مجتمع قائم على الاعتدال والوسطية والرحمة والتعايش والتعارف؛ لهذا كانت الأشعرية كمدرسة سنية دائما تبحث عن الأعذار للمسلمين وتدعو إلى التعامل مع القضايا العقائدية بروح الإنصاف والعلم والبعد عن تكفير أي مسلم من أهل القبلة .
أنس المين حلتوت - باحث في الفكر الإسلامي