يكبد الشرط الجزائي، الذي يفرض في التعاقدات التي يبرمها مسيرو الأندية الرياضية خسائر مالية كبيرة، وجدلا واسعا في أوساط الجماهير، وقد يصل الصراع إلى الهيئات القضائية وغرف المنازعات. لهذا فإن صياغة العقود وتوضيح الشروط التعاقدية بين اللاعبين والمدربين وجميع مكونات الأطقم التقنية والإدارية والطبية، وبين المكاتب المسيرة للفرق يجب أن يتم بدقة وعناية تضمن لكل طرف حقوقه وتجعل التراضي شعارا للانفصال.
يطرح الإشكال غالبا في العلاقة التعاقدية مع المدربين، نتيجة الضغوط الإعلامية والجماهيرية على مكاتب الأندية، ما يجعل الأنظار تتجه إلى المدربين، حيث سرعان ما تتم التضحية بهم، لكن الشرط الجزائي غالبا ما يجلب لهم فائدة مادية ويحميهم من طلاق “خلعي”:
هل انتهى زمن الانفصال بالتراضي؟
تتجه الأندية عند التعاقد مع المدربين أو تجديد عقودهم، أو في حال تحقيق البطولات ونتائج إيجابية إلى الجلوس مع مدربيها حول طاولة التفاوض، لفتح نقاش حول اتفاقية لتجديد العقد، وهو ما يستغله المدربون بوضع بند الشرط الجزائي، الذي يكون غالبا مبالغا فيه بشكل كبير.
بالمقابل تضع النتائج المتواضعة والإخفاقات المتوالية، المسريين في ورطة حقيقية إذا تبين لهم أن الانفصال عن المدرب مكلف ماليا، نتيجة شرط جزائي يلزم إدارة النادي على أداء مبالغ مالية فتؤجل الإقالة ويفتح باب التفاوض أملا في البحث عن حل توافقي يذيب كلفة الشرط الجزائي، وغالبا ما يجد المسير نفسه أمام مطرقة جمهور يطالب بإقالة مدرب وطاقمه المساعد وسندان تكلفة الانفصال المحددة في العقد على شكل شرط جزائي، خياران لا ثالث لهما إما تسليم مستحقات المدرب المقال كاملة أو رفع القضية إلى غرفة منازعات الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وتعتبر ظاهرة إلغاء العقد للمدربين من طرف واحد، ظاهرة عالمية، تحدث في جميع دول العالم دون استثناء، وتعد أسهل طرق لخروج إدارة أي ناد من ضغوطات جماهيرها التي تطالب برحيل المدرب كلما ضربت موجة إخفاق نتائج الفريق.
الرجاء الرياضي.. شرط جزائي غريب
قبل أسابيع قليلة، أصدر نادي الرجاء الرياضي بيانا أعلن فيه “فك الارتباط مع مدرب الفريق الأول ريكاردو سابينتو بالتراضي، مع تكليف مساعده حفيظ عبد الصادق بتولي مهمة تدريب الفريق بشكل مؤقت، في انتظار التعاقد مع مدرب جديد يتناسب مع طموحات النادي.”
لكن قبل هذا الإعلان عن الانفصال من طرف واحد، أشارت مجموعة من التقارير الإعلامية أن الاجتماع الذي جمع رئيس الرجاء الرياضي عادل هالاـ بالمدرب البرتغالي ريكاردو سابينتو، لم يفض، إلى اتفاق يقضي بالانفصال بشكل ودي بين الطرفين، بسبب تشبث المدرب البرتغالي بشروط عقده المبرم مع النادي، إما باستكمال مدة الارتباط أو الحصول على قيمة الشرط الجزائي كاملة.
ورفض ريكادرو سابينتو، مدرب فريق الرجاء الرياضي لكرة القدم السابق، مقترحا لفسخ العقد الذي يربطه بالفريق ودعا عبر محاميه إلى تفعيل البند الذي يتيح له الحصول على مبلغ 500 مليون سنتيم في حال إقالته من مهامه قبل متم سنة 2024.
الشرط الجزائي..بين التنفيذ واللجوء لغرفة المنازعات
في العقود المبرمة بين الأندية المغربية والمدربين، يتم التركيز أكثر على الشرط الجزائي، والتي تجعل التفكير في الانفصال يصطدم بصخرة شرط مكلف قد لا تتحمله ميزانية الفريق.
لكن هناك بعض رؤساء الأندية المغربية، الذين يصرون على أن يظل الشرط الجزائي سرا بين المدرب والرئيس، بل إن البعض الرؤساء يدوسون على البنود الرادعة ويقيلون المدربين من جانب واحد، مع ما يترتب عن هذا القرار من مضاعفات.
في وقت أعلن البرتغالي جورج بيتشاو، المدرب السابق لفريق الدفاع الحسني الجديدي، عبر منشور له على حسابه في “إنستغرام“، إنه قرر اللجوء إلى القضاء وتقديم دعوى لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا“ من أجل حماية حقوقه والحفاظ على سمعته المهنية”.
وأعرب المدرب البرتغالي عن استغرابه من قرار إقالته من تدريب فريق الدفاع الحسني الجديدي، مؤكداً أنه حتى الآن لم يحصل على تفسير رسمي لهذا القرار.
وفي مارس 2024 رفض التونسي فوزي البنزرتي المدرب السابق الوداد الرياضي لكرة القدم، تقديم استقالته من منصبه تحت ضغوطات الجماهير التي طالبته بالرحيل، وتشبث بمهمته كمدرب للوداد، رافضا الخضوع لمطلب الوداديين دون الاستفادة من الشرط الجزائي، قبل أن يرضخ تحت ضغط الشارع الودادي ويفسخ العقد الذي يربطه بالفريق الأحمر، والذي كان يمتد إلى غاية نهاية الموسم الكروي، مع الموافقة على التنازل عن جزء من المستحقات المالية التي يدين بها للوداد مقابل “تسريح“ بمعروف.
الشرط الجزائي.. ظاهرة تشمل جل الدوريات الكروية
تعد إقالة واستقالة المدربين ظاهرة تشمل كل الدوريات الكروية، مع تحمل أداء الشرط الجزائي، ومؤخرا وجد الاتحاد المصري لكرة القدم نفسه مجبرا على أداء الشرط الجزائي للمدرب البرازيلى روجير ميكالي مقابل الانفصال عنه.
وأعلن الاتحاد المصري لكرة القدم، برئاسة هاني أبو ريدة التوصل إلى اتفاق مع المدرب البرازيلى روجير ميكالي مدرب منتخب الشباب المصري لإنهاء التعاقد معه وحصوله على مستحقاته المالية المنصوص عليها في العقد المبرم بتاريخ 1 أكتوبر 2024، والتي تتضمن رواتب ثلاثة أشهر كشرط جزائي، علما أن راتب الشهر الواحد يصل إلى 118 ألف دولار.
عبيس: يجب على المفاوض أن يكون ملما بالقوانين
في حديثه لـ “أنفاس بريس“ أشار إدريس عبيس، الإطار الوطني، بخصوص الشرط الجزائي في عقود المدربين المحترفين، أنه بالنسبة لمدونة الشغل بالمغرب يوجد شرط جزائي في قانون الشغل، لأن العقد النموذجي الذي يتبناه المغرب يتضمن شرطا جزائيا، ففي حالة الطرد التعسفي يكون مرفوقا بغرامة يتراوح مقدارها أجر شهرين، مضيفا أنه في مجال كرة القدم أيضا يوجد الشرط الجزائي المتمثل في مدة شهرين أو 3 أشهر بعد إنهاء العقد مع المدرب.
وأضاف عبيس، مضيفا أن المدربين الأجانب وحتى بعض الأطر الوطنية، تبرم عقودا تتضمن شرطا جزائيا، من خلال الاتفاق على مبلغ مالي معين بين الطرفين، والعقد شريعة المتعاقدين. “من هنا لابد من التشديد على ضرورة عدم المصادقة من طرف الدولة على عقود تضم مبلغ يتجاوز مدة شهرين، وبالتالي سيصبح التفاوض ما بين النادي أو الشركة الرياضية أو الجمعية مع المدرب سواء كان مغربيا أو أجنبيا خاضعا لمدة شهرين مع توضيح الأمر للرأي العام، من خلال التعريف بالقيمة المالية للتعاقد وبما سيحصل عليه المدرب في حال فسخ العقد، وما يمكن أن يحصل عليه النادي في حالة استقالة المدرب“.
وفي رده عن الإكراه الذي يشكله الشرط الجزائي للأندية المغربية، من خلال إثقال كاهلها ماديا، أوضح محدثنا أن الحكامة تغيب في صياغة العقود لأن من يقوم بمهمة التفاوض لابد أن يكون ملما بالقوانين المنظمة، وبالمشاكل التي يمكن أن تحصل في حال الانفصال من خلال إدراك مؤشر الخطر الذي لابد من استحضاره عند التعاقد “لا يمكن أن يتم الاتفاق والتعاقد مع مدرب معين دون إدراك الآثار التي يمكن أن تنتج على ذلك في حال الانفصال عن المدرب وفسخ العقد معه وهنا يكمن المشكل“.
قطاية: الإشكال المطروح يكمن في غياب تدبير محكم للتفاوض مع المدرب
أوضح أيوب قطاية، الاستشاري المتخصص في التدبير الاستراتيجي لأندية كرة القدم، في حديثه حول الموضوع أن “الشرط الجزائي هو اتفاق في العقد بين أطراف التعاقد، وبمقتضاه يلتزم المتعاقد الذي يخل بالتزامه بتعويض المتعاقد الآخر عن الضرر من إلغاء العقد، مشيرا إلى أن النادي يكون ملزما بأداء راتب شهرين للمدرب بالمغرب، مشيرا إلى أن كل اتحاد وطني لكرة القدم له قوانين تخص مسألة التعاقد مع المدربين وأن هذه القوانين يحكمها الميثاق الوطني لمدرب لكرة القدم ولكل دولة قوانينها“.
فيما يتعلق بالمدربين الأجانب، يرى أيوب قطاية، أن الشرط الجزائي في العقود يكون بمثابة تحصين وحماية لهم، وهو الشيء الذي يدفع مجموعة من الأندية الوطنية إلى التفكير مليا قبل فك الارتباط مع المدربين الأجانب بصفة خاصة. أمام هذا المعطى الذي يثقل كاهل الأندية الوطنية ماديا يصبح التفكير في مسطرة الانفصال تشغل المسيرين أكثر من الخلف.
وشدد محدثنا، على ضرورة وضع مجموعة مع الأهداف في العقد ومناقشتها خلال فترة التفاوض مع المدرب قبل التعاقد معه وقال “الإشكال الذي يقع في أغلب الأحيان هو عدم وجود تدبير محكم للتفاوض مع المدرب، لهذا لابد من إبرام عقد مرتبط بمجموعة من الأهداف مثلا كاحتلال المرتبة الثانية خلال الشطر الأول من البطولة وفي حال تحقيق نتائج معاكسة لهذا الأمر سيتم فسخ العقد مع أداء راتب شهرين مثلا، لهذا من الضروري وضع عقدة أهداف مع الأطر الذين يتم التعاقد معها."