لاشك أن احتضان المغرب لكأس العالم 2030، بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال، حدث فوّار لا ينبغي أن نتعامل معه بأذرع مكسورة، أو بعقول واثقة أكثر مما يجب. ولا شك أيضا أن "كأس العالم" محطة صعبة وجامحة، تتطلب استعدادا كبيرا دون اتكاء أو اتكال، كما تتطلب العمل بإحكام وتناغم بين مختلف القطاعات الحكومية من أجل أن تقضي البلاد أعواما طويلة في حضن «الثروة». ذلك أن عائدات المونديال ستتجاوز البعد الرياضي والسياحي، إلى أبعاد أخرى تتصل بالاستثمارات الأجنبية وتوسيع قاعدة الشركاء وزيادة إشعاع المغرب والتعريف بمقوماته الحضارية والثقافية والمجتمعية، فضلا عن زيادة النفوذ المغربي على المستوى الجيوسياسي وتسويق صورة إيجابية عن المملكة المغربية. بل إن كل المؤشرات تقول إن هذا الحدث الرياضي سيكون له وقع نافع ليس فقط على الاقتصاد الوطني، بل على «النموذج التنموي الجديد»، وعلى تسريع وتيرة تجهيز مجموعة من البنيات التحتية التي من شأنها أن تمنح المواطنين المغاربة ولوجا مريحا إلى الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية والثقافية والرياضية «الطرق، الطيران، المطارات، القطارات، المستشفيات، الأبناك، الفنادق، المواصلات السلكية، المطاعم، المقاهي، المساحات الخضراء، أنظمة الرقمنة ..إلخ».
نعم، صحيح أن «الفيفا» «الاتحاد الدولي لكرة القدم»، تحتكر الحصة الأكبر من الأرباح غير القابلة للاقتسام، والتي تتصل ببيع حقوق البث «جنت في نسخة قطر» 3 ملايير دولار)، والعقود التجارية (8 ملايير دولار) دولار، وبيع التذاكر (300 مليون دولار)، وحقوق التسويق: «ما يناهز مليار ونصف»، وصحيح أنها تستفيد، أيضا، من تخفيضات ضريبية مهمة. غير أن تنظيم كأس العالم يعتبر، كما تترجم كل ذلك كل المؤشرات، محطة حاسمة للمغرب من أجل تسويق صورة الدولة القادرة على تنظيم حدث بهذا الحجم، وهو ما سيمكن من جذب استثمارية خارجية مهمة، وتحقيق عائدات اقتصادية جمّة، وبالخصوص في الشق المالي، الي قدرتها «فالوريس سيكيوريتيز» (Valoris securities)، المختصة في قضايا التحليل المالي والوساطة في سوق البورصة المغربية، في ما يقارب 1,2 مليار دولار، إذ توقعت الشركة، في تقريرها الذي نشرته في مارس 2024، أن تجلب كل مباراة لبلادنا ما بين 25 إلى 37.5 مليون دولار (يستضيف المغرب ثلث المباريات من أصل 104). ولن يقرع هذا العائد المالي بابنا بسهولة ما لم يسبقه الجواب على مجموعة من الرهانات التي تفرضها «الفيفا» على الدول المنظمة:
أولها: ربح رهان البنية التحتية لتكون في المستوى المتوقع من حيث الإنجاز والتنظيم والمعايير الدولية المطلوبة، إذ من شأن ذلك حسب الخبراء أن يحقق ليس فقط عائدات تقدر بحوالي 10 مليارات درهم، بل سيعطي صورة إيجابية ومشرقة في العالم تنعكس على صورة المغرب ومكانته الإقليمية والدولية ما بعد سنة 2030. فتأهيل وتوفير البنيات التحتية الكافية، الذي من المتوقع أن يبتلع 17 مليار درهم، هو صمّام الأمان الرئيسي لإنجاح حدث كبير في قيمة تنظيم المونديال، خاصة أن المغرب يحتل المرتبة 69 عالميا من حيث جودة وقوة البنيات التحتية، بينما تحتل إسبانيا المركز الثاني عالميا، والبرتغال في المركز 13. أما في يخص الجاهزية التقنية، فيحتل المغرب المركز 73 بينما تتمركز اسبانيا في الرتبة 17 والبرتغال في الرتبة 31 عالميا. وفي الوقت نفسه يحتل البرتغال المركز 14 في يخص الرعاية الصحية والنظافة، وتحتل إسبانيا المركز 25، أما المغرب فيحتل المركز 85 عالميا.
ثانيا: تهييء 6 ملاعب مغربية، وهي: ملعب أكادير (45 ألف مقعد) ومراكش (45 ألفا) وملعب محمد الخامس بالدار البيضاء (45 ألفا) والرباط (53 ألف) وفاس (36 ألف) وطنجة (45 ألفا)، التي تحتاج في غالبيتها إلى إعادة بناء وترميم، وجعلها في قلب التنافسية مع ملاعب إسبانيا والبرتغال التي تتمتع بجاهزية كبيرة. ومن المتوقع، وفق الدراسة التي أجرتها شركة «سوجيكابتال جيستيون» (Sogécapital Gestion)، أن ينفق المغرب حوالي 17 مليار درهم لبناء وتجديد الملاعب، و8 مليارات درهم لتجهيز مراكز التدريب. غير أن الإنفاق الأكثر ثقلا يظل هو بناء ملعب الحسن الثاني، وهو ثاني أكبر ملعب في العالم بضاحية مدينة بنسليمان على مساحة 500 هكتار، وهو مشروع يسعى من خلاله المغرب، إلى تعزيز حظوظه لانتزاع مباراة نهائي كأس العالم 2030 من إسبانيا.، حسب ما أكده فوزي لقجع،رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، حين قال في تصريح سابق إن «المباراة النهائية ستكون بملعب بالدار البيضاء الكبير».
ثالثا: أثبت المغرب أنه حصان رابح في المحطات التنظيمية على المستوى الرياضي، ونال ثقة «الفيفا» و«الكاف» مرات متعددة، غير أن رهان المونديال مختلف عن كل المحطات السابقة على المستوى التنظيمي، إذ يتطلب 10 مليارات درهم للتكاليف التنظيمية العامة كالأمن والتسويق والترويج..
رابعا : أبدى قطاع السياحة المغربي حماسا قويا من حيث الاستثمار والتنمية، إذ من المتوقع أن يعرف هذا القطاع، مع تنامي عدد السياح الوافدين، انتعاشة كبيرة ستستمر بعد المونديال، ويرتبط مدى هذا الارتفاع بنوعية المباريات التي سيستضيفها المغرب على أراضيه. كما أنه من المتوقع أن تصل عائدات السياحة إلى 11 مليار يورو، خاصة ارتفاع عدد السياح سيؤدي إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات المغربية.
خامسا : جلب المستثمرين على المستوى المؤسساتي، وطنيا ودوليا، ودعم الاستثمار الخاص في قطاع تشييد البنيات التحتية، بالإضافة إلى تحريك موارد خزينة الدولة، وتعبئة المؤسسات العمومية الكبرى (المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب؛ المكتب الوطني للسكك الحديدية؛ والمكتب الشريف للفوسفاط، فضلا عن الأبناك، من أجل كسب هذا الرهان، وهذا شرط ضروري ولازم لتحقيق الأهداف المرسومة.
سادسا : ترجيح كفة المواطنين المغاربة في معادلة «الربح والخسارة»، خاصة أن بعض الدول مثل البرازيل (2014) منيت بخسارات فادحة، كما سجلت ذلك مجموعة من التقارير. إذ عرفت أسعار السلع والخدمات ارتفاعا مهولا، وقد دفع المواطنون العاديون ثمن ذلك، كما تأثرت الشركات الصغيرة أيضا من خلال صعوبة المنافسة مع الشركات الكبيرة، مما أدى إغلاق العديد منها، فيما أكدت الدراسة أن أعمال البناء في كأس العالم أثرت بشكل كبير على البيئة، وبوجه خاص على المجال الغابوي. بل إن «مجلة فوربس» وصفت في تقرير بها ما وقع بالبرازيل بأنه «أكبر خدعة دعائية في التاريخ»!
سابعا : الوضوح في توقع حجم الربح مقابل «الاستثمار الوطني»، ذلك أنه يجري الآن الحديث في إسبانيا على أن الإيرادات ستزيد على 10 مليارات أورو، وسيتيح الحدث الرياضي قرابة 83 ألف وظيفة بدوام كامل، فما هي الإيرادات التي سيجنبيها المغرب، وما هو وقع عائدات المونديال على الناتج الداخلي، وحجم النمو؟
ثامنا: تأهيل العنصر البشري، على مستوى حفاوة الاستقبال وقواعده وضروراته، وعلى مستوى التحسيس والتوعية، وعلى مستوى احترام الحريات والثقافات، حتى تتعزز صورة المغرب وسمعته العالمية، خاصة أن العائدات المعنوية للتنظيم نقتضي الاستثمار في احترام ضيوف المونديال وتعريفهم بالثقافة المغربية وتاريخها.
تاسعا: المونديال حدث عالمي حاسم وقوة دفع كبيرة لمختلف الطموحات التي يتقدم نحوها المغرب، على مستوى علامته الوطنية، وعلى مستوى قضاياه. وهذا يقتضي بطبيعة الحال انخراط القادة السياسيين ونجوم الرياضة والفن والعلوم وغيرهم من الشخصيات البارزة من أجل الترويج للمغرب وقضاياه، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية التي حققت وثبات مهمة لصالح بلادنا.
عاشرا : إذا كان المونديال يمنح البلد المنظم صفة «منطقة جذب»، فإن المغرب مدعو إلى قيادة مبادرات دولية إضافية، والانخراط في هياكل وتجمعات اقتصادية وجيو استراتيجية بما يعزز مكانته ومكاسبه التي حققها على المستوى الدولي، في السنوات الأخيرة.
من المؤكد، أخيرا، أن تنظيم هذا الحدث العالمي، الذي لطالما لاحقه المغرب «خمس مرات»، سيتيح فرصا كبيرة لتوفير آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة للشباب المغربي، إذ من المتوقع أن يتم تشغيل آلاف الشباب في قطاعات البناء، السياحة والخدمات واللوجيستيك، وهو ما قد يساهم في تقليص معدل البطالة. كما قد يساهم في تعزيز فرص الولوج إلى سوق العمل واكتساب مهارات جديدة وخبرات متطورة تتصل بالبرامج التدريبية الجديدة التي تستهدف الشباب المتطوع. وهذا يفرض بطبيعة الحال تعبئة المجتمع المدني، بجميع موارده البشرية وإمكاناته العملية والميدانية، من أجل تحقيق التلاقح العلمي والثقافي والتكنولوجي، بما يؤهل الشباب للانتماء إلى الحاضر بكل تعقيداته ورهاناته.
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية " الوطن الآن"