سقوط نظام بشار الأسد يعكس مرحلة دراماتيكية، ومرحلة فاصلة في سوريا. وأعتقد أن الأمر تمّ بترتيبات، وبشكل تدريجي، حيث تنحّى في نهاية المطاف، على اعتبار أن هذه التّرتيبات تدخل في مسارات جديدة، تهمّ منطقة الشّرق الأوسط. ويمكن أن نربط كلّ ما بين هذه السّاحات في ما وقع في قطاع غزّة وما وقع في لبنان، وفي جنوب لبنان بعد وقف إطلاق النّار ومباشرة تمّت هذه العمليّة.
بطبيعة الحال، ما حصل له معنى جيوسياسي هو الفصل ما بين هذه القوى الدّاعمة لحركة المقاومة «حزب الله»، والتي تسمي نفسها بقوى "الممانعة"، والتي تشمل محور كلّ من روسيا وإيران إلى جانب سوريا، علاوة على الجزائر التي هي حليف هذا المحور بشكل أو بآخر. وقد كنّا نفهم من خلال بعض المواقف السّورية أن هذا الموقف الرّسمي، ولو أنه لم يعلن عنه في وسائل الإعلام الرّسمية التابعة للنّظام السّوري، كانت تدعم الانفصال وتدعم جبهة البوليساريو وتتفاعل مع النظام الجزائري، إذ أن هناك تنسيقا بهذا الخصوص بين النّظام السّوري الذي يمثّله بشّار الأسد.
ما حصل يشكل حقيقة نقطة مضيئة في تاريخ هذا الشّعب أو علاقة هذا الشّعب بالشّعب المغربي وعلاقة هذا البلد بالمغرب هي صفحة جديدة، خاصّة أن القيادة الجديدة التي لم نعرف حقيقة مدى تجاوبها مع القضايا الوطنية أو مع القضايا الدولية. لكن أظنّ أنّه بكلّ المقاييس سوف تكون المرحلة الانتقالية صعبة. لكن أتصوّر أن سقوط النّظام السّوري سوف يسقط معه العديد من المقولات والعديد من المحاور والتّقاطب القائم في منطقة الشّرق الأوسط في امتداد لمنطقة الشّمال الأفريقية، خاصّة في قضايا كقضية الصّحراء المغربية، وسوف ينعكس إيجابا على هذه القضية من خلال تجريد الجزائر وصنيعتها البوليساريو، من الدّعم والإمداد القادم من إيران، ومن الدّعم المماثل المعنوي السّوري.
ويتضح أنّ المحاور التي ترصد حالياً بنية النّسق الإقليمي ليست في صالح قوى الممانعة، فالنّظام الرّوسي سقط قبل ذلك، لكن يتمّ الإعلان عن سقوطه رسمياً اليوم في استكمال لهذه لوحدات النّظام الإقليمي الجديد الذي هدفه تقليم أظافر إيران وتوجيه تخلي إيران عن حلفائها ووكلائها الإقليميين، وعلى رأسهم النّظام السّوري وحزب الله اللبناني التي كان لها دور في هذا الإمداد الذي يمر من خلال سوريا إلى لبنان، وعبر لبنان إلى منطقة شمال إفريقيا والجزائر القائم في منطقة امتداد لشمال إفريقيا، خاصة ما يتصل بقضايا إقليمية كقضية الصّحراء المغربية، ممّا سيكون انعكاس إيجابي على هذه القضية - كما قلت - لتجريد الجزائر وصنيعتها البوليساريو، من الدعم والإمداد القادم من إيران ومن دعم معنوي من سوريا.
ولا يفوتنا أن نؤكّد، على أنّ النّظام السّوري كان له موقف من قضية الصّحراء المغربية. والنّظام الجزائري، كان يلعب دورا أساسيا في التّأثير على صنع القرار السّوري بهذا الخصوص، وهي قضية لا تعني حقيقة لسوريا بشكل مباشر، لكن أظنّ أن هذا التّأثير يدخل في إطار تبادل المصالح والمنافع ما بين الجزائر وسوريا. فسقوط النّظام السّوري ضربة قاضية للنّظام الجزائري العسّكري الذي كان دائما يلعب بهذه الأوراق القوية،ويحاول أن يشكّل هذا الاستثناء، لأنّ الإجماع العربي لا يرقى إليه الشّكّ. فهناك إجماع عربيّ بخصوص قضية الصّحراء المغربية، خاصّة من الدّول الكبرى. وحينما نتحدّث عن مصر والمملكة العربية السعودية، وجامعة الدول العربية، فالجزائر لم تستطع أن تخترقها، بل أكثر من هذا هي مهددة بالطّرد من جامعة الدول العربية، إذا ما روّجت للانفصال، وإذا ما قامت بترويج بعض الأطروحات المتهالكة داخل أروقة جامعة الدول العربية.
أعتقد أن نهاية النّظام السّوري، مقدّمة وبداية أساسية لإضعاف الموقف الجزائري وفقدانه لحليف أساسي، إلى جانب إيران التي لم يعد يشغلها الدّفاع عن هذه القضايا الهامشية، بل أكثر من هذا، ما يهمّها الآن هو الدّفاع عن وجودها وكينونتها ومصيرها في نظام إقليمي في طور النّشوء. ولا يسمح لإيران بلعب أدوار جديدة داخل نسق المنظومة الشرق أوسطية، خاصّة أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية تريد تعزيز موقع إسرائيل في المنطقة وبعض الدّول المتحالفة معها وتقليم أظافر إيران وتكسير عدالة المنطقة المتّحدة الأمريكية بشكل نهائي.
وبخصوص دور التّجريدة المغربية إبان حرب «الجولان»، فقد كانت في البداية وكانت في المقدمة وهذا ما حكاه العاهل المغربي الملك الحسن الثاني رحمه الله، في كون التّجريدة المغربية في الجولان كان لها دور أساسي في المواجهة، لكن الحقيقة فعليا، أنّه لم تكن هناك تعزيزات عسكرية جوية للدّفاع عن هذه الكتيبة التي قامت بأدوار كبيرة جدّا في مواجهة العدوّ الإسرائيلي، خاصة خلال حرب أكتوبر المجيدة. فالنّظام السوري كان يلعب أدوارا أساسية من خلال التّنسيق مع إسرائيل،وحتّى لا نكون مجانبين للحقيقة. فهذا النّظام كان يلعب بتنسيقيات أمنية لضمان استمراره وجوده، ولم يكن يحرّك ورقة الجولان واسترجاع هضبة الجولان، المهيمن عليها والمسيطر عليها من قبل إسرائيل، حتّى نفهم حقيقة أن النّظام السّوري نظام عميل ونظام لم يكن يرغب في تحقيق الوحدة العربية أو في تحقيق تلك الشّعرات أو الممانعة وغيرها، لكن كان يدافع عن كينونته.
وللحقيقة، ما يسجّل على هذا النّظام الدكتاتوري أنّه لم يكن نظاما مجمعا عليه حتى من قبل الفرقاء الذين كانوا يكرهون الحركات الإسلامية أو حتى من قبل الفرق الطائفية، لدرجة أن العديد من الأطياف كانوا يتحدثون عن أنه نظام فساد. هذا النّظام بولاءته المتعدّدة التي كانت تستنزف الخيرات، وكانت تدافع عن المصالح الضّيقة للطّبقة الحاكمة في سوريا، بغض النّظر عما كان يعانيه الشّعب السّوري. والدليل أن بشّار الأسد لم يتجاوب بشكل نهائي مع مطالب الشّعب السّوري في كل محطّات الحراك بداية من 2011 إلى أن انهار. هنا نتحدث عن مرحلة دامت لأزيد من عشر سنوات محاولة للبقاء وتشبّتا بالسّلطة والسّماح لقوى أخرى تتحكّم في سوريا.
وحتّى نكون واضحين أكثر، فإنه بعد 2012 لم يعد لبشّار الأسد وجود على مستوى السّلطة، بل أصبحت دول أخرى تتحكّم فيه، وحان الوقت للتخلّص من التّبعية، وإنشاء نظام سياسي محترم يعبر عن السّيادة الوطنية والشعبية لهذا البلد المكلوم.