samedi 5 avril 2025
فن وثقافة

عبد المجيد بن جلون: حياة بين الأدب والصحافة والديبلوماسية

عبد المجيد بن جلون:  حياة بين الأدب والصحافة والديبلوماسية عبد المجيد بن جلون عبر كل هذه الأطوار من حياته الحافلة بالنشاط الإعلامي والسياسي والديبلوماسي
في حلقة جديدة من برنامجه الإذاعي "مدارات"، بالاذاعة الوطنية من الرباط، تحدث الكاتب والإعلامي عبد الإله التهاني بإسهاب عن الاديب المغربي الراحل عبد المجيد بن جلون، واصفا إياه بأنه رائد السيرة الذاتية في الأدب المغربي الحديث.
 
نجم وسط نخبة الرواد:
وسجل أنه لا يذكر ميلاد الأدب القصصي والروائي في الثقافة المغربية الحديثة، إلا ويذكر صناعه ورواده الذين وضعوا أسسه الأولى، وحققوا فيه سبقا وريادة إبداعية، اتسمت بقدر كبير من جمالية الإبداع وجودته، حيث يأتي في طليعة هؤلاء الأدباء رحمهم الله، التهامي الوزاني من تطوان، وعبد الكريم غلاب وعبد المجيد بنجلون من فاس.

وأضاف  بأن صيت عبدالمجيد بن جلون، قد ذاع بين الأجيال المغربية"، بسيرته الروائية الشيقة  "في الطفولة"، ناعتا إياها بأنها  من روائع الأدب المغربي الحديث والمعاصر، وبأنها رسخت مكانة ومقام مؤلفها في الوسط الأدبي المغربي والعربي، إلى جانب بقية إبداعاته وكتاباته المتنوعة، التي جعلت منه  واحدا من أهم وألمع الشخصيات الثقافية المغربية في القرن العشرين. 
ووصف عبد الإله التهاني في ورقته التقديمية، شخصية المرحوم عبد المجيد بنجلون، بأنها تمثل حالة إنسانية وثقافية، على قدر كبير من الخصوصية والتميز . 
 
رحلة القدر بين الدارالبيضاء ومانشستر وفاس: 
وتعريفا به ذكر، ذكر بأن ميلاده كان بالدار البيضاء عام 1919، في أسرة فاسية عريقة، ولكنه في سن الخامسة سيرحل رفقة أسرته إلى مانشستر بإنجلترا، حيث سيزاول والده هناك نشاطا تجاريا.
وفي هذا السياق،  لفت الإنتباه  إلى أن  المعطيات المتوفرة عن طفولة هذا الكاتب،  لم تسعف مؤرخي الادب المغربي، في معرفة أسباب الرحيل المبكر  لكل أفراد أسرته ،من الدار البيضاء إلى مانشستر" بإنجلترا.

ووصف  عبدالإله التهاني ذلك الرحيل، بالإجتثاث المبكر من الجذور، الذي سيكون له أثره على تنشئة عبد المجيد بنجلون في طفولته المبكرة، على الرغم  من أنه سيندمج  إلى حد الذوبان، في فضاء المجتمع الإنجليزي، وثقافته ولغته ونمط عيشه،  لكن دون أن يتوقع الفتى عبد المجيد، أن مفاجأة ثانية مربكة لوعيه ونفسيته، ستأتيه مرة أخرىوهو في سن التاسعة من عمره، حين قرر والده العودة بأسرته إلى المغرب، وتحديدا إلى مدينة فاس. 
وأشار الاستاذ عبدالإله التهاني، إلى أن تلك العودة إلى فاس، ربما كانت نتيجة لتراجع النشاط التجاري لوالده في إنجلترا وقتها. 

وأوضح أنه كان على الطفل عبد المجيد بنجلون، أن يعيد تشكيل وعيه من الصفر، إذ جد نفسه أمام بيئة جديدة وأطفال جدد، وتعليم مختلف، أي بكل بساطة أن يعود إلى جذوره وثقافة ولغة وطنه، بعد أن كان قد تعود على الدراسة باللغة الإنجليزية، وعلى الحديث بها مع الأهل والأصدقاء والجيران. 

واعتبر ذات المتحدث أن هذا التحول الفجائي، كان قاسيا على نفسية الطفل عبد المجيد بنجلون، خاصة وأنه كان يتطلب منه تهيؤا خاصا وجهدا استثنائيا، للتأقلم مع متطلبات الواقع الجديد ، وهو العائد من مدرسة "مانشستر" الإنجليزية،  إلى الكتاب القرآني ثم إلى المدرسة بفاس، تماما كما كان قد واجه قدره الأول حين غادر الدار البيضاء رفقة أسرته، للعيش في "مانشستر"، وهو في سن الخامسة من عمره.
 
الهجرة الثانية والقدر الجديد:
ومن خلال المعطيات المتوفرة عن الطفولة الثانية للكاتب عبد المجيد بنجلون، تحت سماء مدينة فاس، أكد معد ومقدم البرنامج الإذاعي "مدارات"، عبدالمجيد بن جلون، قد تمكن  من استرجاع لغته العربية واكتسابها مجددا، بل والتفوق فيها بشكل لافت، خاصة بعد انتقاله إلى مرحلة الدراسة بجامع القرويين.
 
الهجرة الثالثة والمسار 
الجديد في القاهرة: 
ويواصل الإعلامي عبدالإله التهاني، استعراضه لمسار الكاتب عبدالمجيد بن جلون، مشيرا أنه في سن الثامنة عشرة من عمره، وتحديدا في العام 1938، سيغادر بن جلون مدينة فاس باتجاه مصر،  لاستكمال دراسته العليا هناك، والتي سيتوجها بعد سنوات بنيل الإجازة من كلية الآداب التابعة لجامعة القاهرة، وديبلوم المعهد العالي للتحرير والترجمة والصحافة بالقاهرة أيضا.
وأضاف ذات المتحدث، بأنه في هذه الفترة بالذات، كان عبد المجيد بنجلون قد التحق بصفوف الحركة الوطنية المغربية،  المناضلة وقتئذ  من أجل استقلال المغرب. كما كان قد أصبح قلما مألوفا، ينشر مقالاته الأدبية والسياسية في الصحافة المصرية، بكيفية شبه منتظمة.

من الكفاح الوطني إلى العمل الديبلوماسي :
وإضافة إلى ذلك، كان لعبد المجيد بنجلون في هذه المرحلة،  دور بارز في تأسيس مكتب المغرب العربي بالقاهرة سنة 1947، حيث سيتولى فيه مهام الأمين العام الدائم، حيث بقي يضطلع بهذه المهمة السياسية والإعلامية، إلى غاية إعلان استقلال البلاد.
وأوضح  معد ومقدم برنامج "مدارات" أن مكتب المغرب العربي بالقاهرة، كان قد تأسس من طرف قادة الحركة الوطنية، المتواجدين وقتئذ في القاهرة، وأنه اضطلع بدور بارز وحاسم  في تعريف دول العالم بكفاح الملك والشعب، من أجل انتزاع استقلال البلاد.

وذكر أنه بعد تحقيق الهدف الوطني الكبير، باسترجاع المغرب لاستقلاله وسيادته رسميا في 2 مارس 1956، سيغادر عبد المجيد بنجلون القاهرة عائدا إلى المغرب، حيث سيتولى مسؤولية رئيس التحرير في جريدة "العلم" المغربية بالرباط ،وذلك مباشرة بعد عودته من مصر، لكنه سنتان بعد ذلك، سيلتحق بوزارة الشؤون الخارجية للعمل في السلك الديبلوماسي، برتبة وزير مفوض، ثم سيعين سفيرا للمغرب في باكستان طيلة سنوات، قبل أن يعود إلى المغرب ، ليواصل عمله الديبلوماسي كسفير بالإدارة المركزية لوزارة الشؤون الخارجية المغربية بالرباط.
 
حياة بالأدب ومن أجله:
وأوضح عبدالإله التهاني، أن الاديب عبد المجيد بن جلون، وعبر كل هذه الأطوار من حياته، الحافلة بالنشاط الإعلامي والسياسي والديبلوماسي، بقي محافظا على حضوره بقلمه، كاتبا مبدعا، ومؤرخا، ومحللا سياسيا، ومترجما، وشاعرا مرهفا، كما تشهد بذلك تآليفه التي أصدرها، وكتاباته الأخرى التي نشرها في الصحف والمجلات.

وشدد على أن الكاتب الراحل عبد المجيد بنجلون، لم يقتصر على مجال دون سواه، ولا حصر اهتمامه أو نشاطه الفكري في نطاق واحد، بل إنه كان كاتبا موسوعيا، وزع اهتماماته على مجالات عدة، وأسهم بقلمه في عدة ألوان وأجناس من الكتابة.. وأضاف عبد الإله التهاني بأن الأديب عبد المجيد بن جلون، أبدع في فن الرواية والسيرة الذاتية، وفي القصة القصيرة، وفي الشعر  كما كتب في التاريخ والسياسية والفكر الاجتماعي، وأنجز الترجمات الأدبية من الإنجليزية إلى العربية، وأنه فضلا عن ذلك كله، ساهم بإنتاج غزير في المقالة السياسية، والأدبية، وفي غير هذه الأنماط من الكتابة، كالخواطر والتأملات.
 
ريادة في الأدب القصصي:
 وفي سياق استعراض إنتاجاته الأدبية، أوضح عبد الإله التهاني  أن عبد المجيد بنجلون كتب عددا من القصص القصيرة،  نشرها أول مرة في الصحافة المصرية ، خلال الفترة الممتدة من عام 1945، وإلى غاية سنة 1947، قبل أن يجمعها وينشرها في مجموعة قصصية تحت عنوان "وادي الدماء" ، والتي طبعت في القاهرة عام 1947. كما نشرت سنة 1957 في طبعة خاصة بتونس.

وأضاف بأن عبد المجيد بنجلون، اشتهر أكثر بسيرته الذاتية الشهيرة "في الطفولة"، حيث نشرها في البدء على حلقات ، في مجلة الرسالة المغربية سنة 1949، قبل أن يصدرها في طبعة خاصة بالرباط سنة 1957.
وشدد المتحدث بأنه من الثابت  أن السيرة الذاتية " في الطفولة" ، هي عنوان المجد  الأدبي لعبد المجيد بن جلون ، مشيرا إلى أنها صدرت في عدة طبعات، خاصة  بعد إدراجها ضمن المناهج الدراسية للتعليم الثانوي بالمغرب. كما صدرت ترجمتها إلى اللغة الفرنسية بقلم الفرنسي "فرانسيس كوين". 
 
وتحدث عبد الإله التهاني عن  الإصدار الثاني لعبدالمجيد بن جلون في باب الأدب القصصي، ممثلا بمجموعته القصصية الثانية  "لولا الإنسان"، الصادرة سنة 1972، ضمن منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالرباط.
 
عبدالمجيد بن جلون شاعرا:
وعلى مستوى الإبداع الشعري،  قال  عبد الإله التهاني بأن هاجس الشعر، ظل يسكن روح الأديب عبد المجيد بنجلون، ويلهمه بغير قليل من القصائد التي كتبها في فترات مختلفة من حياته،  حيث سنكتشف  شخصيته الشعرية من خلال ديوانه الشعري الوحيد الذي أصدره ، تحت عنوان "براعم".
 
بن جلون المؤرخ والسياسي والمترجم: 
وتوقف معد ومقدم برنامج مدارات بالإذاعة الوطنية، عند مؤلفات المرحوم عبد المجيد بن جلون ذات البعد التأريخي والسياسي. 
وفي هذا الباب، استحضر كتابه الذي أصدره عام 1953، تحت عنوان "سلطان مراكش"، والمقصود سلطان المغرب محمد بن يوسف، لأن المشارقة درجوا على تسمية بلاد المغرب باسم مراكش، واعتبر أن هذا الكتاب هو مساهمة من الأديب عبد المجيد بنجلون، في التعريف بقضية كفاح المغاربة من أجل الاستقلال بقيادة المغفور له الملك محمد الخامس.
ومن أبرز مؤلفات الأديب عبد المجيد بنجلون في باب الكتابة السياسية، استحضر عبد الإله التهاني، كتابين إثنين، أحدهما بعنوان "مارس استقلالك"، والثاني بعنوان "مذكرات المسيرة الخضراء"، وفيه خلد بن جلون بقلمه، ملحمة المسيرة الخالدة، التي حررت الصحراء المغربية وأعادتها إلى حضيرة الوطن.
واعتبارا لكون الأديب عبد المجيد بنجلون رحمه الله، كان يتقن اللغة الإنجليزية التي تشرب بلاغتها، وهو طفل صغير في "مانشستر"، فقد توقف نفس المتحدث عند إصدار مهم لعبد المجيد بن جلون، ممثلا بكتابه "جولات في مغرب أمس بعيدة الحماية"،  وهذا الكتاب هو عبارة عن تلخيص وقراءة في مؤلف  للبريطاني "إسكوت أكونور" ، تضمن تفاصيل رحلة إلى المغرب، كان قد  قام بها كتاب إنجليز، وكاتب أمريكي.
 
ولان المرحوم  عبد المجيد بنجلون ، كان واحدا  من أبرز الأطر القيادية في الحركة الوطنية، لما أسهم به من نشاط سياسي وإعلامي في القاهرة،  دفاعا عن استقلال المغرب، فقد توقف معد ومقدم برنامج "مدارات"، عند الكتاب الذي أصدره بن جلون عام 1949،  بالقاهرة تحت عنوان "هذه مراكش"،حيث كان قد  خصصه للتعريف بالمغرب، من النواحي التاريخية والجغرافية والحضارية والبشرية والسياسية.

كما قدم فيه عرضا حول أوضاع المغرب، قبل خضوعه لنظام الحماية الأجنبية الفرنسية والإسبانية ثم بعدها، شارحا معاناة المغاربة في ظل الاحتلال الأجنبي. وكان هذا الكتاب قد صدر بتقديم عبد الرحمان عزام، الأمين العام لجامعة الدول العربية وقتئذ.
 
تراثه الموزع بين الصحف والمجلات:
وعلاوة على كتبه المطبوعة والمنشورة في الرباط، والدار البيضاء، وقبلهما في القاهرة، أشار الإعلامي التهاني إلى الرصيد الضخم  من المقالات الأدبية والتأريخية والسياسية، التي تركها لنا  المرحوم عبد المجيد بن جلون، ومعها عشرات الخواطر والتأملات والمذكرات الشخصية، وهذا الإنتاج الوفير ـ يقول نفس المتحدث ـ نجده موزعا بين جريدة "العلم" المغربية ومجلة "دعوة الحق" المغربية، الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إضافة إلى بعض نصوصه المنشورة في منابر أخرى.

وتمنى عبدالإله التهاني أن يتصدى أحد الدارسين المغاربة، المتخصصين في الثقافة المغربية، لجمع وتصنيف هذه الكتابات المتفرقة، كي تصدر في كتاب خاص أو أكثر من كتاب، حفظا لها من النسيان وتوثيقا لإبداعات وكتابات هذا الأديب الكبير، ولمرحلة من تطور الأدب المغربي الحديث والفكر السياسي الوطني بالمغرب.

مسجلا أن  هذا الرجاء، لا ينسينا واجب الإعتراف ، بأن الإنتاجات الأدبية والفكرية والتأريخية للمرحوم عبد المجيد بنجلون، قد حظيت باهتمام الدارسين والنقاد المغاربة.
كما تردد صدى تجربته الأدبية،  في العديد من الرسائل والأطروحات الجامعية.
ونوه بمبادرة الناقد والكاتب الروائي والقصصي، الدكتور أحمد المديني ، الذي أشرف على إصدار كتاب  عام 2019، تحت عنوان " عبدالمجيد بن جلون،  الكاتب الوطني " ، حيث  تضمن عددا وافرا من الأبحاث والدراسات والشهادات حول شخصية هذا الأديب .
وهذا الكتاب الذي يقع في 316 صفحة، ظهر ضمن منشورات تولت المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط، وقدم له الدكتور أحمد المديني بمقدمة ضافية، وساهمت فيه نخبة من الأدباء والجامعيين المغاربة، وهم محمد مصطفى القباج، وأحمد زيادي، ونجيب العوفي، وإدريس نقوري، وعبدالقادر الشاوي، وسعيد يقطين، وحورية الخمليشي، وأنور المرتجي، وعبدالله مدغري علوي ، ومصطفى يعلى، ومحمد الداهي، وعبدالعالي بوطيب.

ولم يفت معد ومقدم برنامج  مدارات،  أن يستشهد بمقتطفات من كتابات عدد من الشخصيات الثقافية، المساهمة في هذا الكتاب التكريمي الفريد  عن سيرة وأعمال عبدالمجيد بن جلون.