- كيف قدَّم أنس الملحوني شخصية الباهري؟
عرض أنس الملحوني شخصية الباهري كشخصية فنية لها تأثير كبير على الموسيقى المغربية في ارتباطها بمخرجات الموسيقى الغيوانية على وجه التحديد. وقد بدأ عرضه حول الباهري بالتركيز على الجانب الشخصي والفني للعلاقة بينهما، حيث تعرف الملحوني على الباهري في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وذلك خلال تنظيم أمسيات فنية في مراكش. وقد أثار إعجابه الأداء الراقي للباهري على آلة البانجو، وقدرته على التفاعل بشكل مميز خلال تلك الفعاليات. ورغم أن الباهري كان يُظهر شخصية انطوائية وقليلة الكلام، إلا أن الملحوني استطاع أن يكتشف فيه طاقة فنية هائلة، ومهارات موسيقية فريدة، جعلته شخصية بارزة في تطور سيرورة الإبداعات الفنية "الغيوانية".
تعمق التعاون بين الملحوني والباهري عندما استضافه مرات عديدة على أثير إذاعة مراكش للحديث عن "الظاهرة الغيوانية". لقد منحت هذه اللقاءات الإذاعية فرصا ثمينة لتعرف الملحوني عن قرب على فكر الباهري الموسيقي والشعري، ورؤيته الفنية. قدم الملحوني الباهري كمرجع أساس للحديث عن المجموعات الغنائية "الغيوانية" الهوى التي انطلقت مع "الغيوان" و"جيلالة" وما تلاهما من مجموعات، أو المجموعات التي ساهم في تأسيسها أو أشرف عليها وكانت من بنات أفكاره مثل: "طيور الغربة"، و"لمشاهب"، و"لَجوادْ"، و"ابّْنات الغيوان"، و"جِيل جَانا"، وما شابه؛ معتمدا عليه في إعداد بعض الحلقات الإذاعية التي تناولت موضوع "الظَّاهرة الغِيوانية"، خصوصاً في ظل نقص المصادر الموثوقة المتاحة. كما أوضح الملحوني أن الباهري يتمتع بمهارات استثنائية في العزف والغناء والتلحين والتأليف الموسيقي والإبداع الشعري مما يجعله من بين الشخصيات الفنية المحورية التي لا يمكن تجاهلها في مجال التوثيق للمجموعات الغنائية المغربية.
- ما هي مقومات الظاهرة الغيوانية بالمغرب من منظور الأستاذ أنس الملحوني؟
تمثل الظاهرة الغيوانية حركة موسيقية مغربية نشأت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي جزء من التراث الفني الشعبي الذي رسخ وجوده في الوجدان المغربي بعمق. ومن أبرز مقومات هذه الظاهرة التي جعلتها مميزة، وذات تأثير كبير على الساحة الموسيقية المغربية، نشير إلى ما يلي:
الجذور التراثية: استلهمت الظاهرة الغيوانية عناصرها من التراث الموسيقي المغربي الشعبي، مثل فن الملحون، وكذا مستعملات بعض الطرق الصوفية الشعبية المغربية من قبيل الموسيقى الكناوية، والعيساوية، والحمدوشية، والجيلانية، وما شابه. لقد كانت هذه الأنماط الموسيقية حاضرة بشكل واضح في أداء الفرق الغيوانية كـ: "ناس الغيوان" و"جيل جيلالة"، مما أضفى على أعمالهم طابعاً شعبياً تقليدياً مع لمسة عصرية.
الآلات الموسيقية والمضامين المُتغنى بها: وفي ذات السياق، فإن جوانب التوسل بالآلات الموسيقية التقليدية، ساهمت هي الأخرى في إضافة مسحة شعبية أصيلة على أداء تلك المجموعات، فآلة "الهراز" كان يحيل على "احمادشة"، وآلة "الدعدوع" يحيل على "هداوة" و"جيلالة"، وآلة "الطبيلات" تحيل على "عيساوة"، وآلة "الهجهوج" تحيل على "اكناوة"، ... إنها آلات مغربية عريقة أحالنا طابع أصواتها بمعية المجموعات الغيوانية على الأجواء الروحية التي ميزت العديد من الطرق الصوفية الشعبية، فكانت أصالة تلك الآلات التقليدية من أصالة تلك المجموعات، مساهمة في تشكيل هويتها الفنية والموسيقية.
وفي جانب آخر، استطاعت هذه الفرق أن تكتسب شهرة واسعة بفضل تركيزها على القضايا الاجتماعية الملحة، حيث كان الفنانون يسعون جاهدين لتسليط الضوء على قضايا العدالة الاجتماعية، الفقر، والحرية، معبرين عن معاناة الفئات المهمشة في القرن الماضي، مما يدل على طموحهم إلى حياة أفضل.
تناولت أغانيهم التحديات اليومية التي يواجهها المجتمع، مما ساهم في تعزيز الالتزام بقضايا اجتماعية هامة. وقد تجلت هذه المواضيع في الأغاني التي عكست الرغبة في مستقبلٍ أفضل، وسط التحديات الديمقراطية التي تعاني منها العديد من شرائح المجتمع المغربي.
كما يمكن اعتبار تنوع الألوان والأدوات الموسيقية وتعدد الأنماط النصية ضمن أعمال المجموعات الغيوانية وسيلةً لتسليط الضوء على الأغاني التي تعبر عن واقع المجتمع، مع التركيز على مشاهد معبرة عن العنف والاستبعاد الاجتماعي الذي يُعتبر عائقًا أمام التقدم.
- . كيف ساهم الباهري في إغناء إبداعات المدرسة الغيوانية؟
بفضل مهاراته المتعددة في التأليف والعزف، وقدرته الفائقة على استخدام الموسيقى كوسيلة للتعبير عن القضايا الاجتماعية والثقافية في المغرب، أسهم أحمد الباهري بشكل بارز في إثراء التراث الموسيقي المغربي من خلال عدة مجالات:
المهارات الموسيقية: كان أحمد الباهري فنانًا موسيقيًا شاملًا، يتجاوز كونه عازفًا عاديًا. لقد أظهر موهبة استثنائية في تأليف الموسيقى وعزف مجموعة متنوعة من الآلات مثل البانجو، والعود، والمندولين، والبزق، مما أضفى غنىً وعمقًا على أعماله بمعية الكثير من الفرق الغيوانية مثل: "لمشاهب"، و"لجواد"، و"ابنات الغيوان"، و"أهل الحال" ... ساهم هذا التنوع على مستوى الأداء في توسيع قاعدة جمهورهم، مما جعل الموسيقى الغيوانية تتميز عن غيرها.
المشاركة في تلحين وتأليف موسيقى لفائدة أعمال للسينما والتلفزيون: لم يقتصر إسهام الباهري على الفرق الموسيقية فحسب، بل اتجه أيضًا لتلحين الموسيقى التصويرية لبعض الأفلام المغربية والبرامج التلفزيونية. لم يكن هذا العمل مجرد وسيلة لتعزيز تأثير الموسيقى الغيوانية، بل أسهم أيضًا في تسليط الضوء على التراث الموسيقي المغربي عبر وسائل الإعلام الحديثة، مما زاد من وجوده في الساحة الفنية على المستويين الوطني والدولي خصوصا عندما فازت بعض الوصلات الإشهارية التي أشرف عليها نصوصا وألحانا بمعية الفنان عبد القادر مطاع على الجائزة الأولى سنة 1984 بمهرجان كان الدولي للإشهار بفرنسا.
القيادة الفنية: تجسد دور الباهري في كونه قائدًا مبدعًا وملهمًا في عدة مشاريع فنية، مثل فرقة "طيور الغربة"، و"لجواد"، و"أوركسترا احميدة"، وذلك بفضل رؤيته الفنية الثاقبة، استطاع توجيه هذه الفرق نحو تحقيق نجاحات فنية ملحوظة، سواء من حيث الأداء أو تأليف وتلحين الأغاني، مما عزز من مكانة الموسيقى الغيوانية داخل المغرب وخارجه.
إحياء التراث الغيواني: لعب الباهري دورًا أساسيًا في الحفاظ على التراث الموسيقي الغيواني وإحيائه، حيث شارك في العديد من المهرجانات الوطنية والدولية المعنية بالتراث الغيواني. فلم يكن إسهامه مجرد مشاركة فنية، بل كان بمثابة توثيق حي لهذا التراث، وضمان استمراريته للأجيال القادمة.
- ما هو المنهج الذي اتبعه الملحوني في التعريف بالباهري والظاهرة الموسيقية الغيوانية بالمغرب؟
يستند المنهج المتبع من لدن الأستاذ الملحوني على مجموعة من الأدوات الأساسية تتضمن الحوارات الشخصية، التوثيق الدقيق، التسلسل الزمني، وتحليل الظاهرة الغيوانية:
الحوارات الشخصية: اعتمد الملحوني على الحوارات الممتدة التي أجراها مع الباهري، والتي تمت عبر اللقاءات الإذاعية ووسائل أخرى. كانت هذه الحوارات بمثابة العمود الفقري للنص، حيث منحت الباهري الفرصة للتعبير عن تجربته الحياتية بأسلوب مباشر، مما أضاف بعدًا إنسانيًا وأصالة إلى المحتوى المكتوب. استخدم الملحوني تلك الحوارات لإظهار الرؤية الفنية التي عاشها الباهري وتطورها عبر السنوات.
التوثيق الدقيق: قام الملحوني بتوثيق مفصل لحياة الباهري ومساهماته الفنية. لم يكن النص مجرد سرد للأحداث، بل كان غنيًا بالمعلومات حول المشاريع الفنية التي شارك فيها الباهري، مثل الأفلام، والسيتكومات، والمهرجانات الوطنية والدولية، التي عمل من خلالها على إحياء التراث الغيواني، الشيء الذي يجعل من هاته السيرة الفنية لأحمد الباهري – احميدة مصدرًا ذا قيمة للباحثين والمهتمين بمجال الموسيقى الغيوانية.
التسلسل الزمني: التزم الملحوني بتقديم الأحداث بترتيب زمني منطقي، بدءًا من البدايات الفنية للباهري، ثم الانتقال إلى مراحل نضجه الفني، وإسهاماته المتنوعة في تطوير الموسيقى الغيوانية، ساعد هذا الترتيب القارئ في متابعة تطور شخصية الباهري ومسيرته الفنية بطريقة واضحة وسلسة.
تحليل الظاهرة الغيوانية: إضافة على ذلك، ركز الملحوني على شخصية الباهري عبر توثيقه لمساراته الفنية والإبداعية في سياق الوقوف عند الكثير من المظاهر العميقة للظاهرة الغيوانية في المغرب. وقد أوضح كيف كانت هذه الظاهرة تعبيرًا عن التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها المغرب في السبعينيات، كما ركز على دورها في توحيد الشعب حول قضايا مثل العدالة الاجتماعية والحرية. اعتمد الملحوني في تحليله على مقارنات مع حركات موسيقية مشابهة عالميًا، مما أضاف عمقًا إضافيًا إلى الرؤية المطروحة.
ختاما: رغم مهاراته المتعددة، ومنسوب إبداعه العالي شعرا وألحانا، وتنوع المشاريع الثقافية والفنية التي اشتغل عليها خلال أكثر من أربعين سنة، عاش الفنان أحمد الباهيري – احميدة زهدا إعلاميا، غير باحث عن الأضواء والشهرة، ونعتقد بأن الأستاذ أنس الملحوني قد تمكن من نفض الغبار على معالم سيرة فنية متميزة، واضعا بين أيدينا وثيقة للتأمل والتدبر، تحمل اجتهادا على مستوى الشكل والمضمون. انتهى