samedi 5 avril 2025
سياسة

العميد يوسف البحيري يقدم تحليله للسياسة الجنائية ودور القضاء في تفعيل تخليق الحياة العامة ومناهضة الفساد بالمغرب

العميد يوسف البحيري يقدم تحليله للسياسة الجنائية ودور القضاء في تفعيل تخليق الحياة العامة ومناهضة الفساد بالمغرب العميد يوسف البحيري، أستاذ القانون الجنائي الدولي بكلية الحقوق بمراكش

أثار المجلس الأعلى للحسابات العديد من الاختلالات المتعلقة بسلوكيات الفساد المالي داخل بعض المؤسسات والمجالس الجماعية والبلديات والأحزاب السياسية، كما حركت مؤسسة النيابة العامة في الأشهر الأخيرة ملفات قضائية  ترتبط  بجرائم الأموال كتبديد وهدر الأموال العمومية، والتي أدت إلى المتابعة الجنائية واعتقال العديد من الأسماء الوازنة والكبيرة من النخبة السياسية  والنخبة الإدارية والمسؤولين الكبار والموظفين السامين والوزراء في الملفات التي باشرها القضاء، وهو ما يطرح نوعا من التفاؤل لدى الأوساط القانونية  والمثقفة بشأن الادوار الاساسية للقضاء في تفعيل وإعمال مبدأ المساواة أمام القانون و ربط المسؤولية بالمحاسبة ومناهضة الافلات من العقاب بمتابعة جميع المتهمين في هذه الملفات من الشخصيات النافذة في سياقات تخليق الحياة العامة ومناهضة الفساد بجميع أشكاله، و يستدعي تدخل الحكومة لتطبيق تدابير فعالة لمناهضة جميع أشكال إهدار المال العام.

 ولتقريب قرائنا من هذا الموضوع تستضيف" أنفاس بريس" العميد يوسف البحيري، أستاذ القانون الجنائي الدولي بكلية الحقوق بمراكش والمحاضر في العديد من الجامعات الأوروبية في قضايا تخليق الحياة العامة ودولة القانون.

 

ماهو تفسيركم لتواتر ملفات الفساد المالي التي تتورط فيها مجموعة من النخب السياسية والادارية مستغلة مناصب المسؤولية ؟

إن إشكالية الفساد المالي في المغرب ترتبط بغياب الوعي الثقافي والسوسيولوجي بالمبادئ القانونية والقيم الأخلاقية لحماية وترشيد المال العام لدى النخبة السياسية وممثلي الدولة في مراكز القرار، هذا مع العلم أن التشريع المغربي يتوفر على مجموعة من القوانين لتكريس مبادئ المساءلة والشفافية في إطار حماية المال العام مثل القانون الإجباري للتصريح بالممتلكات ومدونة المحاكم المالية وقانون مناهضة جرائم غسل الأموال، إضافة إلى القانون الجنائي الحالي الذي يتضمن بابا مستقلا يهم زجر الجرائم المالية واستغلال النفوذ والرشوة.

كما أقدمت الدولة المغربية على إنشاء العديد من المؤسسات الوطنية لتخليق الحياة العامة،  دون إغفال الدور الذي يقوم به المجلس الأعلى للحسابات في الكشف عن الإختلالات في العديد من المؤسسات الوطنية والمجالس المنتخبة والأحزاب السياسية.

ولعل السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذا السياق، ما هي قيمة هذه الترسانة التشريعية والمؤسسات الوطنية في ظل غياب وجود ثقافة داخل الأوساط الحزبية والمجالس المنتخبة لإقرار السبل القويمة لسيادة القانون و مناهضة الإفلات من العقاب في مجال حماية المال العام.

فالقانون المتعلق بالتصريح الإجباري للممتلكات يجب أن يتسع نطاقه ليشمل جميع من يتحمل مسؤولية لها علاقة بتدبير الشأن العام وكذلك الزوجات والأبناء ويجب أن يطبق هذا القانون في بداية ممارسة المهام دون إنتقائية.

خصوصا وأن سياسة الريع تؤدي إلى التوزيع السيء للثروات والتشجيع على الإتكالية وثقافة الكسل وتعطيل حركية التنمية الإقتصادية والإجتماعية في بلادنا مما يؤدي الى تغييب الكفاءة وعدم تكافؤ الفرص بين المواطنين لإعتبارات مرتبطة بالحزب السياسي والقرابة العائلية والقبيلة والعشيرة والانتماء السياسي والاجتماعي وغيرها. . .

لذلك يعرف المغرب نقاشا مجتمعيا يروم المطالبة برحيل رموز الفساد ومناهضة الإفلات من العقاب لمرتكبي جرائم نهب المال العام التي تستنزف ثروات البلاد ومواردها الطبيعية، وهو ما يساهم في تطور الوعي القانوني  وجعل مسألة حماية المال العام من القضايا الراهنة لدى مكونات المجتمع المدني والنخب المثقفة التي تطالب بتخليق الحياة العامة وتفعيل اليات المحاسبة والمساءلة في تدبير الشأن العام وإعمال مبادئ الشفافية والنزاهة في تدبير الشأن العام وتحريك المتابعة الجنائية في حق رموز الفساد السياسي والاقتصادي ونهب المال العام.

 

ماهي قراءتكم  للسياسة الجنائية بالمغرب في تفعيل مبدأ المساءلة في قضايا المال العام؟

يعرف الفقه القانوني العقوبة بأنها الجزاء المترتب على مخالفة القانون, والتي تطبق بواسطة السلطة القضائية على من تثبت مسؤوليته في ارتكاب الفعل المجرم قانونيا.  إن مبدأ المساءلة في مجال المال العام يستمد تأصيله من الوازع الأخلاقي للعقوبة التي تقوم على العدالة الإجتماعية، فالهدف الذي يسعى القضاء إلى تحقيقه هو قيام التوازن بين الجزاء وقواعد الأخلاق العامة، فكل شخص إرتكب جريمة نهب أو إختلاس أو إهدار المال العام يجب أن ينال عقابه الذي يستأثر به القضاء عن طريق الردع والزجر من أجل حماية المصلحة العامة للمجتمع.

إن إرتكاب جريمة المال العام يشكل إعتداءا على رابطة قانونية ينظمها القانون الجنائي تقوم بين المال العام والمجتمع، وهو ما يلزم القضاء بتوقيع العقوبة على الجاني بمجرد إرتكاب الجريمة من أجل إعادة التوازن الاجتماعي ورد الاعتبار للمجتمع وتحقيق المصلحة العامة، حتى لا يشكل الإفلات من العقاب مساسا بسيادة القانون ويلحق الضرر بالمجتمع ويؤدي إلى فقدان الثقة في القضاء ويساهم الإفلات من العقاب في تصدع صورة الدولة لدى المواطنين.

فتكريس التأصيل الدستوري والمؤسساتي لمبدأ المساءلة في مجال المال العام يعتبر وسيلة ضرورية لإعمال سيادة القانون حيث أن توقيع العقاب على جرائم المال العام يشكل حجر الزاوية لتكريس سيادة القانون داخل المجتمع، فتوقيع الجزاء يضمن حماية المجتمع واحترام سيادة القانون.

وحتى يقوم مبدأ المساءلة في مجال المال العام بوظائفه الاجتماعية، ينبغي أن يتوفر على عنصر المساواة، حيث يفترض أن يضمن القضاء أثناء توقيع العقوبات المساواة بتحريك آليات المتابعة الجنائية واستقلالية وحياد سلطة القضاء من أي تدخل أو تأثير كيفما كان نوعه من السلطتين التنفيذية أو التشريعية.

 

ماهو تحليلكم لدور القضاء في مناهضة الافلات من العقاب في قضايا الفساد السياسي والمالي؟

إن القضاء يلعب دورا كبيرا في ضمان المساواة في توقيع الجزاء في إطار سياسة جنائية تحمي المصالح العليا للمجتمع، حيث أن آليات العدالة الجنائية تعتبر أهم عنصر في معادلة مناهضة الإفلات من العقاب وتحقيق نظام قانوني للعقوبة متوازن يضمن الانسجام بين الجريمة والضرر.

إن القضاء النزيه والمستقل بالمغرب يشكل قوام العدالة الجنائية الفعالة بتوظيف قانون العقوبات لمحاربة الإجرام والقضاء على جميع أشكال الإفلات من العقاب من جرائم الفساد السياسي والاقتصادي، وجرائم المال العام وعرقلة التنمية بتفشي الرشوة واستغلال النفوذ والتملص الضريبي.

وعلى هذا النحو فمبدأ المساءلة  هو أداة فعالة للحد من تجاوزات السلطتين التشريعية والتنفيذية وإرساء دولة القانون، إن التنصيص على مبدأ المساءلة في مجال المسؤولية العمومية بصفة صريحة في الدستور الحالي 2011 ساهم في رفع  القيمة القانونية للدستور كعقد لا يهتم فقط بتنظيم السلطات وتحديد العلاقات بينها ولكن أيضا بضمان المساءلة وتوقيع العقاب ليشكل مكونا أساسيا في مكونات هذا العقد وينتقل بذلك مبدأ المساءلة من الشرعية إلى  الدستورانية، حيث أن مبدأ المساءلة يندرج في مفهوم جديد للديموقراطية الواسعة، حيث أن القضاء يبقى هي المسؤول الأول عن احترام سيادة القانون وضمان الرقابة على حماية المال العام.

إن دسترة آليات تخليق الحياة العامة في الوثيقة الدستورية الجديدة، تحمل دلالات عميقة تروم جعل الدستور الحالي كأسمى قانون في البلد مرجعية لإستراتيجية واضحة وشفافة لتفعيل آليات المراقبة الإدارية والمالية والمساءلة في المسؤولية العمومية، والقطيعة مع سلوكيات الفساد المالي والاقتصادي وإهدار المال العام، مما سينعكس بشكل ايجابي على الاقتصاد الوطني والإدارة المغربية والإقلاع والانخراط في دينامية الدفع بالعملية التنموية ببلادنا.

فسلطة القضاء تستند إلى مرجعية دستورية لتأصيل مبدأ الإستقلالية، وهو ما يحد من جميع أشكال التدخل في صميم سلطانه الداخلي من طرف الجهات واللوبيات النافذة، وبالتالي إسترجع دوره كرافعة فعالة لتكريس العدالة الاجتماعية وتطبيق القانون، ويمكن إعتبار الخطاب السامي لجلالة الملك في تاسع مارس 2011 حول "آليات تخليق الحياة العامة كمرتكز للتعديل الدستوري"، هو تعبير عن دعم صريح من الملك لإرساء دعائم المحاسبة والمساءلة و الشفافية و الحد من تدخل السلطة التنفيذية في جهاز القضاء لتأهيله على مواجهة الجرائم الاقتصادية.

 

إلى أي حد ستستطيع الملفات المعروضة أمام القضاء التحسيس بتخليق الحياة العامة؟

إن عرض قضايا نهب وإختلاس المال العام أمام القضاء وتحريك آليات المتابعة الجنائية في حق المفسدين، هي وحدها الكفيلة برد الإعتبار أولا لجميع آليات المراقبة المالية والإدارية، وثانيا ملامسة الجدوى من إصدار المشرع لقوانين مكافحة الفساد و الجرائم المالية ووضع الدولة لبرامج الإصلاحات الإدارية و الجبائية والإقتصادية لمناهضة الإفلات من العقاب في حالة التملص الضريبي و إستغلال النفوذ والثراء غير المشروع وتفويت الصفقات العمومية، وذلك بإعمال المراجعة القبلية والبعدية لمالية المسؤولين الممارسين لمختلف المهام الوزارية والإدارية ومجالس الوصاية والمنتخبين في المجالس الجماعية والبلدية و البرلمانيين.

ومن هذا المنطلق، فظاهرة جريمة المال العام في إطار الجريمة المنظمة، أضحت أمرا مستفحلا وشائعا، حيث يبدو من خلال الملفات المعروضة على القضاء،  أن الأشخاص المتابعين يلجئون  إلى طرق ومناهج مدروسة بعناية للتحايل أو خرق القانون لاختلاس المال العام وإستغلال النفوذ والإستفادة من شروط إبرام صفقات الدولة أو القواعد المتعلقة بتدبيرها ومراقبتها أو صياغة طرق محبوكة للحصول على الإمتيازات التي تمنحها الدولة بشكل غير مستحق.       

خصوصا وأن الجرائم المالية والاقتصادية تؤدي إلى التوزيع السيء للثروات وتعطيل حركية التنمية الاقتصادية والمشروع المجتمعي الحداثي بعد تفاقم إنتشار الرشوة والإختلاسات في المؤسسات العمومية والمجالس الجماعية.

ويبدو لي ان السلطة القضائية هي الكفيلة بمناهضة الإفلات من العقاب ومتابعة مرتكبي الجرائم الاقتصادية والسبيل الوحيد لإكتساب الإقتصاد الوطني والإستثمار ومجالس تسيير الشأن المحلي و الوطني المناعة اللازمة في مواجهة سلوكيات الفساد المالي و الإداري و تنقية مختلف القطاعات من الزبونية و المحسوبية و الرشوة وتمرير الصفقات و التملص الضريبي وسوء التدبير وغياب الحكامة، وجعل تكافؤ الفرص وسيادة القانون هي المنحى الصحيح لكسب رهان التنمية وبناء صرح دولة القانون والمؤسسات.

إن عرض ملفات المال العام أمام القضاء هو تجسيد لسياسة جلالة الملك محمد السادس بوجود قضاء مختص في مجال مكافحة الجرائم المالية والإقتصادية، تم إنشاؤه في افق تفعيل أقسام متخصصة في محاربة الجرائم المالية حتى يتمكن من تجاوز محدودية غرف الأموال المحدثة بمحاكم الإستئناف بالرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس، على إعتبار هذا النوع من جرائم المال العام  يستوجب تكوين خاص للقضاة لتقوية مناعة السلطة القضائية في مواجهة الفساد المالي، خصوصا وأن دسترة إستقلال القضاء سيقوي لا محالة من دورها في إعمال سيادة القانون ومناهضة إفلات مرتكبي الجرائم الإقتصادية من العقاب.