samedi 5 avril 2025
مجتمع

أثارها‭ ‬إضراب‭ ‬رجال‭ ‬التعليم.. هل أعلنت التنسيقيات موت النقابات والأحزاب؟!

أثارها‭ ‬إضراب‭ ‬رجال‭ ‬التعليم.. هل أعلنت التنسيقيات موت النقابات والأحزاب؟! تعتبر‭ ‬التنسيقيات‭ ‬حركة‭ ‬استياء‭ ‬شعبية‭ ‬تثير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التعاطف‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬العام
لا‭ ‬تشعر‭ ‬التنسيقيات،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬أهم‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬الاحتجاج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بالحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬إيديولوجي‭ ‬لممارسة‭ ‬النضال‭. ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬تقوم،‭ ‬خارج‭ ‬المنظمات‭ ‬النقابية‭ ‬والسياسية،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬بين‭ ‬أعضاء‭ ‬مجموعتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشبكات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬"التعبئة‭ ‬العامة"‭ ‬لتنفيذ‭ ‬الاحتجاج:‭ ‬«إضرابات،‭ ‬وقفات،‭ ‬مسيرات»‭.‬
 
وتعتبر‭ ‬التنسيقيات‭ ‬حركة‭ ‬استياء‭ ‬شعبية‭ ‬تثير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التعاطف‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬خاصة‭ ‬أنها‭ ‬تقدم‭ ‬نفسها‭ ‬باعتبارها‭ ‬مقاومة‭ ‬للازدراء‭ ‬الطبقي،‭ ‬وأيضا‭ ‬كحركة‭ ‬عفوية‭ ‬خارج‭ ‬تسويات‭ ‬الحوار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬والنقابات‭. ‬إنها‭ ‬حركة‭ ‬ضد‭ ‬الإقصاء‭ ‬المؤسستي،‭ ‬تتشكل‭ ‬من‭ ‬موظفين‭ ‬مندمجين‭ ‬في‭ ‬الوظيفة‭ ‬العمومية،‭ ‬لكن‭ ‬رواتبهم‭ ‬متواضعة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬متقاعدين‭ ‬قريبين‭ ‬من‭ ‬خط‭ ‬الفقر،‭ ‬وعمال‭ ‬غير‭ ‬مستقرين،‭ ‬وحرفيين‭ ‬وأصحاب‭ ‬مشاريع‭ ‬صغيرة‭ ‬يواجهون‭ ‬صعوبات‭. ‬والقاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬هو‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬بالنفس‭ ‬والشعور‭ ‬بعدم‭ ‬الجدوى‭.‬
 
والملاحظ‭ ‬أن‭ ‬التنسيقيات،‭ ‬التي‭ ‬تسلمت‭ ‬مشعل‭ ‬الاحتجاج‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عجز‭ ‬النقابات‭ ‬عن‭ ‬ضبط‭ ‬الحوار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لصالح‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬وتسوية‭ ‬الأوضاع‭ ‬المهنية‭ ‬بما‭ ‬يحفظ‭ ‬كرامة‭ ‬الشغيلة،‭ ‬ليس‭ ‬اختراعا‭ ‬مغربيا‭ ‬خالصا،‭ ‬إذ‭ ‬شهدت‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬احتجاجات‭ ‬شعبية‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬2019‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬لافتا‭ ‬قدرة‭ ‬زعماء‭ ‬المظاهرات‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬أنفسهم‭ ‬وإدارة‭ ‬العمليات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمواعد‭ ‬وأماكن‭ ‬الاحتجاجات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الزخم‭ ‬الذي‭ ‬بدأت‭ ‬به‭ ‬الحركات‭ ‬الاحتجاجية،‭ ‬وتحصينها‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬اختراق‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الحكومة،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلاً‭ ‬عن‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬تماسك‭ ‬وتعبئة‭ ‬وتنظيم‭ ‬المتظاهرين،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬السلمي‭ ‬وتجنب‭ ‬الصدام‭ ‬مع‭ ‬عناصر‭ ‬الشرطة‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬المظاهرات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تتعدى‭ ‬المليون‭ ‬متظاهر؛‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الاحتجاج‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2018،‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬«السترات‭ ‬الصفراء»‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬عنها‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الفرنسي‭ ‬سيرج‭ ‬بوغام:‭ ‬«إنها‭ ‬حركة‭ ‬الذين‭ ‬يشعرون‭ ‬بعدم‭ ‬الاعتراف‭ ‬باستحقاقهم‭. ‬فأصحاب‭ ‬السترات‭ ‬الصفراء،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬يُجبرون،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بوظيفة‭ ‬لا‭ ‬تجلب‭ ‬لهم‭ ‬الرضا‭ ‬بل‭ ‬وتغرقهم‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الوجودي‭ ‬بسبب‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬قمعي،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يكونون‭ ‬مهددين‭ ‬بفقدانه،‭ ‬بل‭ ‬عندما‭ ‬يشعرون‭ ‬بأن‭ ‬نظام‭ ‬التقاعد‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬بذلوه،‭ ‬وبأن‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬تكامل‭ ‬بينهم‭ ‬وبين‭ ‬أرباب‭ ‬العمل،‭ ‬وبإن‭ ‬إصلاح‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬ليس‭ ‬لحظة‭ ‬مشتركة»‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬الحركة،‭ ‬رغم‭ ‬اندلاعها‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الحوار‭ ‬الحكومي/‭ ‬النقابي،‭ ‬صماء،‭ ‬إذ‭ ‬باركها 69%‭ ‬من‭ ‬الفرنسيين،‭ ‬واعتبروا‭ ‬مطالبها‭ ‬مشروعة،‭ ‬وفق‭ ‬استطلاع‭ ‬للرأي‭ ‬أنجزته‭ ‬مؤسسة‭ ‬إيلاب‭.‬
ومن‭ ‬الحركات‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬الشعبية‭ ‬اللافتة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬في‭ ‬اليونان‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2011‭ ‬بسبب‭ ‬سياسة‭ ‬التقشف‭ ‬التي‭ ‬تبنتها‭ ‬الحكومة‭ ‬اليونانية‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬وإملاءات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬زادت‭ ‬نسبة‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬اليونان،‭ ‬وارتفع‭ ‬معدل‭ ‬البطالة‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من 15%،‭ ‬ووصلت‭ ‬نسبة‭ ‬الضرائب‭ ‬إلى‭ ‬23%،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلأى‭ ‬ارتفاع‭ ‬حالة‭ ‬الفقر‭ ‬وانخفاض‭ ‬مستوى‭ ‬الدخل‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وطالب‭ ‬المحتجون‭ ‬اليونانيين،‭ ‬الذين‭ ‬خرجوا‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع،‭ ‬بإلغاء‭ ‬المذكرة‭ ‬الموقعة‭ ‬مع‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬وايجاد‭ ‬حلول‭ ‬فورية‭ ‬لمشكلاتهم‭.‬

 
ليس‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحرك‭ ‬الآن‭ ‬الشارع‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬هي‭ ‬التعبير‭ ‬الأسمى‭ ‬عن‭ ‬الاحتجاج‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العمومي،‭ ‬خارج‭ ‬الحوار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التقليدي‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬والباطرونا‭ ‬والنقابات‭. ‬وهذا‭ ‬متغير‭ ‬جوهري‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬تفاقم‭ ‬الانزعاج‭ ‬من‭ ‬«التسويات»‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬بمنطق‭ ‬سياسي‭ ‬لا‭ ‬يستحضر‭ ‬الاستياء‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬مرئيا،‭ ‬خاصة‭ ‬أنها‭ ‬حركات‭ ‬تهاجم‭ ‬السلطة‭ ‬والنخب،‭ ‬والمطلب‭ ‬الرئيسي‭ ‬هو‭ ‬«العدالة‭ ‬الاجتماعية»‭ ‬المفترى‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬البرامج‭ ‬الحكومية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭ ‬بإلحاح‭ ‬هو:‭ ‬هل‭ ‬تملك‭ ‬هذه‭ ‬التنسيقيات‭ ‬شرعية‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬الحكومة؟‭ ‬وعلى‭ ‬أي‭ ‬أساس‭ ‬قانوني؟

 
إن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يخفي‭ ‬مضمرا‭ ‬جوهريا،‭ ‬يتعلق‭ ‬بأزمة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التمثيلية،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬النقابات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقود‭ ‬الاحتجاج‭ ‬اطمأنت‭ ‬إلى‭ ‬الحوار‭ ‬المؤسستي‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬خارج‭ ‬القواعد،‭ ‬مما‭ ‬فسح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬التنسيقيات‭ ‬التي‭ ‬برهنت‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬منسجمة‭ ‬مع‭ ‬سبب‭ ‬وجودها،‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬بدل‭ ‬احتكاره‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬القيادات‭ ‬النقابية،‭ ‬واستفرادها‭ ‬بطرق‭ ‬التسوية‭ ‬وسبل‭ ‬التفاوض،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الاحتجاج‭.‬
 
وتتمثل‭ ‬أزمة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التمثيلة،‭ ‬عند‭ ‬تحليلها،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الوضوح‭ ‬المطلوب‭ ‬مع‭ ‬الشغيلة،‭ ‬والحجب‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬النقابات‭ ‬بخصوص‭ ‬«التسويات‭ ‬السرية»‭ ‬مع‭ ‬الحكومة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يزكي‭ ‬استقالتها‭ ‬من‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والمهنية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالعمال‭ ‬والموظفين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬الإقلاع‭ ‬عن‭ ‬تفويض‭ ‬سلطة‭ ‬التفاوض‭ ‬لهذه‭ ‬النقابات،‭ ‬بل‭ ‬فسح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬حركة‭ ‬اجتماعية‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬و«غير‭ ‬مؤسساتية» لا‭ ‬تشرف‭ ‬عليها‭ ‬النقابات‭ ‬أو‭ ‬الأحزاب‭.‬
وتطرح‭ ‬حركة‭ ‬«التنسيقيات»‭ ‬مطالب‭ ‬اجتماعية‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي،‭ ‬لكنها‭ ‬تعبر‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬انتقاد‭ ‬جذري‭ ‬لنظام‭ ‬التمثيل‭ ‬السياسي‭.
 
‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬والبرلمان‭ ‬يتعرضان‭ ‬للهجوم‭. ‬إذ‭ ‬تعبر‭ ‬الشعارات‭ ‬والمطالب‭ ‬المرفوعة‭ ‬عن‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬تجاه‭ ‬المؤسسات‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬النقابية،‭ ‬ورفض‭ ‬أنصاف‭ ‬الحلول،‭ ‬والضغط‭ ‬بكل‭ ‬قوة‭ ‬لإرغام‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬للملفات‭ ‬المطلبية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬شامل‭. ‬وتناضل‭ ‬التنسيقيات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬السقف،‭ ‬رافضة‭ ‬منطق‭ ‬«التفاوض»‭ ‬على‭ ‬الجزء‭. ‬ولهذا‭ ‬تبنت‭ ‬بعض‭ ‬الحكومات‭ ‬أسلوبا‭ ‬استبداديا‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬ممثلي‭ ‬التنسيقيات،‭ ‬فتلقى‭ ‬بعضهم‭ ‬تهديدا‭ ‬بالقتل،‭ ‬بينما‭ ‬طبخت‭ ‬لآخرين‭ ‬ملفات‭ ‬حولتهم‭ ‬إلى‭ ‬نزلاء‭ ‬سجون‭.‬
 
إن‭ ‬هذا‭ ‬النضال‭ ‬الجماعي‭ ‬للتنسيقيات،‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬خارج‭ ‬الدستور‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬المغربية‭ ‬مثلا،‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬بناء‭ ‬قوة‭ ‬سياسية‭ ‬تتحدى‭ ‬مؤسسة‭ ‬النقابة‭ ‬والحزب‭ ‬والحكومة‭ ‬والبرلمان‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬عن‭  ‬الشرعية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مطروحا‭ ‬أمام‭ ‬المحتجين‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اتساع‭ ‬الثغرة‭ ‬مع‭  ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬أبقتهم‭ ‬خارج‭ ‬المواطنة،‭ ‬سواء‭ ‬أكانت‭ ‬النقابات‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مطالبهم‭ ‬وتناضل‭ ‬من‭ ‬أجلهم،‭ ‬أم‭ ‬الحكومة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تسهر‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وضمان‭ ‬جودة‭ ‬العيش‭ ‬للمواطنين‭. ‬وهنا‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤل‭ ‬آخر:‭ ‬هل‭ ‬بوسع‭ ‬التنسيقيات‭ ‬أن‭ ‬تخلق‭ ‬مؤسساتها‭ ‬الخاصة؟وهل‭ ‬انتهى‭ ‬بالفعل‭ ‬زمن‭ ‬النقابات‭ ‬التي‭ ‬يقال‭ ‬إن‭ ‬رابط‭ ‬«زواج‭ ‬المتعة»‭ ‬يجمعها‭ ‬مع‭ ‬الحكومة؟‭ ‬وبتعبير‭ ‬آخر،‭ ‬هل‭ ‬تلجأ‭ ‬الدولة،‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬إسكات‭ ‬هدير‭ ‬الشارع،‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬منفلتة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الرقابة؟
 
لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الملاحظ‭ ‬إلى‭ ‬دليل‭ ‬بأن‭ ‬البعد‭ ‬الوصفي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافيا‭ ‬لفهم‭ ‬الحركات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الصاعدة،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬دأبنا‭ ‬على‭ ‬تسميته‭ ‬بـ‭ ‬«الحراك‭ ‬الاجتماعي»‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬خطاب‭ ‬أكاديمي‭ ‬لتوفير‭ ‬مفاتيح‭ ‬لفهم‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬البروليتارية‭ ‬للغاية،‭ ‬حسب‭ ‬الوصف‭ ‬الذي‭ ‬أسبغه‭ ‬عليها‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬فرانسيس‭ ‬وولف‭ ‬حين‭ ‬وضع‭ ‬حركة‭ ‬«السترات‭ ‬الصفراء»‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬التفاوتات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬انتقاد‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ممأسسا،‭ ‬بل‭ ‬تعبيرا‭ ‬سياسيا‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العمومي،‭ ‬خارج‭ ‬أي‭ ‬ضوابط‭ ‬قانونية‭ ‬أو‭ ‬دستورية،‭ ‬مثلما‭ ‬هو‭ ‬الأمر‭ ‬مع‭ ‬حراك‭ ‬الحسيمة‭.‬
 
من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬التنسيقيات‭ ‬«أو‭ ‬ما‭ ‬يماثلها‭ ‬من‭ ‬الحركات‭ ‬الاحتجاجية»‭ ‬تطرح‭ ‬مطالب‭ ‬اجتماعية‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي،‭ ‬بيد‭ ‬أنها‭ ‬تعبر‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬انتقاد‭ ‬جذري‭ ‬لنظام‭ ‬التمثيل‭ ‬السياسي‭. ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الشعارات‭ ‬المرفوعة‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬المطالب‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬تتعرض‭ ‬الحكومة‭ ‬والطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬بأكملها‭ ‬للهجوم،‭ ‬كما‭ ‬يتم‭ ‬«تخوين»‭ ‬النقابات‭ ‬وكل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬فلكها‭. ‬بل‭ ‬إننا‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬نصبح‭ ‬أمام‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬«الانحصار»‭ ‬و«شد‭ ‬الحبل»‭ ‬و«صراع‭ ‬الجبابرة»‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬فيها‭ ‬إغلاق‭ ‬الاحتجاج‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬المحتمل‭ ‬أن‭ ‬يتسم‭ ‬بالعنف‭. ‬
 
لقد‭ ‬وعد‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون،‭ ‬حين‭ ‬داهمته‭ ‬احتجاجات‭ ‬«السترات‭ ‬الصفراء»‭ ‬وفاجأته‭ ‬بقوتها‭ ‬واستمرارها‭ ‬وقدرتها‭ ‬الكبيرة‭ ‬على‭ ‬التعبئة،‭ ‬بأسلوب‭ ‬جديد‭ ‬للحكم،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الإصغاء‭ ‬والتشاور،‭ ‬كما‭ ‬وعد‭ ‬بإصلاح‭ ‬البلاد‭ ‬بأقصى‭ ‬سرعة،‭ ‬فهل‭ ‬يستطيع‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬المغربية‭ ‬عبر‭ ‬العزيز‭ ‬أخنوش‭ ‬أن‭ ‬يعتبر‭ ‬احتجاج‭ ‬التنسيقيات‭ ‬أمرا‭ ‬جيدا‭ ‬للديمقراطية‭ ‬والنقاش‭ ‬في‭ ‬بلادنا،‭ ‬وذلك‭ ‬بتعليق‭ ‬«النظام‭ ‬الأساسي‭ ‬لموظفي‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬الوطنية»‭ ‬وإطلاق‭ ‬الحوار‭ ‬الوطني‭ ‬الكبير‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬للمؤسسات‭ ‬بالعمل‭ ‬والتأطير،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬مجرد‭ ‬عربة‭ ‬فارغة‭ ‬تجرها‭ ‬«حركة‭ ‬مقاومة‭ ‬لأي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التنظيم‭ ‬ومتحررة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬للحوار‭ ‬الاجتماعي»‭. ‬فالخوف‭ ‬كل‭ ‬الخوف‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يساهم‭ ‬إضعاف‭ ‬مؤسسات‭ ‬الوساطة‭ ‬في‭ ‬سيطرة‭ ‬التنسيقيات‭ ‬التي‭ ‬أظهرت،‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المناسبات،‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬منسجمة‭ ‬وغير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الحوار‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬التحدث‭ ‬بصوت‭ ‬واحد،‭ ‬بسبب‭ ‬الخلافات‭ ‬الداخلية‭ ‬المستمرة‭ ‬بين‭ ‬أعضائها‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬يتحدث‭ ‬باسمها‭. ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬تعمل،‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الشارع‭ ‬وحده،‭ ‬بدون‭ ‬أحزاب‭ ‬أو‭ ‬نقابات‭ ‬أو‭ ‬جمعيات‭.‬
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية " الوطن الآن