samedi 5 avril 2025
سياسة

الحمداني: محددات ومقومات مرحلة "الاستقلال الاستراتيجي" للمغرب (2)

الحمداني: محددات ومقومات مرحلة "الاستقلال الاستراتيجي" للمغرب (2) مولاي بوبكر حمداني، المتخصص في العلاقات الدولية
هو بحث عميق قام به مولاي بوبكر حمداني، المتخصص في العلاقات الدولية، تحت عنوان: "المغرب من الاستقلال في ظل التبعية إلى "الاستقلال الاستراتيجي"، تناول فيه الحملة غير المسبوقة لفرنسا الرسمية والإعلامية ضد المصالح المغربية الكبرى.
"أنفاس بريس" تنشر هذا البحث على حلقات، فيما يلي الحلقة رقم 2:

 
لأجل فهم أكثر حول آفاق المرحلة الجديدة التي دخلها المغرب لتحقيق "استقلاله الاستراتيجي" والتحديات التي ستوجهها، والسيناريوهات المحتملة لإعادة تشكيل دوائر السياسة الخارجية المغربية وفق هذه المرحلة بما يسمح بإقامة علاقات دولية للمغرب تكون بناءة ومتوازنة، وقوامها احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، والندية في العلاقات على أساس المعاملة بالمثل، وحماية المصالح العليا الحيوية للمملكة المغربية وقضاياها المصيرية سوف نقارب هذا الموضوع انطلاقا من محورين رئيسين:
المحور الأول: محددات ومقومات مرحلة "الاستقلال الاستراتيجي" للمغرب لعله من المفيد التوضيح بداية أن "الاستقلال الاستراتيجي" و"الحكم الذاتي الاستراتيجي" مفاهيم وبرديغمات تنتمي لحقل العلاقات الدولية والأمن الدولي. حيث يرمز الاستقلال الاستراتيجي إلى القدرة على اتخاذ القرارات التي تصب في مصلحة الدولة دون التبعية لأي دولة أو مجموعة من الدول بما يمكنها من تعزيز قدرتها على صنع القرارات المستقلة وتحقيق مصالح الوطنية، في حين يشير الحكم الذاتي الاستراتيجي إلى قدرة الدولة على تحديد المصالح والأهداف الوطنية وتحقيقها من خلال الاعتماد على القوة الوطنية والقدرات الدفاعية الخاصة بها.

وتشير العديد من الدراسات إلى أن الاستقلال الاستراتيجي والحكم الذاتي الاستراتيجي يعتمدان على عدد من المحددات المختلفة، بما في ذلك القدرات الوطنية للدولة مثل القدرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية، والبيئة الخارجية مثل العلاقات الدولية والالتزامات الدولية والتحديات الأمنية.

ويمكن للدول تحقيق استقلالها الاستراتيجي من خلال تطوير قدراتها الدفاعية الوطنية، والاستثمار في البنية التحتية الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الموارد الحيوية والاستراتيجية. أما بالنسبة للحكم الذاتي الاستراتيجي، فإنه يعتمد بشكل كبير على تحديد أهداف واضحة ومحددة للدولة، وتحقيقها من خلال إدارة القوة الوطنية بكفاءة وفعالية عن طريق تطوير القدرات الدفاعية الوطنية وتعزيز القدرات الاقتصادية والتكنولوجية، وتعزيز القدرات الدبلوماسية والسياسية للدولة.

ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن "الاستقلال الاستراتيجي" و"الحكم الذاتي الاستراتيجي" ليسا مفاهيمً جديدة، فقد ظهرت منذ فترة طويلة في حقول المعرفية ذات الصلة بالعلاقات الدولية والعلوم السياسية والدراسات الدولية، وارتبطت أساسا بمفاهيم السيادة والتحرر الوطني والحرية السياسية والاقتصادية للدول، ويمكن للدول اتباعهما معا او أحدهما من تحسين الأمن الدولي وتقليل التبعية الدولية والتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول، وتعزيز التعاون الدولي وتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي.

ومن بين أبرز الدراسات التي تناولت هذين البراديغمين، نجد دراسة "الاستقلال الاستراتيجي وتحديات الأمن الدولي" التي أجرتها كلية الحرب الأمريكية في عام 2009. وقد ناقشت هذه الدراسة أهمية الاستقلال الاستراتيجي في تحقيق الأمن الدولي، والتحديات التي تواجهها الدول في تحقيق استقلالها الاستراتيجي، كالتبعية الاقتصادية والتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول والتحديات الأمنية. كما أجريت دراسة أخرى بعنوان "الحكم الذاتي الاستراتيجي: تحديات وفرص" من طرف مؤسسة رويترز في عام 2014، وتناولت هذه الدراسة أهمية الحكم الذاتي الاستراتيجي في تحقيق المصالح الوطنية وكذا العوائق التي تواجه الدول في تحقيق الحكم الذاتي الاستراتيجي، مثل الاعتماد على الدعم الخارجي وعدم تحقيق الاكتفاء الذاتي في مواردها الحيوية والاستراتيجية. وفي دراسة بعنوان "الاستقلال الاستراتيجي والسيادة الوطنية: دراسة مقارنة للدول النامية" أجراها الباحثان بوتليميتشيلو وفان بيلين في عام 2017، توصل الباحثان الى أهمية الاستقلال الاستراتيجي في تحقيق السيادة الوطنية والعوامل التي تحول دون تحقيق بعض الدول النامية لاستقلالها الاستراتيجي، الشيء الذي يتطلب منها بذل جهودًا مستمرة ومتواصلة لتطوير قدراتها الوطنية وتحسين أداءها الاقتصادي والعسكري والسياسي.

ولاغرو أنه إذا كانت الدول الكبرى لها من المؤهلات والإمكانات ما يخول لها تحقيق استقلالها الاستراتيجي فان الدول النامية في ظل عالم معولم اليوم يتوجب عليها العمل بشكل أكثر لتطوير قدراتها الوطنية في مختلف الميدان، بما في ذلك القدرات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية للوصول الى هذا الغاية، وذلك من خلال الاشتغال على عدة مستويات، منها:
1. تطوير الاقتصاد الوطني: من خلال الاستثمار في الصناعات الوطنية والبنية التحتية بما يساعد على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الموارد الحيوية والاستراتيجية، وتحسين الأداء الاقتصادي للدولة.

2. تحديث القوات المسلحة: عبر تطوير القدرات العسكرية والدفاعية الوطنية بما فيها القوات البرية والبحرية والجوية، وتعزيز قدراتها الاستخباراتية والأمنية.

3. الرفع من نجاعة الدبلوماسية وتطوير العلاقات الدولية: بما يساهم في تحديد المصالح الوطنية وتحقيق الأهداف الوطنية بشكل أفضل.

4. تطوير القدرات التكنولوجية: عن طريق زيادة الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة والابتكار بما يكفل تحسين الأداء الاقتصادي والصناعي للدولة، وتحقيق سيادتها في بعض المجالات الحيوية مثل الطاقة والمياه والتكنولوجيا الحيوية.

5. الرفع من الروح الوطنية والمواطنة الفعالة: عبر بناء حسور الثقة بين المواطنين والحكومة وتحسين الاستجابة للتحديات الداخلية والخارجية.

ومن المهم أن يكون للدول النامية رؤية واضحة لتحقيق "الاستقلال الاستراتيجي" و"الحكم الذاتي الاستراتيجي"، وأن تعمل على تنفيذ خطط عمل منظمة ومتكاملة لتحقيق هذه الأهداف. كما يجب على الدول النامية العمل على تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، والتعاون مع الشركاء الدوليين لتحقيق الأهداف المشتركة وتبادل الخبرات والمعرفة. وجهودًا مستمرة لزيادة الاستثمار في قدراتها الوطنية، لتحقيق الأهداف المرجوة. ومن الأمثلة على الدول الصاعدة التي تحققت فيها درجات مختلفة من الاستقلال الاستراتيجي والحكم الذاتي الاستراتيجي، تأتي الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا في مقدمة الدول التي حققت إنجازات في مجال تطوير قدراتها الوطنية وتحسين أداءها الاقتصادي والعسكري، وتطوير صناعاتها الوطنية وقدراتها التكنولوجية والعلمية، كما أنها نحت في الفترة الأخيرة الى نهج استقلالية أكبر في علاقاتها الدولية والدبلوماسية ضمن ما عرف بمجموعة "بريكس".

وتجدر الاشارة الى أن المملكة المغربية من الدول الصاعدة  في منطقتها التي باتت تسعى إلى تحقيق "الاستقلال الاستراتيجي"، ومنذ حصول المغرب على الاستقلال في 1956 شرع في مسيرة الانتقال من مرحلة "الاستقلال في ظل التبعية" الى "الاستقلال الاستراتيجي" رغم التحديات المختلفة التي واجهته في سبيل تحقيق هذه الأهداف، حيث بذلت جهود مبكرة لتطوير القدرات الوطنية المغربية في مختلف المجالات، بما في ذلك القدرات الاقتصادية، والعسكرية، والتكنولوجية، والسياسية، وهكذا شرعت المملكة بعد الاستقلال في تنفيذ عدة إصلاحات بهدف التخلص من التبعية الخارجية همت مجالات الفلاحة والتعليم والصحة والتشريع والقانون، وكذلك تطوير البنية التحتية وتحسين الحريات الفردية والحقوق المدنية والسياسية.

على أن هذا المسار الإصلاحي اصطدم بالعديد من التحديات الكبرى لدولة حديثة العهد بالخروج من مرحلة استعمارية قسمت اوصال الدولة المغربية الموحدة، تاركة أيها تتخبط في معركة التحرير واستكمال وحدتها الترابية من جهة، ومن جهة اخرى صعوبة التخلص من التبعية الاقتصادية والتدخل الخارجي في شؤونها الداخلية، ناهيك عن التحديات الأمنية المحيطة بها في جوار إقليمي غير مستقر. ويمكننا تحديد المحاور الأساسية التي شرعت المملكة في الاشتغال عليها لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي كالاتي:
أولا: التحدي الاقتصادي:
ورغم سعي المغرب في عهد الملك محمد السادس الى تحقيق استقلال كامل للمملكة في محيطها الدولي على المستوي السياسي والدبلوماسي، الا أنه ظلت هناك عوائق حقيقية مرتبطة بالتبعية الاقتصادية، حيث لا يزال المغرب يعتمد بشكل كبير على الصادرات الزراعية والموارد الطبيعية كمصدر رئيسي للعملة الصعبة، الشيء الذي أصبح يفرض على الدولة تنويع مصادر دخلها وتطوير الصناعات الوطنية والتكنولوجية لوضع لبنات صلبة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والتخلص من هذه التبعية الاقتصادية، وفي هذا الصدد عمل المغرب على تحديث اقتصاده وتطوير قدراته الصناعية وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في المجال الاقتصادي على نحو مستمر ويتضح ذلك من جملة الأرقام والمؤشرات في هذا المجال:
1. النمو الاقتصادي: تمكن الاقتصاد المغربي من تحقيق معدل نمو اقتصادي متوسط يبلغ 3.2٪ خلال الفترة من 2015 إلى 2019، وذلك بفضل الإصلاحات الاقتصادية والاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية وتطوير العديد من القطاعات مثل السياحة والصناعة والخدمات المالية. كما شهد الاقتصاد المغربي انتعاشًا قويًا في العام 2021 حيث حقق معدل نمو بلغ 7.9%، مستعيدًا خسائر الإنتاج التي شهدها خلال الاعوام السابقة، ولكنه تعرض من جديد لضغوط متزايدة في العام 2023 بسبب تداخل صدمات توقف سلاسل الإمداد العالمية، وموجة الجفاف الشديدة والزيادة الهائلة في التكلفة في العام 2022.

2. الاستثمارات الأجنبية المباشرة: يعتبر المغرب وجهة مهمة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث بلغت قيمة هذه الاستثمارات حوالي 2.3 مليار دولار أمريكي في عام 2020، وتركزت في العديد من القطاعات مثل السياحة والطاقة والسيارات والصناعات الغذائية، كما سجل صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المغرب ارتفاعًا بنسبة 53.6% في فبراير 2023 مقارنةً بنفس الفترة من العام 2022 وفي تقرير له صدر في أبريل 2023 أفاد مكتب الصرف التابع لوزارة الاقتصاد والمالية بأن صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية ارتفع بنسبة 10.4% في الشهر مارس مع توقعات بأن يشهد المغرب ودول أفريقية أخرى تحسنًا في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في عام 2023 بعد انخفاضها الكبير في عام 2022، الذي شهد ضعفًا في المناخ الاستثماري مقارنةً بعام 2021.

3. الصادرات: تشكل الصادرات جزءًا هامًا من اقتصاد المغرب، حيث بلغت قيمة الصادرات في عام 2020 حوالي 23.7 مليار دولار أمريكي. وتتركز الصادرات في العديد من القطاعات مثل الفوسفاط، والزراعة، والسيارات، والكهرباء. وفي عام 2022، تجاوزت صادرات المنتجات الغذائية الزراعية والبحرية لأول مرة عتبة 80 مليار درهم (حوالي 8 مليارات دولار) كما توقع وزير التجارة والصناعة أن ترتفع قيمة صادرات المغرب إلى 45 مليار دولار في عام 2023، مدفوعةً بنمو صناعات الأسمدة والسيارات والنسيج حيث سجلت الصادرات المغربية في السنتين الأخيرتين، انتعاشًا سريعًا، حيث بلغ حجم الصادرات ما يزيد عن 326 مليار درهم.

4. التعاون الإقليمي والدولي: يعمل المغرب على تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال الاقتصادي، ويشارك في العديد من المنظمات الاقتصادية الإقليمية والدولية مثل الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا ومنظمة التجارة العالمية. كما يتعاون المغرب مع العديد من الدول والمؤسسات الدولية في مجالات مختلفة، بما في ذلك التجارة، والاستثمار، والتنمية، والتكنولوجيا.

5. الإصلاحات الاقتصادية: يعمل المغرب على تنفيذ إصلاحات اقتصادية مستمرة لتحديث اقتصاده وتعزيز الاستدامة، وتشمل هذه الإصلاحات تحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات الإدارية وتطوير البنية التحتية وتحسين التعليم والتدريب المهني. وقد أسفرت هذه الإصلاحات عن تحسين المناخ الاستثماري وزيادة الانفتاح الاقتصادي وتحسين الفرص الاقتصادية للمواطنين.

6. القطاع الصناعي: تعمل المملكة المغربية على تطوير الصناعات وتحفيز التصدير، وتشمل مجالات السيارات والملابس، والصناعات الكيماوية، والفوسفاط، والطيران. وقد تم تطوير العديد من المناطق الصناعية والموانئ الحرة والمدن الصناعية في المملكة لتحفيز الاستثمار في هذه الصناعات وتعزيز الصادرات. وهكذا فقد سجلت الصادرات المغربية انتعاشًا في 2021 و2022، حيث بلغ حجم الصادرات ما يزيد عن 326 مليار درهم، كما تشير التوقعات الاقتصادية الى أن تصل قيمة المعاملات الإضافية المتوقعة في قطاع الصناعات الغذائية إلى أكثر من 914 مليون درهم في عام 2023.

ولعله من المفيد أيضا أن نؤكد على أنه تم تنفيذ العديد من الإصلاحات الاقتصادية في المغرب لتحديث وتطوير الاقتصاد وتعزيز الاستدامة الاقتصادية. ومن أبرز هذه الإصلاحات:
1. تحسين بيئة الأعمال: حيث تم تطبيق إصلاحات عديدة لتحسين بيئة الأعمال في المغرب، شملت تبسيط الإجراءات الإدارية وتحسين الخدمات اللوجستية وتطوير البنية التحتية الرقمية وتبسيط الإجراءات الجمركية.

2. تحرير الاقتصاد: تم تحرير الاقتصاد بشكل كبير عن طريق إلغاء الرسوم الجمركية على العديد من المنتجات وتحرير أسعار الوقود وتحرير سعر الصرف، مما يشجع على المنافسة ويجعل المنتجات المحلية أكثر تنافسية في الأسواق الدولية.

3. التحول الرقمي: تم العمل على تحويل الاقتصاد المغربي إلى اقتصاد رقمي، وذلك من خلال الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتشجيع الشركات على الاستثمار في تقنية المعلومات والاتصالات.

4. تعزيز القطاع الخاص: تم العمل على تعزيز القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار الخاص في العديد من القطاعات الحيوية مثل الطاقة والسياحة والصناعة.

5. تطوير البنية التحتية: تم العمل على تطوير البنية التحتية في المغرب وذلك من خلال الاستثمار في مشاريع البنية التحتية الكبرى مثل الطرق والجسور والموانئ والمطارات، وتطوير الشبكة الحديدية والنقل العام وتحسين جودة الخدمات اللوجستية.

6. تحسين التعليم والتدريب المهني: تم تحسين نظام التعليم والتدريب المهني في المغرب لتزويد العمالة بالمهارات اللازمة لسوق العمل، وتعزيز التعاون بين المؤسسات التعليمية والشركات لتحسين انتقاء المهارات المطلوبة في سوق العمل.

7. تحسين نمط الحكامة ومكافحة الفساد: تم العمل على تحسين الحكامة في المغرب ومكافحة الفساد، وذلك من خلال تطبيق قوانين صارمة لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية في العمل الحكومي والتشديد على مراقبة استخدام الأموال العامة. واجداث الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها لضمان تتبع تنفيذ سياسات الدولة في محاربة الفساد، وتلقي ونشر المعلومات في هذا المجال، والإسهام في تخليق الحياة العامة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وثقافة المرفق العام، وقيم المواطنة المسؤولة.

8. تطوير قطاع الطاقة: تم تطوير قطاع الطاقة في المغرب وذلك من خلال تنفيذ مشروعات كبرى لتوليد الطاقة النظيفة والاستفادة من الطاقة الشمسية والرياح والغاز الطبيعي، وتشجيع الشركات على الاستثمار في هذا القطاع. وقد وضع المغرب لنفسه موقعا متقدما كدولة رائدة في مجال مكافحة تغير المناخ، وتم رفع بعض الدعم الذي كان موجها للوقود الأحفوري المصدر الرئيسي للطاقة المستوردة من الخارج، حيث تغطي هذه الطاقات نسبة تقدر بـ 88.8٪ من استهلاك الطاقة الأولية في البلاد، كما أطلقت الدولة احدى أكبر مشروعات الطاقة النظيفة في العالم. حيث باتت الطاقة المتجددة تشكل ما يقرب من خمسي الطاقة الكهربائية في البلاد.

9. تطوير قطاع السياحة: تم تطوير قطاع السياحة في المغرب وذلك من خلال تحسين البيئة السياحية وتطوير البنية التحتية السياحية وتنفيذ مشاريع سياحية كبرى مثل مشروع "تونسيتا" ومشروع "مدينة محمد السادس للثقافة والفنون"، وتشجيع الاستثمار في هذا القطاع.

10. تطوير البنية التحتية الرقمية: أطلقت الحكومة المغربية استراتيجية "المغرب الرقمي"، والتي تهدف إلى تحويل المغرب إلى اقتصاد رقمي. وتركز هذه الاستراتيجية على تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز استخدام التكنولوجيا الحديثة في الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع. وتم إنشاء شبكة واسعة من الألياف الضوئية عالية السرعة وتطوير الأنظمة الرقمية للحكومة والشركات والمؤسسات العامة. وتحسين البنية التحتية الرقمية للتعليم والصحة والتجارة الإلكترونية والترفيه والثقافة، وتعزيز الأمن السيبراني وحماية البيانات والخصوصية. ومن بين المشاريع الرئيسية التي تم تنفيذها في إطار هذه الاستراتيجية هو مشروع "المدن الذكية"، والذي يهدف إلى تحويل المدن المغربية إلى مدن ذكية باستخدام التكنولوجيا الحديثة. كما تم تطوير برامج لتعزيز الوصول إلى الإنترنت وتحسين جودة الاتصالات، وتعزيز الحكومة الإلكترونية والخدمات الإلكترونية للمواطنين والشركات والمؤسسات العامة. ويعد تطوير البنية التحتية الرقمية في المغرب أحد الأولويات الرئيسية للحكومة، وتعمل الحكومة على تعزيز التعاون مع القطاع الخاص والمجتمع المدني والشركاء الدوليين لتحقيق هذه الأهداف. ومن المتوقع أن يساهم تطوير البنية التحتية الرقمية في المغرب في تحسين الخدمات الحكومية وتعزيز الابتكار والاستثمار وتحسين جودة الحياة للمواطنين.

11. التكنولوجيات الحديثة: تواجه المملكة المغربية صعوبات في تطوير الصناعات الحديثة والتكنولوجية والابتكار، وهذا يعني أن المملكة تحتاج إلى تحسين بنيتها التحتية وتطوير الكفاءات العلمية والتقنية وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال، بهدف تحقيق الاستقلال التكنولوجي والحفاظ على مكانتها الاستراتيجية في المنطقة والعالم. ولهذه الغاية قامت المملكة المغربية بتطوير عدة استراتيجيات وخطط عمل، بما في ذلك الخطة الوطنية للتنمية الصناعية 2014-2020 والخطة الوطنية للتعليم 2015-2030 والخطة الوطنية للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي 2015-2021. كما قامت المملكة بإطلاق عدة مبادرات ومشاريع، مثل مشروع "تمكين" لتطوير الصناعات الوطنية وزيادة الانتاجية ومشروع "مغرب الألفية" لتحسين البنية التحتية والخدمات العامة وزيادة الوصول إلى التكنولوجيا وتحسين الحكم الرشيد وتعزيز العدالة الاجتماعية.

ورغم جهود المملكة المغربية المتواصلة لتحديث اقتصاده وتطوير القدرات الصناعية وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال الاقتصادي. الا أنه يتعين عليه الاستمرار في إجراء الإصلاحات الاقتصادية وتطوير البنية التحتية وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز الاستثمار وتطوير البنية التحتية وتنمية القطاعات الحيوية وتحسين جودة التعليم والحوكمة، ومكافحة الفساد، وتطوير الطاقة، والسياحة. لتعزيز النمو الاقتصادي وتعزيز التنافسية الاقتصادية في المنطقة وتحسين جودة الحياة للمواطنين. باعتبارها مداخل رئيسة لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي والسيادة الاقتصادية.

ثانيا: التحدي الأمني:
تواجه المملكة المغربية بحكم موقعها الاستراتيجي تحديات أمنية عدة، بما في ذلك التهديدات الإرهابية والتهريب والهجرة غير الشرعية، والجريمة المنظمة، والتهديدات الإقليمية، والدولية. ومن أجل التغلب على هذه التحديات، قامت المملكة المغربية بتحديث القوات المسلحة وتطوير القدرات الأمنية والاستخباراتية وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال مكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة، ودخل المغرب في عدة شراكات أمنية الأخرى تعاون فيها مع العديد من الدول والمنظمات الدولية بهدف هذه تعزيز القدرات الأمنية المغربية في مجال الأمن وتحسين التعاون الدولي في مكافحة التحديات الأمنية المشتركة ومن أبرز الشركاء الرئيسيين للمغرب في مجال الأمن نذكر على سبيل المثال:
1. الولايات المتحدة: التي تعتبر واحدة من الشركاء الأساسيين للمغرب في مجال الأمن، حيث يتعاون المغرب معها في مجالات مختلفة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب. كما تقدم الولايات المتحدة المغرب بالمساعدة الفنية والمالية لتطوير قدراته الأمنية وتقنياته الأمنية.

2. فرنسا: تعتبر فرنسا شريكًا آخر هام للمغرب في مجال الأمن، حيث يتعاون المغرب مع فرنسا في مجالات مختلفة، بما فيها مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والتهريب والحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين. كما تزود فرنسا المغرب بالتدريب والتجهيزات الأمنية وتساعده في تطوير قدراته الأمنية.

3. إسبانيا: تعتبر إسبانيا شريكًا آخر هام للمغرب في مجال الأمن، حيث يتعاون المغرب مع إسبانيا في مجالات مختلفة، بما فيذلك مكافحة الهجرة غير الشرعية والإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات، ويتم تنسيق الجهود بين المغرب وإسبانيا من خلال العديد من الآليات الأمنية المشتركة، مثل اللجنة الأمنية المشتركة بين البلدين.

4. الاتحاد الأوروبي: يتعاون المغرب مع الاتحاد الأوروبي في مجالات مختلفة، ويتم تنسيق الجهود بين المغرب والاتحاد الأوروبي من خلال العديد من الآليات المنظمة المشتركة، مثل اتفاقية الجوار الأوروبي.

5. الأمم المتحدة: تعمل المملكة المغربية بشكل وثيق مع الأمم المتحدة في مجال الأمن، وتشارك في العديد من المهام الأمنية التي تقوم بها الأمم المتحدة في جميع أنحاء العالم. وتشمل هذه المهام، على سبيل المثال، حفظ السلام ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب وحماية حقوق الإنسان.

6. حلف شمال الأطلسي (الناتو): تتعاون المملكة المغربية مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عدة مجالات، بما في ذلك التدريبات العسكرية المشتركة، ومكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، والتهريب. ويتعاون المغرب مع الناتو من خلال الشراكة المتوسطية المعززة وبرامج التعاون الأمني المشتركة، ويعتبر المغرب شريكًا مهمًا لحلف شمال الأطلسي في المنطقة.

ثالثا: التحدي الجيوسياسي:
تسعى المملكة المغربية إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي في جميع المجالات، بما في ذلك العلاقات الدولية. وتركز المملكة في هذا الصدد على تنويع شركائها الدوليين وتوسيع قاعدة العلاقات الدولية التي تساعد على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمملكة. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، قام المغرب بتطوير علاقات وثيقة مع العديد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، وتعتبر العلاقات مع بعض الدول ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للمملكة.

فعلى سبيل المثال، نسجت المملكة المغربية علاقات واسعة مع الاتحاد الأوروبي ومتشعبة، حيث تم توقيع اتفاق شراكة متجددة بين الطرفين بهدف تطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية بين المملكة والاتحاد الأوروبي. كما تعتبر العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية أيضا ذات أهمية بالغة بالنسبة للمملكة المغربية، حيث تم توقيع عدة اتفاقيات وشراكات مع الولايات المتحدة في مجالات مختلفة بما في ذلك الأمن والدفاع، والتجارة والاستثمار.
وتسعى المملكة المغربية أيضا إلى تعزيز العلاقات مع دول إفريقيا، وخاصة دول جنوب الصحراء الكبرى. وتمكن المغرب من استعادة عضويته في الاتحاد الإفريقي في عام 2017، بعد قرابة 33 عامًا من الانسحاب، وهذا يعكس التزام المغرب بتعزيز العلاقات مع دول القارة السمراء. بجعل المملكة كمركز مالي ولوجستيكي وصناعي لإفريقيا، حيث قام جلالة الملك منذ اعتلائه العرش بعدة جولات ملكية تماشيا مع رؤية جلالته الهادفة إلى إقامة شراكة رابحة وتضامن في إطار التعاون جنوب جنوب ناجح، مع وضع العنصر البشري في صلب استراتيجيات التنمية المستدامة.

وتسعى المملكة المغربية أيضا إلى تنويع شركائها الدوليين وتوسيع قاعدة العلاقات الدولية، وهذا يتضح من خلال العلاقات القوية التي تمتلكها المملكة مع دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مثل أستراليا ونيوزيلندا وتعتبر العلاقات مع الصين والهند واليابان من أهم الشركاء من حيث التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري. وتعمل المملكة على تطوير العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية أيضا، حيث تعتبر العلاقات مع البرازيل والمكسيك وكولومبيا والأرجنتين من بين الدول الرئيسية في هذه المنطقة. وتعتبر العلاقات مع الدول العربية أيضا من أهم العلاقات الدولية للمغرب، حيث تشترك المملكة المغربية مع دول الخليج العربي في العديد من القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية. وبما أن المملكة المغربية تعتبر جسرًا بين العالم العربي والأوروبي وأفريقيا، فإن تحقيق الاستقلال الاستراتيجي في العلاقات الدولية يساعد المملكة على تعزيز دورها الإقليمي والدولي، وتعزيز مكانتها كدولة مؤثرة في المنطقة والعالم. وتعد هذه الاستراتيجية جزءًا علاوة على ذلك، تسعى المملكة المغربية إلى تعزيز العلاقات مع المنظمات الإقليمية والدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، وغيرها. وتشارك المملكة المغربية بنشاط في المنتديات والمؤتمرات الدولية المختلفة، وتعمل على تحقيق أهدافها الاستراتيجية من خلال التعاون والتنسيق مع المنظمات الدولية.

وعلى صعيد السياسة الخارجية فان تحقيق الاستقلال الاستراتيجي يتطلب تحديد وتنفيذ الخطط والسياسات والتحركات الاستراتيجية بشكل مستقل، دون الاعتماد على الدول الأخرى أو الجماعات الدولية. وبمعنى آخر، القدرة على صياغة وتنفيذ سياسات وخطط استراتيجية مستقلة وفعالة لتحقيق الأهداف الوطنية والمصالح الاستراتيجية في السياسة الخارجية.

ولهذا سعت الدبلوماسية الملكية لتحقيق الاستقلالية والتميز في السياسة الخارجية وجعل البلاد قادرة على اتخاذ القرارات المناسبة والمستقلة في مجالات الأمن القومي والدفاع والتجارة والاقتصاد والسياسة الخارجية بشكل عام، دون الاعتماد على الدول أو الجماعات الدولية الأخرى. ولهذه الغاية وضعت عدة أساليب وإجراءات، لتطوير القدرات الدفاعية والاستخباراتية والتكنولوجية، وتعزيز القدرات الاقتصادية والتجارية والصناعية للمملكة، وتعزيز شراكاتها الإقليمية والدولية، وتطوير علاقاتها الثنائية والمتعددة الأطراف في مجالات مختلفة.

ومن أهم النتائج المترتبة عن ذلك تحقيق القدرة على تحقيق الأمن القومي والتحكم في الأحداث الجيوسياسية والتحديات الدولية، وتحقيق الاستقلالية والتميز في السياسة الخارجية، وتحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمغرب، رغم العوائق التي يجب التغلب عليها، ومنها الحاجة إلى تطوير القدرات الدفاعية والتكنولوجية والاقتصادية، والتحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتحديات الساحة الدولية والجوار الإقليمي. غير المستقر.

وبشكل عام، وضعت المملكة المغربية استراتيجية لتنويع شركائها الدوليين وتحقيق الاستقلال الاستراتيجي في علاقاتها الدولية سالكة منهجًا شاملاً ومتكاملاً، يتضمن العمل على تحسين العلاقات مع الدول الكبرى والمنظمات الإقليمية والدولية، وفتح قنوات جديدة للتعاون مع دول ومناطق جديدة، وتطوير علاقاتها الدولية بما يخدم مصالحها الوطنية ويحقق أهدافها الاستراتيجية في مختلف المجالات، بما في ذلك الاقتصاد والتجارة والسياسة والأمن، والدفاع، والتعليم، والثقافة. ولهذا تعتبر المملكة المغربية شريكًا استراتيجيًا لعدد من الدول في مختلف مناطق العالم.
 

يتبع