حكى صاحبي أنّ قريبا منه سأله في أيّ مسجد يصلّي، فأخبره عن المكان، فابتسم له وأردف بكلمات كشفت اصفرار بسمته، قال: ذاك بناية وليس مسجدا!..
نزل منّي كلامُ قريبه هذا منزلةَ تأثيرٍ ارتبطت ببعضِ معايشاتي، فرحّلني إلى آيات من سورة التّوبة، تحكي عن البناء والبنّائين، كأنّها تصادق على ما نطق به أو كأنّ ما نطق به قد انسجم مع ما جاء فيها... فإنّما يكتَسِبُ البناءُ اسمَه وينتحل صفتَه من قلب بانيه ومن نيّته وعلاقته بالنّاس، ومن النّاس الذين يعمرونه. فإن سلِمَ القلب، وخَلَصت النّيّة لله تعالى، وخيّمت التّقوى وتحكّمت، وتآلف النّاس والتزموا سلوك عباد الرّحمان كان البناء مسجدا. وإن مرض القلب، وفسدت النّيّة، وانقلبت التّقوى أداةَ لسان لاحِنٍ تُستَثمَر في التّلبيس على النّاس، وانصرف النّاس إلى مدح المخلوق وشكره دون الخالق، كان البناء بناية تُجاور حيطانُها جهنّم عياذا بالله تعالى وكان بانيه وساكنوه المؤيِّدون دون حقّ، من الظّالمين: {أَفَمَنْ أُسِّسَ بُنْيَٰنُهُۥ عَلَيٰ تَقْوَىٰ مِنَ اَ۬للَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أُسِّسَ بُنْيَٰنُهُۥ عَلَى شَفَا جُرُفٍ ه۪ارٖ فَانْهَارَ بِهِۦ فِے نَارِ جَهَنَّمَۖ وَاللَّهُ لَا يَهْدِے اِ۬لْقَوْمَ اَ۬لظَّٰلِمِينَۖ} (التّوبة: 110).
ثمّ إنّ الأمر لا يتعلّق عندي ببناء المساجد فقط، بل يتعدّاه ليتعلّق بكلّ أنواع البناء، مثل بناء الذّات وبناء الجماعة والمجتمع وبناء العلاقات وغير ذلك من أنواع البناء. لا بدّ أن يكون البناء كلّه وفي الميادين كلّها على تقوى من الله ورضوان حذر الانهيار وحذر الانتهاء بصاحبه إلى نار جهنّم المُحَذَّر منها ومن غلظة وشدّة الملائكة الواقفين عليها.
فابن ذاتك إذن على الأسس التي اجتهد والداك الأمّيان في إقامتها مذ استهللت، وكن كما رغِبا وتمنّيا من عباد الرّحمان، تحوز صفاتِهم وتحمل مواصفاتهم، متواضعا هيّنا ليّنا سمحا عفوّا مخبتا قوّاما كريما منضبطا، موحِّدا صادقا غير معتدٍ، عفيفا لا ترضى الفاحشة في محيطك.
تفاعَلْ مع مجتمعك ومحيطك وابن علاقتك معه على الاحترام والحبّ، وَاسْعَ فيه بين النّاس بالنّفع وقضاء الحوائج وكفّ الدّمعة ومسح الرّأس والصّبر على المخطئ والتّجاوز عنه وكضم الغيظ وإشاعة الخير ومقاومة الشّرّ ودمغ الأشرّ وإقامة الحقّ والوقوف مع أهل الحقّ.
أحِبَّ ناسك ومجتمعك واحضنه ودفِّئْه حتّى يُحِسَّ - بوجودك - بالسّكن فيرغب في احتضانك توقيرا للقربى وتقديرا للتّعارف وسعيا جادّا للتّعرّف والوقوف في الصّفّ بالرّصّ، وعدم التّدابر والتّناجش واجتناب الإقصاء المفضي إلى الإضعاف والتّباغض.
اجعل شغفك في البناء واجعل الملائكة تتباهى بالعُمّار في البناية التي تبنيها ولا تجعل عمّار البناية سببا لهدم البناء وسببَ الجرجرة في نار جهنّم، عياذا بالله تعالى.
علينا جميعا أن نرغب في البناء ونزهد في بناية تصرفنا عن البناء. فإنّه ما بنى مَن ركَنَ واستكان للبناية وزخارفِ حيطانِها، ولا صَلَحَ من استهواه رجعُ الصّدى الممجّد لذاته فيها...