في البداية هذه لا يسعنى الا التعبير عن تشكراتي للزملاء في المنتدى المغربي للصحافيين الشباب، على الدعوة الكريمة للمشاركة في هذا اللقاء المنظم بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يصادف الثالث من ماي من كل سنة، ويشكل مناسبة كما أود التنويه بالدينامية التي خلقها المنتدى منذ تأسيسه سواء على مستوى تنشيط الحقل الصحفي والإعلامي، أو على صعيد الترافع حول حرية الصحافة وقضايا الصحفيين ومساهمته الفعالة من أجل استشراف مستقبل الاعلام.
إن اختيار " دور الإعلام في تعزيز والنهوض بثقافة حقوق الإنسان "، موضوعا لهذه التظاهرة، يكتسى دلالة عميقة، ويترجم الارتباط الوثيق بين حقوق الانسان وحرية الصحافة التي تدخل في صلب حقوق الإنسان، من زاوية حرية التعبير المكفولة على الصعيد الكوني لكافة المواطنيات والمواطنين. وفي هذا السياق تظل حرية الصحافة، أم هذه لحريات التعبير بل أرقاها لكون صاحب الجلالة، سلطة مضادة وسلطة رقابة في تشكيل الرأي العام.
وإذا كانت الإجابة على السؤال المحوري " لماذا هذا الاهتمام بتحليل العلاقة بين الإعلام المغربي وحقوق الإنسان؟"، قد حددت عناصرها الأساسية أرضية اللقاء في شقين، أولهما يهم مسؤولية الصحافي في تمكين المواطنين من المعلومات الصحيحة والمفيدة، وثانيها، في حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها كمرجع أساسي لأخلاقيات الصحافة، وهو ما يمكن الوقوف عليه من خلال ما تتضمنه المرجعيات الدولية، في مقدمتها المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الصادر عام 1948 التي تنص على أن " لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية"، إذن فمنطوق المادة 19 يؤكد على أن حرية التعبير هي حق أساسي من حقوق الإنسان".
كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت في القرار 59 (د-1) عام 1946، "أن حرية تداول المعلومات حق من حقوق الإنسان الأساسية، وهي المعيار الذي تقاس به جميع الحريات". وتعززت العلاقة بين الحقلين الإعلامي والحقوقي ب"إعلان المبادئ الأساسية الخاصة بإسهام وسائل الإعلام في دعم السلام والتفاهم الدولي، وتعزيز حقوق الإنسان، ومكافحة العنصرية والفصل العنصري والتحريض علي الحرب"، الصادر في 28 نونبر 1978، عن المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونيسكو ) في دورته العشرين والذي نص في مادته الثانية على " أن ممارسة حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الإعلام، المعترف بها كجزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، هي عامل جوهري في دعم السلام والتفاهم الدولي...وأن وسائل الإعلام، تسهم في كل بقعة من بقاع العالم، وبحكم الدور المنوط بها، في تعزيز حقوق الإنسان".
وانطلاقا من هذه المرجعيات الدولية يتضح بجلاء أن العلاقة ما بين الصحافة وحقوق الانسان، علاقة تكامل وأيضا ترابط على المستويين الموضوعي والنظري، وذات طبيعة محورية ومتعددة الأبعاد، يجعل الإعلام يتبوأ مكانة مركزية في ميدان حقوق الانسان، ليس فقط اعتبارا لموقعه الرئيس في منظومة الحريات العامة، جوهر حقوق الانسان، ولكن كذلك لتأثيره الفعال في معادلات بناء الوعي، وتشكيل الرأي العام، ولدوره الرقابي وقدرته على توفير المعلومات، ومواكبة كافة القضايا ومنها ذات الأبعاد الحقوقية.
وفي ظل التطور المتلاحق الذي تشهده منظومة حقوق الإنسان، وطهور أجيال جديدة، تحولت معه هذه المنظومة، ما يمكن وصفها ب" موسوعة لحقوق الإنسان" لها آلياتها ولجانهـا وملتقياتها، وتأثيراها الحاسمة في تحديد موقع البلدان وصورتها على الصعيد الدولي. وبالمقابل زادت أهمية الإعلام وتحدياته بفضل الثورة الرقمية، و أضحت العلاقة القائمة بين الإعلام وحقوق الإنسان، ترتدى أهمية متزايدة في العصر الراهن.
وبفضل الثورة الرقمية تضاعف تأثير دور الاعلام على كافة الميادين منها حقوق الإنسان، لما للسلطة الرابعة من أهمية في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان ونشر مبادئها، والمساهمة في فضح الانتهاكات التي قد تطالها.
هل يمكن للإعلام أن يلتزم الحياد في التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان؟ لتلمس الجواب عن هذا السؤال، يمكن القول بأنه، بغض النظر عن التعريفات النظرية للحياد والموضوعية في الممارسة الإعلامية، وحدودهما، تظل مسألة مشروعة، ومطلوبة في كل عمل صحافي مهني، يرمى الى البحث عن الحقيقة، ولكون الحياد الموضوعية، في الممارسة الإعلامية، تقابلها بالخصوص المهننة والصدق والنزاهة. إلا أن هذه الحيادية تصير غير ذات معنى عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان.
فالموضوعية في مجال الصحافة، لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال حياد الصحفي أو المؤسسة الإعلامية، ووقوفهما على مسافة متساوية من جميع أطراف الحدث. وعلى عكس ذلك هناك من يدفع باستحالة تحقيق ذلك، بدعوى أن التعامل مع الأحداث، تؤثر فيها القناعات الشخصية للصحافي ولتوجهات الوسيلة الإعلامية التي يشتغل لفائدتها.
غير أن الموضوعية في الأخبار، تعد أساس الإعلام، وتستلزم في هذا السياق التمييز ما بين الخبر والرأي ونشر المعلومات الموثوق من مصادرها وصحتها، فضلا عن الالتزام بعنصر التوازن لدى عرض وجهات النظر حتى المتعارضة ( الرأي والرأي الآخر ) لدى معالجة أي قضية، تكون محط خلاف داخل المجتمع.
وهكذا فوجهات النظر وإن كانت تتراوح ما بين من يقول بإمكان الصحافي والصحافة، أن يلتزما بالحياد والموضوعية، ورافض لموضوعية الخطاب الإعلامي وحياده، بدعوى أن الموضوعية لا توجد الا في العلوم الحقة، فإن الوضعية الاجتماعية والمهنية للصحفيين غالبا ما تجعل منهم، " حلقة وسطى بين مصادر الخبر وبين الجمهور"، وهو ما دفع بالمفكر الفرنسي جان بول سارتر، الى اعتبار " الصحافي مجرد مرمم (Bricoleur)، يفعل ما يستطيع، انطلاقا من الوسائل التي تتوفر بين يديه" .
ويرتبط الحياد في الأخبار، بشكل أساسي بمدى قدرة وسائل الاعلام، التعبير عن حالة الاشياء، كما هي في الواقع قدرة تنحى بموجبها الذات تاركة المجال للخطاب الاعلامي، لكي يعبر عن نفسه بنفسه.
ووفق هذا الرأي، تصبح وظيفة الإعلام، هي نقل الوقائع كما هي، وكما تجرى على مسرح الأحداث بموضوعية وحياد، مع العلم أن دور الصحفي في أي مجتمع، يظل مرتبطا بمسعى البحث عن الحقيقة ، وباعتباره "حارسا للبوابة". كما احتفظت الصحافة - على الرغم من التحولات المتسارعة- بأدوارها منذ غوتنبرورغ الي زمن الانترنيت كسلطة رقابة، وظلت وظيفتها الرئيسة، هي الإخبار والتثقيف والترفيه، ونقل المعلومات وتعميمها بصدق وأمانة ودقة وموضوعية.
وفي زمن الثورة الرقمية و"اللايقين"، تحول الاعلام من سلطة رابعة الى سلطة أولى فاقت كل السلطات التقليدية، في مجال التأثير وزاد من أهميتها اللجوء المكثف لمختلف الفاعلين، كانوا حكاما أو محكومين الى وسائط التواصل بفعل دورها في تشكيل الرأي العام وتوجيهه، أكان ذلك إيجابا أم سلبا، مما حول الفضاء العمومي - حسب المفكر الألماني يورغن هابرماس - إلى فضاء إعلامي بامتياز، يشكل داخله الإعلام " النموذج الطاغي" الذي يمارس هيمنة مباشرة على انتاج المعنى، وعلى مختلف التمثلات، وأصبح موجه لطريقة تمثلنا للعالم، وتحكم بالتالي في الواقع، وبسط سيطرته على مختلف مناحيه، وجعلت علاقتنا بهذا العالم، لا تتم وفق تجربتنا المباشرة، بل تتم وفق الرؤية التي يقدمها لنا الإعلام جاهزة، عبر معايير من خلقه، يسعى الى إدماجها في المجتمع، بل ويجعلها منسجمة ومتناغمة معه ( " الحقيقة والموضوعية في الخطاب الإعلامي .. حدود الاستحالة والإمكان " عبد القادر ملوك مجلة "الفكر العربي" المجلد 44 يناير- مارس 2016 العدد الثالث ص 59 ).
وإذا كان سؤال الحيادية في الصحافة الاعلام، يظل سؤالا مشروعا ويحمل بين طياته إشكاليات نظرية وواقعية، وتتراوح وجهات النظر ما بين ناكرا للحياد في الاعلام وقائل بإمكانية تحقيق ذلك، فإن تعاطى الاعلام مع قضايا حقوق الانسان تنتفى فيه الحيادية، لأن الصحافة، تدخل ضمن حرية التعبير، وهو يجعل من بين مهام وسائل الإعلام إشاعة ثقافة حقوق الإنسان وفضح الخروقات التي تطالها، والتصدي لكل الممارسات التي تتعارض مع حرية التعبير الرئة التي تتنفس بها الصحافة.
وفي الوقت الذي تشجع الهيئات والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان، وسائل الإعلام على الاسهام في قضايا حقوق الإنسان والتعريف بمواثيقها وصكوكها وآلياتها، فإن من الأهمية بمكان تركيز الصحافيين والإعلامين في تعاملهم مع القضايا الحقوقية، انطلاقا من طبيعتها الكونية وشموليتها وترابط هذه الحقوق وعدم قابليتها للتجزيء.
وفي ظل القصور المسجل في مجال الوعي بقضايا حقـوق الإنـسان وثقافتهـا ومفاهيمها، وضعف البحث العلمي في مجال العلاقة القائمة ما بين الاعلام وحقوق الانسان، يظل مطروحا التساؤل حول:
ماهي طبيعة الاشكاليات المهنية التي تواجه الاعلام في تناول قضايا حقوق الإنسان؟
كيفية دعم الاعلام من أجل تكريس احترام حقوق الإنسان؟
ما هي الإمكانيات المتاحة في الظرف الراهن لتعزيز العلاقة بين حقوق الإنسان والإعلام على النحو الذي يساهم في صيانة الحريات الاعلامية واحترام حقوق الإنسان ترسيخ ثقافتها؟
فهذا الأمر يطرح التفكير في الآليات التي تضمن استدامة التعاون ما بين المنشغلين بحقوق الإنسان والإعلاميين عبر حوار ديمقراطـي مفتوح، من أجل ترسيخ حقوق الإنسان، وتوسيع الحريـات العامـة، ومنها حرية الصحافة، وحرية التعبير التي تعد في مقدمـة كـل الحريات وأشدها حساسية لدى الرأي العام، ومعه الحكومات، والمهنيين.
مداخلة في ندوة " دور الاعلام المغربي في تعزيز النهوض بثقافة حقوق الإنسان"، التي نظمها المنتدى المغربي للصحفيين الشباب، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة.