jeudi 3 avril 2025
كتاب الرأي

هناء ميكو.. قراءة في شعر عبد الحق نجيب الشاعر الفيلسوف والروائي

هناء ميكو.. قراءة في شعر عبد الحق نجيب الشاعر الفيلسوف والروائي هناء ميكو
عبد الحق نجيب وجود شعري متفرد مختلف يكون أو لا يكون حسب مقولة شكسبير الشهيرة وكأنه نوع  من الفلسفة دون تحديد المفاهيم  تبحر في عالم غني سوريالي  منتشي بمفردات وحروف تتقادف بين الحقيقة ببديهيتها والخيال المفعم بالأحساس المميز بشغف عدم الاستقرار وعدم الاستسلام حالتين روحانيتين ساحرتين لهما القدرة على الإدهاش بجاذبية عميقة غير مسبوقة مرآتهما دواخل ذات مخضرمة عاكسة لبلورات قوى الجمال بكل معانيها الرمزية  ومحاكاتها السردية البديعة لمجمل نصوصه الشعرية ابتدائا من " البلد حيت تتكلم الأحجار " مرورا  "بالشمس في قلب الرجال"  و"لحظة موتي " و"روح العالم " و" مقامات إلاهية" و"لا إلاه في المدار " و" صورة شخصية بحمض السلفريك "  وصولا إلى "نهاية مجد العالم "، كلها تجمع بين استحواد الإنتباه اللافت لعناوينها المشوقة والمثيرة للقرائة وبين لغة ملتوية جذابة غنية بالصور البلاغية والرموز العميقة والتشكيلات الفنية للإيقاع اللغوي الملون للاستعارات والأصوات  المنغمة للمفردات الرنانة التي تعطي منحى آخر للاتجاهات السائدة   بتغيير مجراها العادي المنطقي إلى الإبداعي المغامر الغني بالصدف والمجهول وبذالك تخرج عن الجدار الواقي  للمعاجم.
 
يميل شعره للوضوح والشفافية، للمفاجأة والإبداع، لعشق اللغة والتغزل بقوتها وسحر سلطتها، للتوسل والقدسية كصلاة يتعبد من خلالها بصوت داخلي وكأنه يناجي ذاته عبر الزمكان في حجة طويلة داعيا للمعرفة ولو من خلال المتاهات  منشدا بالفجر معبرا عن أصدق تعبير للروح ومناقشا لقضايا اجتماعية علمية أواقتصاذية أوحقوقية أو وجودية أيضا تهم العيش الكريم لكل  للكائنات الحية بدون استثناء أكانت إنسان أم حيوان أم نبات أم طبيعة  هواجسه رائعة وغريبة وكأن روحه واصية على الأرض نصوصه تحسها كالموسيقى تفهمها الروح قبل العقل تتخلل تدرج لون الزمن بنبتة نوى الذات كالزهرة المنفتحة ابواب سمائها  على النور تنتر العبق أينما حلت وارتحلت أتسائل ما هذا الجمال الرباني شعر بقدر صفاء رهافته العذبة بقدر قوة جماله  سبحان الله. 

يمكن إرجاء هذا النوع من الشعر إلى  تحولات كبرى وأزمة ضخمة في القيم والمبادئ هزت العالم مؤخرا أصبحت فيه بعض التفاصيل مهما صغرت أجدى للاحتفاء بها دون غيرها كتأثير بسمة طفل شريد، صدق جمال إحساس عميق، رقصة روح وجسد جاذب، موسيقى لحن منغوم إشراق يراع نبتة بزوغ شمس دافئة لمعان نجم مضيء واللائحة طويلة لمن يلتفت إليها وهذا لايعني أن قصائده تقف عند حدود الوجدان بل تتخطاه إلى التخيل والحدس الفكري تاركة العنان لصور وألوان ومواد نادرة وحواس ومشاعر وفضاءات بأزمنة وأمكنة سابحة في سفر طويل أبدي لروح إنسانية خلاقة، الله هو الوحيد الأكثر علما بمصيرها. ألسنها طيبة ولكن غير ساذجة قوية بدون مغالات معتدلة وصحيحة مشاكسة بطبعها  مغامرة ترغب في اكتشاف المجهول.
 
ببساطة حياة ذات قيمة وموقف ومبدأ منصهرة بنورها الداخلي مبدعة، متناقضة. مقنعة  متصالحة مع ذات الشاعر قادرة على معرفة أغوارها ومجاهلها وبالتالي قادرة على الوصول إلى ذوات أخرى وعلى العيش باستحقاق وكرامة بما يخالجها. وهي طريقة خاصة للبقاء، للعيش، للحياة بالمعرفة بالفن بالشعر، بالحدس بالعمق في سراديب الأفكار الجديدة المتسربلة المنهمرة من كثرة الفيض. لكل المميزات المذكورة اعتبر عبد الحق نجيب  مرآة شعر لروحه وعصره وهموم مجتمعه اصطفاه الله برهافة الحس وصدق الإلهام ليعكس الألم والأمل ويؤدي رسالته الإنسانية الشعرية التي خلق من أجلها، فهو بذلك شاعر حق وموضوع تفاعل معاصر لشخصيات أدبية فكرية مجايلة له من الشعراء والمبدعين.
 
شاعرنا مختلف استطاع بموهبته الفذة أن يكون ناطقا باسم الثقافة والإبداع جمع من حوله القلوب والعقول فكتبوا عنه شاعرا وناثرا وصحفيا وفيلسوفا وروائيا بلسان صدق وحق وهو أيضا بادلهم بالمثل كأخد وعطاء.
 
كشاعرة تكتب عن شاعر أقول أن للمرأة دور كبير في شعره مدهش بتفاصيل دافئة ودقيقة تنبعث من معاشه الطفولي خصوصا في علاقته بأمه التي لعبت دورا كبيرا في تكوينه بنصائحها وعملها وعاداتها وتقاليدها وخطابها المباشر حول كيفية العثور على الحب السامي المفقود وضرورة الاعتناء به في ذكرى غيابه وأن يكون منزها عن الجنس وبذلك يمنح الحرية الحقيقية ويعطي نضرة عما وراء الوعاء الذي يصهر فيه المعدن.
 
الشيء الذي يحثه على لغة معبرة ذالة بقدر ما يحسها يراها تحمل حيوية الحياة بمخزونها اليومي الواقعي والخيالي الحالم مما يجعله يربطها دائما بالطبيعة في أمكنتها وأزمنتها وموادها كالمعادن المتحولة بتدرج واستعمالات متعددة في تزيين عيون المرأة وفي صنع حروف الطباعة قديما ومداوات بعض الجروح كالانتمون او الكحل  المغربي ليعكس بصور بلاغية قوية رمزية التحول الواجب سلكه في اعماقنا للوصول إلى الانصهار مع بوثقة النور وبالتالي شعره لا يخلو من مواقف وإيمان عميق بالمرأة وقدراتها وقضاياها الفاعلة ككائن رائع رقيق وفاعل مكمل للرجل متمثل في الأم والطفلة والفتاة والأخت والصديقة والمبدعة يكره من يعتدي عليها ويسلب حقوقها باعتبارها ذات وروح غنية بقدر شفافيتها بقدر قوتها  كالعشب الناعم ينحي أمام النسيم ولا ينكسر أمام العاصفة. 
 
خير دليل على ذلك أنشطه المكتفة على شرفها وكذا تشجيعها على النشر من خلال دار النشر اوريون التي أسسها بغية حرية التعبير.  وكذلك نراه دائما وفي مجمل كتبه ودواوينه يهديها إلى أمه وابنته وأبيه.
 
أما بالنسبة لوضعية الكتاب بالمغرب يراها ضعيفة وتضاهرة معرض الكتاب في تدهور مستمر لا يرقى إلى المستوى المطلوب وذلك يعود لعزوف المواطن المغربي عن القرائة إلا بعض الاستثناءات مرد ذلك الى اجتياح لوسائل التواصل الاجتماعي التي اذكت التفاهة فأصبحت أمرا عاديا.

وعن طقوس الكتابة لديه فهو يكتب في أي وقت بدون اسثتناء مخصصا 8 ساعات متواصلة على الأقل يوميا مع التحلي بالانضباط برفقة الوصلات الموسيقية وكؤوس الشاي.
 
فهو يظن أن الكتابة والفن هما إبداع وحرفية لأن الكتابة بالنسبة له مسؤولية كبيرة يجب أن يأخدها كل الكتاب بجدية ليكونوا فاعلين واحسن ممثلي الثقافة لأن الكتابة يجب أن تكون احتياج منبعث من الأحشاء وأن تكون لصيقة بالذات يوميا مدى الحياة. 
 
أخر بوحي دعوة إلى الاختلاف والتعمق وفن الحياة يشاركني فيها شاعرنا المختلف والسبيل لتحقيق ذاك التحلي بسلاح الثقافة الحقة والشجاعة والذاكرة التاريخية والجراة لتحدي مكائد المادة والديكتاتورية للوصول الى الديمقراطية وفي هذا السياق الفلسفة والتاريخ والفن القادرين على إنقاذ العالم ودحض كل أشكال القهر والاستبذاد للتمكن من الحياة وليس فقط البقاء.