dimanche 6 avril 2025
ضيف

المعماري عبد الواحد منتصر: هل لدينا مدينة حتى نخلق وزارة سياسة المدينة؟

المعماري عبد الواحد منتصر: هل لدينا مدينة حتى نخلق وزارة سياسة المدينة؟

لأول مرة عرف اليوم الوطني للمهندسين حضورا مكثفا تجاوز عتبة 1300 مهندس معماري مما اعتبره مراقبون مؤشرا قويا على تذويب الخلاف وعودة اللحمة إلى قطاع المهندسين المعماريين. وهذا المؤشر (عودة اللحمة) هو الذي قاد إلى اختيار عبد الواحد منتصر رئيسا لهيأة المهندسين المعماريين في أواسط الشهر الماضي. هذه اللحظة تميزت بطي صفحة وتحويل الانتخابات إلى محطة أبرز من خلالها المهندسون المعماريون عزمهم على تحقيق التوافق والتواصل مع كافة المسؤولين حكوميين كانوا أو مسؤولين محليين، منتخبين أو معينين. في هذه الأجواء التقت «الوطن الآن» عبد الواحد منتصر، رئيس الهيأة الوطنية للمهندسين المعماريين الذي خصها بهذا الحوار الحصري..

 

حاوره: عبد الرحيم أريري

 

+ في كتابه المعنون «هل يحق إعدام المهندسين المعماريين» ألا ترى أن المؤلف «فيليب تريتياك» ربما أخطأ إذ كان عليه أن يقول: ألا يحق إعدام المهندسين المعماريين بالمغرب؟» بالنظر إلى أن المدينة المغربية بشكل عام تفتقد لبصمة جمالية وعمرانية مدروسة؟

- المهندس المعماري ليس هو المسؤول الوحيد على بناء المدينة والأحياء التي نسكن فيها، بل هي مسؤولية عدد من المتدخلين في هذا الميدان. فقوانين التعمير والعمران تخلق فراغا كبيرا وهذه القوانين طاعنة في التجريد Abstraite علما أن هناك عددا قليلا جدا من الدول التي مازالت تستعمل تصاميم التهيئة كأداة outils للتعمير. إذ تم تجاوز ذلك على اعتبار أن في المدن الكبرى يتم العمل بالمشاريع الحضرية الكبرى grands projets urbain وهي مشاريع يرسم فيها الفراغ وغير ذلك، أي نرسم الحياة وكيف سيكون العيش المشترك في هذا المشروع. هذه المشاريع تمر بدراسات متعددة تعطي تصاميم وليس تصميم تهيئة.

+ (مقاطعا) هناك مفارقة كيف نستسيغ أن المغرب مازال إلى غاية إجراء هذا الحوار الصحفي ينتج تصاميم تهيئة بطريقة أورتوذكسية ويرفض التقاط الإشارات مما يجري في العالم المتحضر فيما يخص البعد الخاص بأنسنة المدن؟

- لا أدري لماذا هذا التعنت لكي يبقى المغرب في هذا المستوى. ولكن ما ساهم في سد هذا النقص، أن الملك قام بمصالحة الناس مع فن إعداد المدن عبر المشاريع الكبرى التي أطلقها من قبيل تهيئة ضفتي أبي رقراق، وهو مشروع تم إعداد تصوره زنقة بزنقة وطوارا بطوار، ونفس الشيء يصدق على القطب الحضري بوجدة Urbapole أو مشروع تهيئة مطار أنفا بالبيضاء وغيرها من المشاريع التي بدأت تدفع المهندسين المقررين للوقوف على كيف ينبغي إعداد المدينة.

+ أنتم كهيأة للمهندسين المعماريين ألا تتوفرون على هامش للضغط على المسؤولين لحملهم على إدراج المغرب وقوانينه وتصاميمه في الرادار العالمي؟

- المهندس المغربي سكت مدة طويلة وعزف عن الدخول في الحوار لإنتاج الأفكار وليس التصاميم.

+ ما هو سبب السكوت؟

- مع تطبيق الميثاق الجماعي عام 1976 تم توزيع المدينة فأصبحت «وزيعة». ومنذ ذاك التاريخ انفلتت المدينة من يد المهندس ومن يد من يهتمون بالمدينة. وهذا ما يفسر لماذا تغيرت الهندسة وتغيرت تصاميم الأحياء لأننا دخلنا إلى المضاربة. من هنا طرحت المعادلة الخاصة بعلاقة المهندس المعماري بالمنعشين والمقررين. أي هل سيبقى المهندس مستمرا في الضغط عليهم باعتماد القوانين والنصوص، أو بالتقرب منهم. من هنا الحاجة إلى وجوب أن يضع المهندس يده في يدهم ومباشرة الحوار والحديث. فالمنعش يبادر إلى طرح مشروع ليربح المال، وهذا حق مشروع، ولكن على المنعشين أن يعوا أنه عليهم أن يربحوا أكثر وهناك فرص هائلة، ولكن شريطة استحضار أن المدينة هي ملك مشترك للجميع وليس ملكا للمهندسين المعماريين أو المنعشين والمستثمرين. ولهذا فالمخرج لن يكون بيد المهندس لوحده بل بمشاركة السياسي والمستثمر وغيرهما ووجوب تعميق النقاش وتضافر الجهود لتحقيق الوثبة العمرانية ببلادنا..فنحن لسنا ضد الاستثمار والربح، بل بالعكس نحن نفرح لكل استثمار ولكل من يربح، ونحن فخورين جدا بالإشراقات التي تحققت في بلادنا على يد العديد من الشركات ورجال المال والأعمال الذين أضحى بمستطاعهم إنجاز حي متكامل في ظرف زمني جد قصير. فهذا شيء رائع، ولكن النتيجة ليست في مستوى طموح الناس. إذ ما ينجز في ضواحي مدننا يطرح تساؤلات مقلقة حول تبعاته وهو ما يزكي ما قلت بوجوب تضافر الجهود في الحوار لتكون النتائج مفيدة للجميع. وشخصيا قمت بمحاولات في هذا الباب، وفتحت جسورا مع سياسيين ورجال أعمال ووجدت استعدادا وتجاوبا عند العديد منهم.

+ أنتم الآن ترأسون مكتبا جديدا لهيأة المهندسين المعماريين بالمغرب، هل استحضرتم كهيأة هذا القلق لتسطيره في أجندتكم لدفع الأمور نحو الأحسن؟

- هناك قوانين يتعين إعادة النظر فيها مثل قانون 89-06 أو القانون الخاص بشركات الهندسة المعمارية أو تعليم الهندسة والتي نعتبرها كأوراش كبرى. لكن هذه الأوراش لن تلهينا على وظيفة أخرى ألا وهي إنتاج الأفكار وتعبئة المجتمع حول قضايا الهندسة المعمارية وحول المدن بدليل أن هذه السنة سنخصصها لمائوية التعمير الحديث بالمغرب (100 عام من التعمير بالمغرب) إذ سننجز ثلاث ندوات كبرى حول التوجهات والحصيلة لنخرج بتوصيات ترفع للمسؤولين وللمهندسين ولكل المعنيين بالموضوع. وهي بداية لدراسات لا بد من إنجازها لأننا نؤمن بالدور الاجتماعي للمهندس المعماري الذي يضع تصورات للمجالات والمدن.

+ (مقاطعا) خطورة الموضوع تطرح في سياق ما يعرفه المغرب حاليا من برامج كبرى مثل: مدن بدون صفيح + الأنسجة الحضرية العتيقة.. وبدل أن نحارب الصفيح نبني مدنا صفيحية جديدة ليس بالقصدير بل بالإسمنت أضف إلى ذلك ارتفاع منحنى التمدن بشكل كبير في المغرب بشكل يجعل الطلب مضاعفا على المهندس المعماري لأنسنة المجالات الحضرية. هل تستحضرون هذه المعطيات؟

- اليوم نحن في الهيأة الوطنية والهيآت الجهوية حصلت لدينا قناعة كبرى بأن دورنا لن يكون مستقبلا هو الانشغال بالقوانين التي تخصنا فقط، بل أيضا تذكير المهندس المعماري بدوره وأيضا تذكير الآخرين بدور المهندس. ولكن يتعين أن نستحضر ما قلته لك في بداية الحوار من أن المهندس المعماري ليس هو المسؤول عن هذه الوضعية. إذ لو رسمت المدينة بشكل قبلي ومدروس فإن المهندس سينجز عمارته أو مشروعه السكني وفق الجمالية والحاجيات الضرورية. لأن إنجاز المدينة أو الحي فيتم في مرحلتين: المرحلة الأولى تخص التفكير في التمدن Urbanité أما المرحلة الثانية فهي مرحلة تدخل المهندس المعماري لملء ما يجب ملئه. فحاليا المهندس المعماري مطوق بضوابط قوانين التعمير الصارمة ويصعب عليه التدخل. فهذه منطقة تخص عمارات هو ملزم بإنجاز عمارات فحسب. وهذه منطقة ذات معامل استغلال الأرض CUS أو COS كذا وتلك معامل استغلال كذا، وهي كوابح تحد من الإبداع والابتكار.

+ لماذا تتشبت الدولة بهذه الضوابط المتكلسة والأورتوذكسية في مجال التعمير؟

- الأجهزة العمومية متشبتة بذلك لأنها تضيع الوقت في أمور أخرى.

+ مثلا.

- خذ الوكالات الحضرية كمثال فهي تهدر «80 إلى 90 في المائة» من وقتها وجهدها في مراقبة الرخص (رخصة عمارة أو رخصة فيلا أو رخصة مسكن). «علاش» هذا الضياع في الوقت الذي كان مؤملا أن تتولى مهمتها الأصلية وتترك ذلك للجماعات. مادامت هناك قواعد ونصوص رسمت الحدود. ثانيا، لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا وجود ضغط بعض الجهات التي ترغب في ذلك.

+ قلت في بداية الحوار أن الملك محمد السادس صالح المغاربة مع المدينة عبر اعتماد مشاريع كبرى واستشهدت بمثال مشروع أبي رقراق. لكن رغم مرور 10 سنوات على تدشين هذا المشروع فإن أساساته لم تنهض بعد من الأرض، اللهم المارينا وبضع مقاه ومطاعم؟

- بالعكس، أنت لم تشر إلا إلى المشاريع التي تراها بالعين المجردة، لكن هناك عملا شاقا وهاما أنجز بشأن البنية التحتية وتهيئة المجال ليصبح قابلا للتعمير، فضلا عن ذلك فأبي رقراق رغم أنه لم ينته بعد، فقد أصبح قطب جذب بالنسبة لساكنة سلا والرباط كفضاء للترفيه، زد على ذلك القناطر التي أنجزت.

+ (مقاطعا) حينما أقارن مشروع أبي رقراق أو قطب أنفا وغيرهما مع ما يجري بأوروبا وأمريكا أجد أن المشاريع الحضرية الكبرى في تلك الدول ما أن يتم الإعلان عن تهيئة 400 أو 500 هكتار حتى ينتهي المشروع برمته داخل أجل 6 أو 8 سنوات عكس الحال عندنا. لماذا؟

- الجواب مرتبط بالسوق «le Marché» ففي تلك الدول هناك دينامية اقتصادية هائلة وطلب ضخم على اقتناء المكاتب والمطاعم والشقق وغير ذلك، وبالتالي إذا عدنا إلى مشروع أبي رقراق فلو كانت هناك قدرة شرائية مرتفعة لدى فئة واسعة من المغاربة فإن ما هو مسطر كان سينجز في ظرف زمني قصير جدا. وهنا أفتح قوسا لأذكر بحادثة وقعت مع المرحوم مزيان بلفقيه، إذ بعد عامين ونحن ندرس المشروع، إذا بالمرحوم بلفقيه يسألنا كفريق مكلف: كم تتوقعون من وقت لإنهاء المشروع؟ فأجبناه بسقف 30 سنة. فرد علينا بأن هذا المشروع سينجز في طرف 10 أعوام. لماذا استحضرت هذا المثال، لأذكر أن أي مشروع ضخم في أي بلد تتحكم فيه اعتبارات أخرى (أزمة، وضعية اقتصادية، إلخ..) غير متحكم فيها قد تخفض وتيرة إنجازه.

+ الآن وقد وقعت الفأس على الرأس بضواحي مدننا، ألا توجد مداخل لتصحيح الاختلالات الكبرى التي تعرفها المشاريع السكنية التي رخصت الدولة بإنجازها، وحسبي هنا الاستشهاد بكوارث المدن الجديدة في «تامسنا» وتامنصورت وغيرها؟

- إذا أسقطنا سلا الجديدة، فإن المدن الجديدة التي بنيت من بعد هي فاشلة ولا تتوفر على خاصيات (Attributs) مدينة. بالنظر إلى ان إحداث مدينة لا يتم بإشارة أصبع، بل يتطلب العديد من المقومات. إننا نلاحظ أن التصاميم تتشابه، وهذا غير محمود.

+ ارتباطا بنفس الموضوع، لماذا تتشابه التصاميم في المغرب إذ نفس تصميم المشاريع السكنية بالدار البيضاء نجده في الحاجب أو السمارة أو تاونات أو الراشيدية إلخ... مما يخلق الملل والرتابة؟

- لأنه لا توضع دراسات جهوية خاصة بكل منطقة، واليوم مع الهيآت الجهوية للمهندسين المعماريين يتعين أن نفكر في الدفع نحو إحداث مدارس جهوية لتكوين المهندس المعماري، علما أن هذه المدارس ستكون آلية بل ورافعة جهوية لأنها ستسمح بالانكباب على دراسة المواد المستعملة في البناء حسب كل جهة وتطوير المواد التقليدية واستحضار ثقافة الجهة وعادات وسلوك ساكنتها ومعمارها.

+ ها نحن لم نخرج بعد من التناحر الدموي بين السلطة العمومية والخواص بشأن فتح مدارس للهندسة المعمارية والاعتراف بها من طرف الحكومة. كيف نوفق بين خصاص المغرب للمهندسين وبين التشبت برفض دخول الخواص لقطاع التعليم الهندسي؟

- أنا لا أعترف بمدارس المهندسين المعماريين الخاصة، والكل يعرف موقفي وقناعتي حول هذا الموضوع. في حين هناك بالجامعة الدولية بالرباط فرع للهندسة المعمارية وهذا مغاير. لماذا؟لأن هذه الجامعة الدولية بها مؤسسة Fondation غير ربحية تتولى ذلك مع تخصيص 25 في المائة من المنح للطلبة المتفوقين الذين ليست لهم موارد لمتابعة الهندسة المعمارية.

+ ما جدوى التشبت بإبقاء تعليم الهندسة المعمارية تحت إبط السلطة العمومية خاصة وأن الدولة «ما عندهاش لفلوس» ولن تتمكن من مسايرة الإيقاع والحاجة. فلماذا لا تفتح الباب للخواص مثلما تم في قطاعات أخرى؟

- يمكن أن نفتح الباب في كل المجالات، إلا في مجال تعليم الهندسة المعمارية وتعليم الطب. لأنهما قطاعان مرتبطان أشد الارتباط بالمجتمع.

+ لنعد إلى القوانين التي تحتاج إلى موائمة. هل ستطرحونها كانشغال رئيسي للهيأة؟

- نعم، بدليل أنه أتيحت لنا فرصة مع وزير التعليم العالي لحسن الداودي وهو يسايرنا في الطرح. أما بخصوص القوانين الأخرى، خاصة القانون رقم 89/16 الخاص بالصفقات العمومية والمهندسين إذ صدر مرسوم لكن تضمن نقائص تحتاج إلى تعديل.

+ سبق وحدث ضجيج واحتجاج بخصوص صفقات هندسية كبرى مثلا الملعب الكبير بالدار البيضاء بدعوى منحه لمهندسين أجانب، فيما منحت صفقات كبرى أخرى لمهندسين أجانب دون أن يثير ذلك ضجيجا من لدن جسمكم، مثلا: المسرح الكبير بالبيضاء أو المسرح الكبير بالرباط إلخ.. لماذا؟

- لسبب بسيط، أن المشاريع التي أثارت الضجة مررت في وقت كان فيه فراغ قانوني أو لنقل «دازت في وقت الغفلة». * تتضمن الهندسة الحكومية الحالية وزارة تحمل اسم «سياسة المدينة» لكن حضور هذه الوزارة في المعيش اليومي للمواطن جد باهث إن لم نقل منعدم أصلا. كيف قرأتم كمهندسين في النسخة الأولى من حكومة بنكيران إدراج وزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة. وفي النسخة الثانية بتر التعمير عن سياسة المدينة؟ ** لتكون لنا سياسة المدينة يتعين أولا أن تكون لنا مدينة..

+ هذا يحيلني على نكتة نسجها الخيال الشعبي حول تنصيب فلان وزيرا للنفط رغم أن المغرب لا يتوفر على النفط.

- (يضحك)...