جمال المحافظ
يزخر تاريخ ميلاد الصحافة المغربية، بالعديد من الأحداث والوقائع التي أفرزت خلال المرحلة الاستعمارية، الأنوية الأولى لقيام صحافة وطنية، رغم ما كانت تعرفه هذه الفترة من تضييق على حرية التعبير والقمع الذي يطال المغاربة من لدن سلطات الاحتلال، وهو ما يجعل مسار الصحافة، يشكل مرجعا مهما لكل من يريد رصد واستقصاء جوانب من التاريخ السياسي لمغرب ما قبل الاستقلال.
ف" L’action du peuple " "عمل الشعب"، كانت أول جريدة تصدرها الحركة الوطنية باللغة الفرنسية، بما كان يعرف بالمنطقة الخليفية الجنوبية التابعة للحماية الفرنسية، صدر عددها الأول في رابع غشت سنة 1933، تحت إدارة محمد بلحسن الوزاني ( 1910 – 1978 ) الذي كان يتولى تحرير افتتاحيتها. ولم تتجاوز أربعة أشهر من عمرها، عندما أقيم أول مهرجان لتخليد عيد العرش بدعوة منها، حسب ما ذكره عبد الهادي بوطالب في الجزء الأول من كتابه الموسوم ب" ذكريات.. شهادات ووجوه" الصادر سنة 1991 والذي نقل فيه عن مدير هذه الجريدة قوله، " بأنه عرض فكرة إصدارها على أعضاء الزاوية ( في إشارة الى التنظيم الوطني السري) ، فلم يرحبوا بفكرته، بل نصحوه بالعدول عن المشروع، لكنه تشبث بموقفه".
وربما كان مرده ذلك إلى اختلاف الخلفيات الثقافية التي كانت تسود القيادة - داخل الزاوية – بمدينة فاس في هذا الموضوع. فقد كان تمثيل المثقفين بالفرنسية فيها ضعيفا أمام الأغلبية التي تنتمي الى شباب جامعة القرويين المكونين في التعليم الأصيل، الذين كانوا يحظون بتقدير الشخصيات الغنية من أعضاء الزاوية، ممن كانوا يضمنون تمويل سير الحركة الوطنية بما في ذلك مؤسسات التعليم الحر التي كانت تقام تحت إدارة شباب القرويين، كما يروى عبد الهادي بوطالب في مؤلفه ( الصفحة 249 ).
وطبيعي أن الا تتفق الآراء – والحالة هذه – داخل قيادة من هذا التشكيل على تخويل الأولوية لإصدار الحركة الوطنية جريدة تنطق باسمها باللغة الفرنسية، فربما كان المنطق يقضى بأن يكون للحركة في البدء صوت عربي، يخاطب الجماهير بلغتها وبوعيها بالقضية المطلوب تعبئة الشعب حولها، لكننا نفهم بأن تكون للمثقفين باللغة الفرنسية وجهة نظر مخالفة، حيث كان الوزاني في طليعة هؤلاء، على حد قول بوطالب الذى يرى بأنه يمكن أن يفهم من الدواعي التي جعلت الوزاني يتحمس لمشروع الجريدة الناطقة بالفرنسية، من كونه قد عاد إلى المغرب حاملا شهادة العلوم السياسية من باريس، كما درس بها في معهد عال للصحافة، وساهم مع زمرة من رفقائه في تحرير مقالات بمجلة " مغرب" ( Maghreb ) التي كانت الحركة الوطنية، قد نجحت في أن تجعل منها، بباريس منبرا للدفاع عن قضية المغرب منذ صدور أول عدد منها في يوليوز سنة 1932.
وهكذا اقتنع الوزاني أن مقاومة الحركة الوطنية للحماية الفرنسية، تتطلب الأساليب العصرية، وفي طليعتها أن يرتفع صوت الوطنيين ليخاطب الاستعمار بلغته، بغية زعزعة الرأي العام الفرنسي في المغرب وفرنسا عن تأييد سياسة الحماية وحمله على الاقتناع بعدالة القضية الوطنية، خاصة وقد كانت الحماية الفرنسية تصدر بالمغرب سلسلة من الصحف الفرنسية لدعم سياستها والتأثير بها على الرأي العام الفرنسي.
ويعطى الوزاني تفاصيل - عما يبدو في شكل أول خلاف واجهته القيادة الوطنية- فيقول " إنه فاجأ أصدقائه بعزمه على اصدار الجريدة، وأنه وقعت بينه وبينهم مشادة كلامية في شأنها" ومن ثم يخلص الوزاني إلى تأكيد " أن جريدة عمل الشعب، كانت مشروعه الخاص ولا علاقة للحركة الوطنية به لممانعتها في تحقيقه". لكن علال الفاسي كتب بالمقابل في مؤلفه " الحركات الاستقلالية في المغرب العربي"، أن الكتلة الوطنية هي التي قررت اصدار " عمل الشعب"، ولعله كان يعني التنظيم الذي سبق الاعلان عن الكتلة الوطنية، كما يشرح عبد الهادي بوطالب ( ص 252 ).
وإذا كان الوزاني " حرص على أن يدون للتاريخ، بأنه كان وحده صاحب مشروع الجريدة الفرنسية، تصورا وتحقيقا، فإن علال الفاسي أوغل هو الآخر في سلوك طرف النقيض، فلم يسجل في كتابه أن الوزاني كان وراء المشروع، أو أنه كانت له فيه مساهمة تذكر، و"إنما كتب بأن أهم الحملات التي قامت بها " عمل الشعب" هي المقالات الممتعة التي كان يسجل فيها الحاج عمر ابن عبد الجليل فظائع الاستعمار الفلاحي" ( ص 250 ).
وهو ما دفع بالوزاني الى التعليق على هذا في مذكراته بعنوان " حياة وجهاد " بالقول " إن ماورد في بعض الكتابات المغربية من إصدار عمل الشعب، كان من تأسيس ما سمي بكتلة العمل الوطني، كذب صراح وتزوير متعمد. ويكفي تكذيبا لهذا أن صدور عمل الشعب كان في رابع غشت سنة 1933 بينما ظهر اسم الكتلة بمناسبة تقديم المطالب المغربية في الرباط وباريس في فاتح دجنبر سنة 1934، أي بعد منع " عمل الشعب" في مايو من نفس السنة بسبعة أشهر".
عبد الهادي بوطالب يورد كذلك على لسان الوزاني قوله: " لو أن جماعة الكتلة هي التي أسست الجريدة، لما سمحت بأن أكون مديرها ورئيس تحريرها لأسباب لا تخفى. كما أن مجلة " مغرب" أعلنت في عددها ل14 شتنبر 1933 أن "عمل الشعب" عنوان جريدة جديدة أنشأها بفاس مساعدنا محمد حسن الوزاني".
ولم تمض غير أشهر على صدور جريدة " عمل الشعب" حتى اضطر الوزاني للتوقف عن إصدارها طبقا لقرار المحكمة الفرنسية، ولكنه عجل بتعويضها مؤقتا عندما أصدر جريدة " إرادة الشعب La Volontè du Peuple ) وحمل عددها الأول الأول تاريخ ثامن دجنبر 1933. وبعد أن قررت محكمة الاستئناف بالإفراج عن " عمل الشعب" أعادها الوزاني للصدور موقفا جريدة " إرادة الشعب" ، في عددها الرابع عشر.
ويلفت عبد الهادي بوطالب، الانتباه الى أن جريدة " عمل الشعب" ظلت طيلة صدورها وإلى إيقافها بقرار من المقيم العام الفرنسي في 11 مايو 1934، تستقطب حولها نشاط الحركة الوطنية المؤتلفة في تنظيم واحد.. ووقفت في وجه الصحافة الفرنسية الاستعمارية الصادرة بالمغرب وواجهت أطروحتها وطنية، وعارضت أباطيلها وترهاتها.
إن الوزاني الذي ظل يعتبر طول حياته أن امتهان الصحافة يخضع لقواعد وضوابط علمية وتقنية، قل للصحفيين الذين لم يدرسوا "علم الصحافة"، شحذ تجربته كذلك بما كان ينشره في مجلة " المغرب Maghreb " الباريسية من مقالات باللغة الفرنسية.
وإذا كانت جريدة " عمل الشعب " وزميلاتها، قد لعبت أدوارا مهمة في مرحلة صعبة من تاريخ المغرب، فإنه يكون من المفيد تسليط الضوء على أداء رموز الصحافة المغربية، ومنهم محمد بلحسن الوزاني الذي تدرب على ممارسة الصحافة، عندما كان مساعدا لشكيب أرسلان في اصدار جريدة " الأمة العربية Nation Arabe" التي كانت تصدر بالفرنسية في جنيف، ليس فقط التوقف عند منجزهم في هذا الميدان، ولكن من أجل حفظ الذاكرة، وملء النقص الحاصل في هذا المجال، والنهوض بالبحث العلمي، حتى يتحول ما خلفوه من تراكم نبراسا للأجيال الصاعدة .