جواد العلمي… فارس الفرجة الدرامية

جواد العلمي… فارس الفرجة الدرامية جواد العلمي

حين يُذكر اسم جواد العلمي، يحضر ذلك الفنان الذي لا يمرّ فوق الركح مرورا عابرا، بل يمنحه حضورا وهيبة. في المسرح يبدو في مجاله الطبيعي، ثابت النظرة، محسوب الإيقاع، يعرف متى يعلو صوته ومتى يترك للصمت أن يؤدي دوره.
كمخرج، يشتغل على التفاصيل الدقيقة، يقرأ النص بوعي الممثل وخبرة القائد الذي ينسّق بين الرؤية والحركة، فتخرج أعماله المسرحية مشدودة الخيوط، متماسكة البناء.
في التشخيص يلبس جلد حرباء فنية بامتياز، إذ يجيد أدوار الشر كما يتقن أدوار الخير، يمنح شخصيات السلطة صلابة وإقناعا، ويغوص في الشخصيات التراثية بروح الباحث عن الجذور. ينتقل بسلاسة بين شخصيات المسرح العالمي، مستوعبا أبعادها الفكرية والجمالية، كما يبرع في مسرح البساط، حيث البساطة الظاهرة تخفي مهارة عالية في التواصل والإيقاع.
في التراجيديا، يمتلك القدرة على حمل الألم إلى أقصاه دون افتعال، وفي الكوميديا يعرف كيف يصنع الابتسامة دون ابتذال. هذه الازدواجية دليل على مرونة أدائية تجعل منه ممثلا قادرا على التشكل وفق متطلبات الدور، لا العكس.
وعندما يعبر إلى الدراما التلفزيونية، يحتفظ بعمقه المسرحي ويكيّفه مع لغة الصورة، حضوره أمام الكاميرا وازن ... ومنذ أن اكتشفته المخرجة فاطمة بوبكدي من ركح المسرح الجامعي، ومنحته أدوارا ترسخت في ذاكرة الدراما المغربية، التي تشتغل على التراث، مثل دور "فليلو" الذي اكتشف المشاهد المغربي من خلاله موهبة فنية صاعدة، وهو يؤسس لمسيرة فنية رائدة، وصولا إلى الأعمال الدرامية العربية، إذ يتألق فيها مع النجوم العرب بلغة سليمة وإلقاء احترافي، يمنح النص فصاحته ويعطي الشخصية عمقها، فيظهر كفنان عربي الهوى، مغربي الجذور، عالمي الأدوات.
ولم يتوقف إشعاعه عند الحدود الوطنية والعربية، إذ انفتح على تجارب دولية كثيرة، من بينها مشاركته في فيلم فرنسي للمخرج Antoine Chevrollier، حيث جسّد دور “كموندو” عراقي ضمن عمل سينمائي يستحضر أجواء الحرب في العراق وقصة تحرير صحافي أجنبي. تجربة أكدت قدرته على تقمص شخصيات عابرة للثقافات، وإتقان لغات مختلفة، والانخراط في إنتاجات ذات أفق عالمي.
كما خاض تجارب مسرحية قُدّمت أمام جمهور أوروبي، معززا حضوره ضمن فضاءات فنية تتجاوز الجغرافيا، وتحتكم إلى معيار الاحتراف.
جواد العلمي هو ممثل و مخرج مسرحي، و منذ البداية كان مشروع فرجة متكامل، يعرف كيف يتحوّل من شخصية إلى أخرى، وكيف يُقنع، وكيف يظلّ وفيا لجوهر الفن… الصدق أولا… والإبداع دائما والعمل ثم العمل في صمت .. بعيدا عن افتعال "البوز" في العالم الافتراضي.