منير لكماني: محمد وهبي على رأس الأسود.. رهان الجامعة المغربية بين جرأة القرار وضغط المونديال

منير لكماني: محمد وهبي على رأس الأسود.. رهان الجامعة المغربية بين جرأة القرار وضغط المونديال منير لكماني

أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، اليوم الخميس 5 مارس 2026، تعيين محمد وهبي مدربا للمنتخب المغربي الأول خلفا لوليد الركراكي، في خطوة وُصفت بأنها من أبرز القرارات الكروية في المرحلة الحالية. ويأتي هذا الإعلان في توقيت دقيق وحساس، قبل نحو ثلاثة أشهر فقط من نهائيات كأس العالم 2026، ما جعل الخبر يثير كثيرا من النقاش داخل الأوساط الرياضية المغربية، بين من يرى فيه إمتدادا طبيعيا لمشروع تقني متواصل، ومن يعتبره مجازفة كبيرة في ظرف لا يحتمل كثيرا من التجريب.

خلفية القرار وتوقيته الحساس

لم يكن إعلان اليوم معزولا عن سياق طويل من التسريبات والتكهنات التي رافقت مستقبل العارضة التقنية للمنتخب الوطني في الأسابيع الأخيرة. غير أن الجامعة حسمت الجدل أخيرا، وقدمت محمد وهبي وطاقمه الفني في ندوة صحفية رسمية، مع إنهاء مرحلة وليد الركراكي بالتراضي بعد مسار طبعته لحظات قوية وأخرى صعبة.
ويكشف توقيت القرار عن رغبة واضحة في إعادة ترتيب البيت الداخلي بسرعة، قبل دخول آخر مراحل التحضير للمونديال. فالمنتخب المغربي لا يملك ترف الوقت، والجمهور ينتظر وضوحا في الرؤية وحسما في الإختيارات، خاصة بعد الإرتفاع الكبير في سقف التطلعات منذ الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022.

محمد وهبي.. إسم صعد من بوابة الفئات السنية

محمد وهبي ليس وجها  طارئا على الكرة المغربية، بل هو واحد من الأسماء التي راكمت حضورا متدرجا داخل مشروع المنتخبات الوطنية. المدرب، البلجيكي المولد المغربي الجذور، إشتغل خلال السنوات الماضية مع منتخب أقل من 20 سنة، ونجح في بناء صورة مدرب قريب من اللاعبين الشباب، وقادر على تشكيل مجموعة منضبطة وذات شخصية واضحة داخل الملعب.
وقد إرتبط إسمه بعدة نتائج لافتة، كان أبرزها التتويج التاريخي في مونديال تشيلي 2025 لفئة الشباب، وهو إنجاز أعطاه وزنا  معنويا كبيرا، وفتح أمامه باب الإنتقال من العمل القاعدي إلى الواجهة الأولى. كما راكم وهبي تجربة مهمة في إستقطاب المواهب الصاعدة ومرافقتها، وهو عنصر قد يمنحه أفضلية في مرحلة تتطلب توسيع قاعدة الإختيار وتجديد بعض المراكز.

بين الإستمرارية والتغيير

يبدو أن الجامعة إختارت الرهان على منطق “الإستمرارية التقنية” أكثر من الذهاب نحو قطيعة كاملة. فالتعاقد مع مدرب يعرف محيط المنتخبات الوطنية، ويدرك طريقة إشتغال الجامعة، ويحفظ جزءا مهما من خزان المواهب المغربية، يعكس توجها يرمي إلى ربح الوقت وتجنب الإرتباك.
لكن هذه الإستمرارية لا تعني غياب التغيير. فمحمد وهبي يدخل إلى المنتخب الأول بسقف مختلف كليا من المسؤولية، إذ لن يكون مطالبا فقط بإعداد لاعبين للمستقبل، بل بتحقيق نتائج فورية أمام منتخبات كبرى، وتدبير غرفة ملابس تضم نجوما يملكون خبرة دولية واسعة، وجمهورا لا يرضى إلا بصورة تنافسية عالية.

نقاط القوة التي تدعم حظوظه

من أبرز عناصر القوة في ملف محمد وهبي أنه أثبت قدرته على العمل تحت الضغط في المسابقات الكبرى، كما أن نجاحه مع منتخب الشباب لم يكن صدفة عابرة، بل جاء نتيجة تنظيم واضح وشخصية تكتيكية متوازنة. ويحسب له أيضا قربه من الجيل الجديد من اللاعبين، ومعرفته الدقيقة بعدد من الأسماء الصاعدة التي قد تصبح جزءا من مشروع المنتخب الأول في المستقبل القريب.
إضافة إلى ذلك، فإن وهبي يستفيد من لحظة عاطفية ووطنية مهمة، لأن تعيينه يمنح الإنطباع بأن الجامعة تراهن على كفاءة نمت داخل البيت المغربي، لا على حل خارجي سريع. وهذا البعد الرمزي قد يساعده في كسب دعم جزء مهم من الجماهير، على الأقل في بداياته.

التحديات أكبر من أي حماس

رغم المؤشرات الإيجابية، فإن التحديات أمام المدرب الجديد تبدو كبيرة جدا. فالإنتقال من منتخب الشباب إلى المنتخب الأول ليس مجرد ترقية إدارية، بل قفزة معقدة في مستوى الضغط، ونوعية المنافسة، وطبيعة التعامل مع الأسماء البارزة. كما أن ضيق الوقت قد يكون العقبة الأوضح، لأن أقل من مئة يوم لا تكفي لبناء مشروع جديد من الصفر، بل تفرض حلولا سريعة وقرارات دقيقة.
وفوق ذلك، سيجد وهبي نفسه أمام إرث ثقيل تركه الركراكي، سواء من حيث النتائج أو من حيث صورة المنتخب في عيون الجماهير. لذلك فإن أي تعثر مبكر في المباريات الودية أو الرسمية قد يضاعف حجم الإنتقادات، ويجعل بداية التجربة أكثر صعوبة.

رهان المونديال بين الواقعية والطموح

الرهان الحقيقي الآن ليس فقط في إسم المدرب، بل في قدرته على إستثمار ما هو جاهز داخل المنتخب، بدل إضاعة الوقت في تغييرات واسعة. فإذا أحسن وهبي توظيف خبرة اللاعبين الكبار، ودمج بعض العناصر الجديدة بذكاء، فقد يقود المغرب إلى مشاركة محترمة تعكس تطور الكرة الوطنية. أما إذا دخل في سباق مع الزمن دون توازن، فقد تتحول الفرصة إلى مغامرة مكلفة.
في النهاية، يبدو تعيين محمد وهبي خطوة جريئة تحمل كثيرا من الأمل وكثيرا من المخاطرة في الوقت نفسه. الجامعة إختارت أن تراهن على رجل من داخل مشروعها، والجمهور المغربي ينتظر الآن الأجوبة في الملعب لا في الندوات. وبين ثقل المسؤولية وحلم المونديال، تبدأ صفحة جديدة للأسود، عنوانها الأبرز: الثقة في الشباب تحت ضغط الكبار.