محمد بوبوش
تُعد العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في السياسة الدولية، خاصةً في سياق الحرب الدائرة حاليا بين طهران من جهة وواشنطن وإسرائيل من جهة أخرى.
ففي فجر 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة جوية واسعة النطاق على إيران، استهدفت منشآت نووية وصاروخية وقيادات عليا، وانتهت بمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وأكثر من 500 قتيل إيراني (حسب تقارير الهلال الأحمر الإيراني). أعلن الرئيس دونالد ترامب أن العملية قد تستمر «أربعة إلى خمسة أسابيع»، ووصفها بأنها ضرورية لحماية «المصالح الحيوية» الأمريكية والإسرائيلية ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي. يثير هذا التصعيد تساؤلاً جوهرياً: هل يجيز مبدأ الضرورة أو المصالح الحيوية استخدام القوة المسلحة خارج إطار المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة؟ يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل موضوعي يعتمد على النصوص القانونية والفقه الدولي والأحداث الراهنة.
أولا: الحرب الوقائية مقابل الحرب الاستباقية
اعتادت الدول التي تلجأ إلى استعمال العنف في وقت السلم إلى إضفاء طابع المشروعية على أعمالها ارتكازا على الاستثناءات الواردة في مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، المادة 2 (الفقرة 4) وبخاصة حالة الدفاع الشرعي الفردي و الجماعي (المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة).
بيد أنه إلى جانب هذه التبريرات، تعمد الدول للاستناد إلى الظروف والملابسات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. وهكذا يبدو من العسير التفريق بين الإعلان عن النوايا وبين الأهداف المرسومة، علاوة على الاعتبارات السياسية الخارجية والسياسية القانونية الخارجية التي تنهجها الدولة والتي تتقدم غالبا على التطبيق البحت للقاعدة القانونية المجردة.
فالدفاع الوقائي لا يفترض في حالة الاعتداءات القائمة والأضرار الحاصلة وإنما على العكس من ذلك يستهدف منع الاعتداءات المتوقع حصولها والأضرار التي قد يحتمل وقوعها مستقبلا.
وقد ذهب البعض إلى أن سرعة الأسلحة النووية وقوتها التدميرية الهائلة تجيز ممارسة الدفاع الوقائي لأنه لا يمكن أن نطلب من الدول في عصر الصواريخ الباليستية والعابرة للقارات والأسلحة الهيدروجينية أن تقف موقف المتفرج وتنتظر وقوع العدوان المسلح عليها حتى يسمح لها بالدفاع عن نفسها بغض النظر عن صدق المعلومات الاستخباراتية حول إقرارها أو إنكارها توفرها على الأسلحة النووية، وأنه بسبب التطور الكبير في التسلح وعدم فعالية نظم الأمن الجماعية المعاصرة، أصبحت فكرة الدفاع الوقائي مشروعة، مقبولة في ممارسة أجهزة الأمم المتحدة إذا توافر فيها شرط اللزوم والتناسب.
وقد ادعت بعض الدول انه يجوز لها ممارسة حق الدفاع الشرعي في حالة وجود تهديد بالعدوان المسلح نفسه، فقد بررت الولايات المتحدة حصارها على كوبا سنة 1962، بالاستناد إلى حق الدفاع الشرعي ضد تهديد بالعدوان، مدعية بأنه في عصر الذرة لا يمكن لدولة أن تقف مكتوفة الأيدي أمام خطر محدق منتظرة وقوع الاعتداء عليها حتى تباشر عملها الدفاعي.
وقد طبقت نظرية الدفاع الوقائي في مجال الحماية المسلحة للرعايا الموجودين في الخارج، فالدول التي تذرعت بهذا النوع من الحماية لم تكتف بوقوع الاعتداءات أو الأضرار على رعاياها لتبرير عملها المسلح بل بررته أيضا بالأخطار المحتملة. فالوقاية من الأخطار المحتملة كانت بالفعل المبرر المعلن عنه للتدخلات العسكرية الأمريكية في لبنان عام 1958 وفي سان دومينيك عام 1965 وفي غرينادا عام 1983.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن سرعة الأسلحة النووية وقوتها التدميرية الهائلة تُبرّر ممارسة الدفاع الوقائي، إذ يتعذر على الدول في عصر الصواريخ الباليستية والأسلحة الهيدروجينية أن تنتظر وقوع العدوان المسلح الفعلي قبل أن يُسمح لها بالدفاع عن سيادتها. كما أن التطور المتسارع في مجال التسلح، إلى جانب عدم فعالية أنظمة الأمن الجماعي المعاصرة، قد أدى إلى ترسيخ فكرة الدفاع الوقائي كمبدأ مشروع وقابل للتطبيق ضمن إطار ممارسات أجهزة الأمم المتحدة، شريطة توافر شرطي اللزوم والتناسب.
وتختلف الضربات الوقائية عن الضربات الاستباقية في أن الأولى توجه في مرحلة مبكرة عند اكتشاف نوايا الهجوم لدى الخصم، بغض النظر عما إذا كانت وسائل الهجوم قد نُشِرت أم لا. أما الضربات الاستباقية فتوجه ضد قوات الخصم التي تكون قد نُشِرت بالفعل في أوضاع هجومية استعداداً لهجوم وشيك، مما يستدعي توجيه ضربة إجهاضية لإفشال هذا الهجوم المتوقع.
ثانيا: أسس الحرب الوقائية: حالة الضرورة والمصالح الحيوية
بالإضافة إلى نظرية الدفاع الشرعي الوقائي، تحاول بعض الدول إحياء مفاهيم تقليدية في القانون الدولي باتت مهملة، مثل مفهوم «حالة الضرورة» كظرف يُسقط المسؤولية الدولية عن الدولة المتدخلة، ومفهوم «المصالح الحيوية».
ويبدو من التطورات الأخيرة أن إسرائيل تسعى إلى إعادة إحياء هذه النظرية وتفعيل مضامينها عملياً، مدفوعة بمخاوفها المتزايدة من البرنامج النووي الإيراني. فقد أمضى القادة الإسرائيليون الأسابيع الماضية في إطلاق تصريحات حادة ضد إيران، متوعدين باتخاذ عمل عسكري ضدها.
عرفت حالة الضرورة بأنها: “المفهوم الذي يستخدم لتبرير اللجوء إلى العنف” وأي عنف أو تدمير لا تبرره الضرورة العسكرية مرفوض، ويكون استعمال القوة العسكرية مشروعًا فقط عند محاولة تحقيق أهداف عسكرية محددة، وطالما بقي ضمن إطار مبدأ التناسب. من حيث الضرورة لابد أن تكون الحاجة للضربة "فورية، ساحقة، لا تترك خياراً آخر ولا وقتاً للتداول. أما من حيث التناسب فيجب أن تكون الضربة متناسبة مع الخطر (لا تتجاوزه بشكل مفرط). شرط التناسب يعتبر نتيجة طبيعية لشرط اللزوم، فحينما يكون الفعل الضروري واجبًا لا مفر منه باعتباره السبيل الوحيد لتجنب الخطر، فإنه من الضروري أن تتناسب درجة الضرورة مع جسامة ذلك الخطر. فإذا تجاوزت الإجراءات الضرورية ما يتطلبه دفع الخطر، فإنه يصبح هناك مجال لإقامة المسئولية الجنائية على الجاني، ولا يعد مضطرًا بعد ذلك، وبالتالي لا يمكنه تبرير أفعاله بحالة الضرورة لنفي المسئولية الجنائية عنه. فهو مسؤول عن أي تصرف يتجاوز ما هو ضروري لدفع الخطر، كما هو الحال في الدفاع الشرعي الذي يتطلب أن يكون الدفاع متناسبًا مع العدوان وبالقدر الكافي لرده. فإذا تجاوز المدافع هذا الحد، فإنه يكون مسؤولاً جنائياً عن فعله غير المشروع الذي يستوجب العقوبة. ومعيار التناسب هنا هو أن تكون الجريمة التي ارتكبها الجاني هي أقل خيار يمكن اتخاذه لتفادي الخطر في الظروف التي حدثت فيها.
لذلك فإن الحرب الوقائية لا تستوفي شرط "الفورية / الوشيك"، لذلك تُعتبر خارج الإطار القانوني، كما أن
معظم الفقهاء والدول (وخاصة الدول غير الغربية) يرون أن عبارة "إذا وقع هجوم مسلح" الواردة في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تمنع التوسع الكبير في مفهوم الدفاع الاستباقي، وبالتأكيد تمنع الحرب الوقائية تماماً.
دافعت الولايات المتحدة عن مصالحها الحيوية قبيل شن الحرب على إيران من خلال التركيز على منع التهديدات الوشيكة، بما في ذلك برنامج إيران النووي وترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، التي تهدد الأمن القومي الأمريكي والقوات العسكرية في المنطقة وحلفاءها مثل إسرائيل. ويمكننا أن نلمس "حالة الضرورة" في تصريحات المسؤولين الأمريكيين فقد رأى رئيس مجلس النواب الأميركي مايكل جونسون، أن الحملة على إيران ليست حرباً...مضيفا: كان علينا أن نتحرك لوجود تهديد وشيك، ولكن لم يتم إعلان الحرب".
وقد أتى هذا التصريح بينما لم يصوّت الكونغرس على تفويض الحرب مع إيران، ما أثار انتقادات حادة من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين الذين يقارنون الصراع بحربي أفغانستان والعراق حيث صوّت المشرعون على تفويضهما.
كما أبرزت إدارة ترامب حماية تدفق النفط العالمي من الخليج الفارسي، حيث يمر جزء كبير من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، الذي يقع على مقربة من السواحل الإيرانية. أي تهديد لحرية الملاحة في هذا المضيق يمكن أن يؤثر بشكل كارثي على الاقتصاد العالمي، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة مصلحة حيوية تستدعي الحماية .
وتتهم الولايات المتحدة إيران بدعم الإرهاب والجماعات التي تعمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة، حيث تعتبر واشنطن أن مواجهة هذا التأثير الخبيث ضرورية لحماية مصالحها ومصالح حلفائها عبر منع تمويل إيران لوكلائها مثل الفصائل العراقية حزب الله اللبناني وحماس والحوثيين باليمن. هذه المصالح تشمل أيضًا الدفاع الجماعي عن إسرائيل ضد هجمات محتملة، مع الادعاء بأن إيران كانت تستعد لهجمات وقائية على القوات الأمريكية.
من الناحية القانونية، يؤكد مصطلح «المصالح الحيوية» ليست مبرراً مستقلاً لاستخدام القوة؛ بل يجب أن تندرج داخل الدفاع الذاتي أو تفويض مجلس الأمن (المادة 42). من الناحية الواقعية لم يكن هناك هجوم إيراني وشيك أو جاري التنفيذ في 28 فبراير 2026. فالمفاوضات كانت جارية ومتواصلة بوساطة عمانية حول الملف النووي الإيراني، كما أن الاستخبارات الأمريكية لم تؤكد وجود «تهديد فوري».
ثالثا: نظرية الدفاع الوقائي في الممارسة الدولية
تدعي بعض الدول في الوقت الحاضر أن حق الدفاع الشرعي يمتد ليشمل حالات التهديد بالعدوان المسلح ذاته عبر التوسع في عبارة: "إذا وقع هجوم مسلح". ففي هذا السياق، بررت الولايات المتحدة حصارها البحري على كوبا عام 1962 بالاستناد إلى حق الدفاع الشرعي ضد تهديد وشيك، مؤكدة أنه في عصر السلاح الذري لا يمكن لأي دولة أن تقف مكتوفة الأيدي أمام خطر محدق، منتظرة وقوع الاعتداء قبل مباشرة عملها الدفاعي.
ومن أبرز الأمثلة على الضربات الوقائية ما ادّعته إسرائيل بشأن حربها ضد مصر عام 1956، التي زعمت أنها تهدف إلى منع القوات المسلحة المصرية من استيعاب صفقة الأسلحة التشيكية المعقودة عام 1954 لئلا تشكل تهديداً وجودياً. كما يُعد قصف المفاعل النووي العراقي (أوزيراك) عام 1981 نموذجاً آخر. أما عدوان يونيو 1967، فقد زعمت إسرائيل أنه كان ضربة استباقية ضد القوات المصرية المحشودة في سيناء في مايو 1967، بهدف إحباط هجوم مصري متوقع بعد إغلاق مضايق تيران وسحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء وقطاع غزة.
كما طُبّقت نظرية الدفاع الوقائي في مجال الحماية المسلحة للرعايا المقيمين في الخارج. إذ لم تكتفِ الدول التي اعتمدت هذا النوع من التدخل بوقوع اعتداءات فعلية أو أضرار مباشرة على رعاياها، بل استندت أيضاً إلى الأخطار المحتملة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك التدخلات العسكرية الأمريكية في لبنان عام 1958، وفي جمهورية الدومينيكان عام 1965، وفي غرينادا عام 1983، حيث كان الوقاية من الأخطار المحتملة هو المبرر الرسمي المُعلن.
وبحسب الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، فإن انتشار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية مصحوباً بتكنولوجيا الصواريخ الباليستية يمنح الدول الضعيفة والجماعات الصغيرة قدرة كارثية على تهديد الأمم الكبرى.
وقد طورت الولايات المتحدة هذه الاستراتيجية الوقائية الجديدة كبديل استراتيجي لسياستي الردع والاحتواء — وهما أبرز الأسلحة التقليدية التي اعتمدت عليهما الدول للحفاظ على السلام والاستقرار الدوليين — بعد أن أصبحتا غير كافيتين لضمان تحقيق أهداف الأمن القومي الأمريكي حيث برزت مسألة "الحرب الوقائية" بشكل واضح فوق مسرح الاحداث الدولية الراهنة اثر تفجيرات "نيويورك" في الحادي عشر من شهر سبتمبر عام 2001 ، وتبنتها الإدارة الامريكية الحالية كنظرية معتمدة، وطبقتها بصورة عملية في الحرب الامريكية- الأفغانية عام 2002 ، وعند الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 بالتعاون مع القوات الأجنبية المتحالفة معها، بحجة مكافحة الإرهاب واتهام العراق حينذاك بامتلاك أسلحة الدمار الشامل.
وتفترض الضربات الوقائية التحول من رد الفعل على هجوم واقع إلى المبادرة بالهجوم لمنع هجوم محتمل، لا سيما إذا تمكنت أجهزة الاستخبارات من كشف نوايا مبكرة لدى الخصم بشن عمليات عدائية.
رابعا: يتميز الملف النووي الإيراني عن غيره من ملفات الأزمات والنزاعات الدولية المعاصرة بكونه يقوم على الكثير من عناصر الشك في النوايا والقليل من الوقائع والحقائق العلمية الملموسة والمؤكدة بشكل قاطع. وهذا ما وسع مساحة الجدل الأمني والصراع السياسي والاقتصادي المثار حوله والمستمر منذ أكثر من عقد من الزمن ما بين إيران وجيرانها في الإقليم (دول الخليج وإسرائيل)، وكذلك ما بينها وبين الدول الكبرى وبخاصة الولايات المتحدة الأميركية.
وفي تصعيد لافت يوسع رقعة المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، أعلنت كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، استعدادها لاتخاذ “خطوات دفاعية متكافئة” تهدف إلى “تدمير مصدر قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والمسيّرات”. وأصدر قادة الدول الثلاث بيانا مشتركا يوم الأحد 01 مارس 2026، عبروا فيه عن “قلقهم حيال الهجمات الصاروخية العشوائية التي تشنها إيران على دول المنطقة”، مؤكدين أن هذه الضربات “استهدفت حلفاءنا المقربين وتهدد عناصر قواتنا المسلحة ومدنيينا” . من جهة أخرى أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطاب متلفز إلى الأمة الفرنسية يوم الثلاثاء 03 مارس 2026، أن بلاده سترسل حاملة الطائرات شارل ديغول إلى البحر المتوسط، وتعمل على تشكيل تحالف يهدف إلى تأمين الملاحة البحرية التي باتت مهددة في ظل تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط. مبرزا أن هذا التحرك أصبح ضروريًا في ظل إغلاق مضيق هرمز، وتهديد حركة الشحن عبر قناة السويس والبحر الأحمر مع اتساع نطاق الصراع. كما أضاف أن لدى فرنسا مصالح اقتصادية يجب حمايتها، لأن أسعار النفط والغاز، وكذلك وضع التجارة الدولية، تتعرض لاضطراب عميق بسبب هذه الحرب". كما أبرز ماكرون أن لدى فرنسا اتفاقيات دفاعية تربطها بكل من قطر والكويت والإمارات، مضيفًا أن الإمارات "مستهدفة بشكل خاص، وعلينا واجب التضامن معه.
الهدف المعلن للولايات المتحدة وإسرائيل من هذه الضربات ليس فقط تدمير البرنامج النووي، بل إسقاط النظام الإيراني بأكمله، بما في ذلك قتل قيادات عليا مثل المرشد الأعلى علي خامنئي (الذي أُعلن مقتله في 1 مارس 2026)، وتدمير برنامج الصواريخ الباليستية، وقطع الدعم للوكلاء الإقليميين مثل حزب الله والحوثيين. إذا نجح هذا الهدف الأوسع، فمن المحتمل أن يؤدي إلى نظام جديد في إيران قد يتخلى عن الطموحات النووية، أو يصبح أكثر انفتاحاً على التعاون الدولي عبر إبرام اتفاقيات دولية.
رابعا: سيناريوهات وتداعيات نهاية الحرب في إيران
في الضربات الحالية، تم استهداف بقايا المنشآت النووية، مثل مقر هيئة الطاقة الذرية في طهران، ومرافق بحثية مزدوجة الاستخدام في بارشين وأصفهان. هذا قد يعيق البرنامج النووي أكثر، لكن الخبراء يحذرون من أن الضربات الجوية وحدها لا تكفي للقضاء على برنامج نووي متجذر، كما حدث في حالات تاريخية مثل برنامج العراق تحت حكم الرئيس الراحل صدام حسين (الذي استمر رغم الضربات الإسرائيلية في 1981). قد يستغرق إعادة البناء سنوات، لكن بدون سيطرة أرضية، يمكن لإيران الحفاظ على قدرات سرية أو نقل المعرفة إلى جهات أخرى. لذلك فإن الحرب الدائرة حالية قد تنتهي حسب السيناريوهات التالية:
نجاح جزئي محتمل: الحرب قد تنجح في إبعاد الشبح النووي قصير الأمد، خاصة إذا أدت إلى تشتيت العلماء النوويين أو تدمير المخزون المتبقي. ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن إيران قد ترد بتصعيد، مثل استخدام وكلائها أو هجمات صاروخية على قواعد أمريكية وإسرائيلية، مما يوسع الصراع إقليمياً.
الأكيد أن الضربات العسكرية الإسرائيلية الأمريكية لإيران، لن تمنع الحرب من التمدُّد في كل الاتجاهات على الرقعة الجيواستراتيجية للشرق الأوسط؛ فالعمليات العسكرية تضع القواعد الجوية يضع العمليات البحرية داخل دائرة الحرب. من هنا، يمكن التكهُن بأن مسرح المواجهة العسكرية سيكون ممتداً من بحر العرب إلى الخليج العربي إلى البحر المتوسط، وهي المناطق التي ستشهد انتشاراً بحرياً لقوات التحالف الأمريكي. أما بريّاً فسيكون مسرح الحرب عبارة عن دائرة مركزها إيران، مع تحرك الوكلاء في لبنان والعراق واليمن، ويمكن أن تتخطاها إلى الدول المحيطة والتي تشهد وجوداً عسكرياً أمريكياً من آسيا الوسطى إلى تركيا إلى منطقة الخليج التي ستكون في مجملها عرضة للهجمات الانتقامية الإيرانية بالصواريخ الباليستية.
فشل محتمل: إذا لم تسقط الحرب النظام، قد تعزز من تصميم إيران على تطوير سلاح نووي كوسيلة ردع، كما حدث بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في 2018. كما أن هناك مخاطر انتشار نووي، مثل تسرب المواد أو بيع المعرفة إلى جماعات غير حكومية. بالإضافة إلى ذلك، فشلت المفاوضات الأخيرة في فبراير 2026 بسبب رفض إيران تدمير منشآتها، مما يشير إلى أن الدبلوماسية كانت خياراً أفضل قبل التصعيد.
التأثير الإقليمي والدولي: الصراع يهدد الاستقرار في الشرق الأوسط، مع ردود إيرانية على دول مثل السعودية والإمارات والكويت، وقد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً. قد تدعم روسيا والصين إيران دبلوماسياً، مما يعقد الأمور. ويبدو ايضا أن اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط مرشح لإحداث أكبر اضطراب في أسواق الغاز منذ أن أدى الغزو الروسي لأوكرانيا قبل 4 سنوات إلى هزة في تجارة الطاقة العالمية.
التاريخ يظهر أن الحلول العسكرية الناجحة للبرامج النووية غالباً ما تكون مدعومة بدبلوماسية قوية، كما في حالة ليبيا تحت القذافي. إذا استمرت الحرب، فالنتيجة غير مؤكدة، لكنها قد تغير التوازن الإقليمي بشكل جذري – سواء لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل أو ضد مصالحهما إذا أدت إلى فوضى إقليمية.
محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية، جامعة محمد الأول، وجدة، المغرب