سعيد ناشيد: نحو عقل نقدي للدولة.. لماذا تحتاج الدولة إلى يسار متجدد؟

سعيد ناشيد: نحو عقل نقدي للدولة.. لماذا تحتاج الدولة إلى يسار متجدد؟ سعيد ناشيد، باحث ومفكر

يُواجه‭ ‬المغرب‭ ‬اليوم‭ ‬لحظة‭ ‬سياسية‭ ‬ومجتمعية‭ ‬فارقة؛‭ ‬فبينما‭ ‬تُحاول‭ ‬الدولة‭ ‬-رغم‭ ‬كل‭ ‬التحديات-‭ ‬أن‭ ‬تمضي‭ ‬قدمًا‭ ‬نحو‭ ‬ترسيخ‭ ‬دعائم‭ ‬الدولة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتحاول‭ ‬كسب‭ ‬الرهانات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتنمية‭ ‬البشرية‭ ‬والجهوية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬كما‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تتكيف‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم،‭ ‬وذلك‭ ‬كله‭ ‬داخل‭ ‬محيط‭ ‬إقليمي‭ ‬شائك‭ ‬ومتقلب،‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬إشكالي‭ ‬يتجاوز‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬والمؤشرات:‭ ‬هل‭ ‬التدبير‭ ‬التقني‭ ‬كاف‭ ‬لقيادة‭ ‬قاطرة‭ ‬التنمية؟


ليست‭ ‬الدولة‭ ‬مجرد‭ ‬آلة‭ ‬لإدارة‭ ‬الحسابات‭ ‬وتصريف‭ ‬القرارات،‭ ‬بل‭ ‬إطار‭ ‬لتنظيم‭ ‬الرعاية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمواطنين،‭ ‬وتدبير‭ ‬التضامن‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬والأجيال‭ ‬والفئات،‭ ‬وإعادة‭ ‬ضبط‭ ‬مختلف‭ ‬التوازنات؛‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬رقمية،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬إنسانية‭ ‬مركبة‭ ‬تتطلب‭ ‬رؤية‭ ‬واعية‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية‭. ‬
من‭ ‬هنا،‭ ‬تتجدّد‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬يسار‭ ‬متجدد،‭ ‬يسار‭ ‬يمثل‭ ‬العقل‭ ‬النقدي‭ ‬للدولة،‭ ‬ضميرها‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وحارس‭ ‬مجالها‭ ‬البيئي‭. ‬إنه‭ ‬يسار‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يوزان‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والبعد‭ ‬الإنساني،‭ ‬بين‭ ‬المكاسب‭ ‬الفورية‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬بين‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬جلب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬ومراعاة‭ ‬المعايير‭ ‬الاجتماعية‭.‬

 

الولاء‭ ‬الوطني‭ ‬والمصلحة‭ ‬العامة:‭ ‬يسار‭ ‬المصداقية‭ ‬لا‭ ‬الشعارات

لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬يسارٍ‭ ‬يقتات‭ ‬على‭ ‬المزايدات‭ ‬ويعيش‭ ‬على‭ ‬صخب‭ ‬الشعارات،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬يسار‭ ‬عقلانيّ‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لا‭ ‬تُصنع‭ ‬بالنوايا‭ ‬الحسنة،‭ ‬وبالخطابات‭ ‬الرنانة،‭ ‬بل‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬أرضية‭ ‬اقتصادٍ‭ ‬منتجٍ‭ ‬للثروة‭ ‬وعادل‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬معًا‭. ‬فليس‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬تناقضٌ‭ ‬بين‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتضامن‭ ‬الاجتماعي؛‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الأولى‭ ‬شرطٌ‭ ‬أساسي‭ ‬لتحقيق‭ ‬الثانية‭ ‬واستدامتها‭.‬


نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬يسار‭ ‬لا‭ ‬يُشيطن‭ ‬رجال‭ ‬المال‭ ‬والأعمال،‭ ‬ولا‭ ‬يختزل‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬أخلاقية‭ ‬تبسيطية،‭ ‬بل‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تأطير‭ ‬السوق،‭ ‬وتعزيز‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬دوائر‭ ‬المحاسبة‭ ‬والشفافية‭. ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬يسار‭ ‬يجتهد‭ ‬في‭ ‬هندسة‭ ‬الإصلاح‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بإدانة‭ ‬الاختلال،‭ ‬ويقترح‭ ‬بدائل‭ ‬واقعية‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ؛‭ ‬لأن‭ ‬فقدان‭ ‬الصلة‭ ‬بالواقع‭ ‬ليس‭ ‬شجاعة‭ ‬راديكالية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬أشكال‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬حقوق‭ ‬الناس‭.‬


هذا‭ ‬اليسار‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وطنيًا‭ ‬بامتياز:‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬الأولوية‭ ‬للولاء‭ ‬الإيديولوجي‭ ‬العابر‭ ‬للأوطان،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الولاء‭ ‬للمصلحة‭ ‬العامة‭ ‬الوطنية‭ ‬أولا،‭ ‬ولا‭ ‬يساند‭ ‬نظما‭ ‬ديكتاتورية‭ ‬مغلقة‭ ‬بدعوى‭ ‬أنها‭ ‬ترفع‭ ‬شعارات‭ ‬ضد‭ ‬الإمبريالية‭ ‬العالمية‭. ‬يسار‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬خصمًا‭ ‬بالضرورة،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬خلاصًا‭ ‬بالضرورة،‭ ‬بل‭ ‬يعتبر‭ ‬الدولة‭ ‬إطارًا‭ ‬مشتركًا‭ ‬للإصلاح،‭ ‬ومسؤوليةً‭ ‬تاريخيةً‭ ‬ينبغي‭ ‬مواصلة‭ ‬تحديثها‭. ‬يسارٌ‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بسطوتها‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الرعاية،‭ ‬وأن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لا‭ ‬تبنى‭ ‬على‭ ‬إضعاف‭ ‬الدولة‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬تقويتها‭.‬

 

الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬والخدمات‭ ‬العمومية‭: ‬معركة‭ ‬الوجود

لا‭ ‬يمكن‭ ‬لليسار‭ ‬أن‭ ‬يستعيد‭ ‬وهجه‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬إلى‭ ‬قاعدته‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬تنكّر‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬"تقديس"‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬والجماهير‭ ‬الشعبية‭. ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬تحديدًا،‭ ‬والتي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬شريحة‭ ‬اجتماعية‭ ‬عادية،‭ ‬بل‭ ‬ضامنة‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وحاملة‭ ‬نخب‭ ‬التحديث،‭ ‬وحاضنة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والنقاش‭ ‬العمومي‭. ‬وحين‭ ‬تتآكل‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬يختل‭ ‬التوازن‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ويتراجع‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬


إن‭ ‬المعركة‭ ‬الحقيقية‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬المزايدة‭ ‬الخطابية‭ ‬والشعارات‭ ‬المدوية،‭ ‬بل‭ ‬بلورة‭ ‬جيلٍ‭ ‬جديدٍ‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬العمومية،‭ ‬يجعل‭ ‬الدولة‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الكرامة‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬موزّعٍ‭ ‬للإعانات‭ ‬والمساعدات‭.‬


ففي‭ ‬مستوى‭ ‬التعليم،‭ ‬ينبغي‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للمدرسة‭ ‬العمومية‭ ‬لتغدو‭ ‬الخيار‭ ‬الأول‭ ‬للطبقة‭ ‬الوسطى،‭ ‬لا‭ ‬ملاذها‭ ‬الأخير‭. ‬مدرسةٌ‭ ‬تُعيد‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الاستحقاق،‭ ‬وتكسر‭ ‬توريث‭ ‬الهشاشة،‭ ‬وتؤسس‭ ‬لرأسمالٍ‭ ‬بشريٍّ‭ ‬تنافسيّ،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تكتفي‭ ‬بوظيفة‭ ‬التمدرس‭ ‬الشكلي‭. ‬فالتعليم‭ ‬ليس‭ ‬قطاعًا‭ ‬إداريًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مصنع‭ ‬المواطنة‭ ‬ومختبر‭ ‬المستقبل‭.‬


وفي‭ ‬مستوى‭ ‬الصحة‭ ‬ينبغي‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬سيادة‭ ‬صحية‭ ‬حقيقية‭ ‬عبر‭ ‬مستشفيات‭ ‬عمومية‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أقطابٍ‭ ‬علاجية‭ ‬وتكنولوجية،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬الثقة‭ ‬المفقودة،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬تغطية‭ ‬شاملة‭ ‬ومستدامة‭ ‬يمولها‭ ‬نظام‭ ‬ضريبي‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة‭ ‬ونجاعة‭. ‬الصحة‭ ‬ليست‭ ‬خدمةً‭ ‬تُشترى،‭ ‬بل‭ ‬حقٌّ‭ ‬يؤسس‭ ‬لشعور‭ ‬المواطن‭ ‬بالأمان‭ ‬والإنصاف‭.‬


وفي‭ ‬مستوى‭ ‬البيئة‭ ‬ينبغي‭ ‬تبنّي‭ ‬رؤية‭ ‬تنموية‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬ندرة‭ ‬الموارد‭ ‬والأزمة‭ ‬المناخية‭ ‬ليست‭ ‬موضةً‭ ‬خطابية،‭ ‬بل‭ ‬سؤال‭ ‬وجودي‭ ‬يمسّ‭ ‬حقوق‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭. ‬العدالة‭ ‬البيئية‭ ‬ليست‭ ‬فصلًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬في‭ ‬البرنامج،‭ ‬بل‭ ‬بعدٌ‭ ‬أخلاقيٌّ‭ ‬للعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬نفسها؛‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يدفع‭ ‬كلفة‭ ‬التدهور‭ ‬البيئي‭ ‬أولًا‭ ‬هم‭ ‬الفئات‭ ‬الأضعف،‭ ‬ثم‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭.‬

 

الشباب‭ ‬والمشاركة‭ ‬السياسية‭: ‬
من‭ "‬الاحتجاج‭ ‬الرقمي‭" ‬
إلى‭ "‬الفعل‭ ‬المؤسساتي‭"‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬لليسار‭ ‬المتجدّد‭ ‬أن‭ ‬ينهض‭ ‬من‭ ‬ركام‭ ‬خطابه‭ ‬القديم‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتصالح‭ ‬مع‭ ‬كتلة‭ ‬المستقبل:‭ ‬الشباب‭. ‬فالمعركة‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬معركة‭ ‬استقطاب‭ ‬انتخابي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬معركة‭ ‬فهمٍ‭ ‬عميق‭ ‬لتحوّلات‭ ‬الحساسية‭ ‬الثقافية،‭ ‬وأنماط‭ ‬التديّن،‭ ‬وأشكال‭ ‬التعبير،‭ ‬وصور‭ ‬التمثّل‭ ‬الجديدة‭ ‬للسياسة‭ ‬لدى‭ ‬الأجيال‭ ‬الصاعدة‭.‬


الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬أرقام‭ ‬في‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬السياسة‭ ‬ذاتها‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬يعترف‭ ‬بلغتهم،‭ ‬وإيقاعهم،‭ ‬وأحلامهم،‭ ‬وقلقهم‭. ‬فالشباب‭ ‬المغربي‭ ‬اليوم‭ ‬يمتلك‭ ‬وعياً‭ ‬نقدياً‭ ‬حاداً،‭ ‬وقدرةً‭ ‬لافتة‭ ‬على‭ ‬التفكيك‭ ‬والسخرية‭ ‬والاحتجاج،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬يعيش‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الاغتراب‭ ‬السياسي‭ ‬بسبب‭ ‬ضيق‭ ‬القنوات‭ ‬التقليدية،‭ ‬وجمود‭ ‬الوسائط‭ ‬الحزبية‭.‬


التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬أمام‭ ‬اليسار‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يحوّل‭ ‬طاقة‭ ‬الاحتجاج‭ ‬الرقمي‭ ‬والعفوية‭ ‬الشبابية‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬اقتراحية‭ ‬منظمة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭. ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬الغضب‭ ‬من‭ ‬شاشة‭ ‬الهاتف‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬التشريع،‭ ‬وأن‭ ‬يترجم‭ ‬التدوينات‭ ‬والتغريدات،‭ ‬عقب‭ ‬التحليل،‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬عمومية،‭ ‬وأن‭ ‬يحوّل‭ ‬الحس‭ ‬النقدي‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭. ‬فالرقمية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬تعبير،‭ ‬بل‭ ‬بنية‭ ‬جديدة‭ ‬للوعي،‭ ‬تتطلب‭ ‬يساراً‭ ‬يفهم‭ ‬الخوارزميات‭ ‬كما‭ ‬يفهم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السياسي،‭ ‬ويقرأ‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يقرأ‭ ‬سابقاً‭ ‬كراسات‭ ‬المصانع‭ ‬والنقابات‭.‬


ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬تبنّي‭ ‬قضايا‭ ‬"السيادة‭ ‬الرقمية"‭ ‬واقتصاد‭ ‬المعرفة،‭ ‬وتوفير‭ ‬بيئة‭ ‬حاضنة‭ ‬للابتكار،‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬المشروع‭ ‬اليساري‭ ‬المتجدد‭. ‬فلا‭ ‬مستقبل‭ ‬للعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬البيانات‭ ‬دون‭ ‬عدالة‭ ‬رقمية،‭ ‬ولا‭ ‬تكافؤ‭ ‬فرص‭ ‬دون‭ ‬كسر‭ ‬منطق‭ ‬الريع‭ ‬والزبونية،‭ ‬ولا‭ ‬كرامة‭ ‬للشباب‭ ‬دون‭ ‬مؤسسات‭ ‬تُكافئ‭ ‬الكفاءات‭ ‬لا‭ ‬القرب‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬النفوذ‭.‬


لكن‭ ‬الخطاب‭ ‬أيضا‭ ‬مهم‭. ‬حيث‭ ‬يحتاج‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬يسار‭ ‬يقدّم‭ ‬الحرية‭ ‬الفردية‭ ‬بوصفها‭ ‬قيمة‭ ‬إنسانية‭ ‬أصيلة،‭ ‬لا‭ ‬تهديداً‭ ‬للنظام‭ ‬الاجتماعي؛‭ ‬يسار‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬الاختيار‭ ‬والمسؤولية‭ ‬الوطنية،‭ ‬بين‭ ‬الإبداع‭ ‬الفردي‭ ‬والمواطنة‭ ‬النشطة،‭ ‬بين‭ ‬تحقيق‭ ‬الذات‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬الصالح‭ ‬العام‭. ‬فالجيل‭ ‬الجديد‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬الوصاية‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬مستعد‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬يمنحه‭ ‬معنى‭ ‬واعترافاً‭ ‬ودوراً‭.‬


إن‭ ‬مهمة‭ ‬اليسار‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬إقناع‭ ‬جيل‭ ‬"الزد"‭ ‬وما‭ ‬بعده‭ ‬بأن‭ ‬السياسة‭ ‬ليست‭ ‬لعبة‭ ‬نخبوية‭ ‬ولا‭ ‬مسرحاً‭ ‬للخطابة،‭ ‬بل‭ ‬الأداة‭ ‬الأكثر‭ ‬أمناً‭ ‬ونجاعة‭ ‬لتغيير‭ ‬الواقع‭. ‬وأن‭ ‬الانكفاء‭ ‬على‭ ‬الذات،‭ ‬أو‭ ‬الهجرة‭ ‬-هجرة‭ ‬الأجساد‭ ‬أو‭ ‬هجرة‭ ‬العقول-‭ ‬ليس‭ ‬قدراً‭ ‬محتوماً،‭ ‬بل‭ ‬عرضاً‭ ‬لغياب‭ ‬مشروع‭ ‬أمل‭ ‬يربط‭ ‬أحلامهم‭ ‬الشخصية‭ ‬بأفق‭ ‬وطني‭ ‬جامع‭.‬


فاليسار‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتعلم‭ ‬لغة‭ ‬المستقبل،‭ ‬سيبقى‭ ‬يحدّث‭ ‬نفسه‭ ‬بلسان‭ ‬الأمس‭ ‬وما‭ ‬قبل‭ ‬الأمس‭. ‬أما‭ ‬اليسار‭ ‬الذي‭ ‬يُصغي‭ ‬إلى‭ ‬الشباب‭ ‬لا‭ ‬بوصفهم‭ ‬مشكلة‭ ‬ديموغرافية،‭ ‬بل‭ ‬بوصفهم‭ ‬طاقة‭ ‬تأسيسية،‭ ‬فبإمكانه‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬احتجاج‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬اقتراح،‭ ‬ومن‭ ‬ذاكرة‭ ‬للمقاومة‭ ‬إلى‭ ‬هندسة‭ ‬للأمل‭.‬

 

نقد‭ ‬الذات‭: ‬جسر‭ ‬العبور‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل

لكن‭ ‬لكي‭ ‬يضطلع‭ ‬اليسار‭ ‬بهذا‭ ‬الدور،‭ ‬عليه‭ ‬أولًا‭ ‬أن‭ ‬يتصالح‭ ‬مع‭ ‬ذاته‭ ‬عبر‭ ‬نقدٍ‭ ‬شجاعٍ‭ ‬وصريح‭ ‬لجهازه‭ ‬المفاهيمي‭ ‬الذي‭ ‬صاغ‭ ‬وعيه‭ ‬طوال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬فقد‭ ‬علّمتنا‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬الصدام‭ ‬الدائم‭ ‬لا‭ ‬يبني‭ ‬مؤسسات،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الذوبان‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬يُفرغ‭ ‬السياسة‭ ‬من‭ ‬معناها‭ ‬ويحوّلها‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬تدبيرٍ‭ ‬بلا‭ ‬روح‭. ‬التحدي‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬تشييد‭ ‬يسارٍ‭ ‬مؤسساتيٍّ‭ ‬نقدي:‭ ‬لا‭ ‬هو‭ ‬بالعدمي‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬باسم‭ ‬الطهرانية،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬بالشعبوي‭ ‬الذي‭ ‬يبيع‭ ‬الأوهام‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العواطف‭.‬


إن‭ ‬نجاح‭ ‬مشروع‭ ‬الدولة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬يظل‭ ‬رهينًا‭ ‬بوجود‭ ‬هذا‭ ‬الفاعل‭ ‬السياسي‭ ‬الرشيد:‭ ‬فاعل‭ ‬يحتجّ‭ ‬بالحجّة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحتجّ‭ ‬بالصوت،‭ ‬ويقنع‭ ‬حين‭ ‬يفاوض،‭ ‬ويبرهن‭ ‬بالعقل‭ ‬والمنطق‭ ‬والمصلحة‭ ‬العامة،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الشعبويات‭ ‬والبهلوانيات‭ ‬وانتظار‭ ‬الإكراميات‭. ‬فالدولة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ليست‭ ‬صدقة‭ ‬موسمية،‭ ‬بل‭ ‬تعاقد‭ ‬أخلاقي‭ ‬طويل‭ ‬النفس‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭.‬


من‭ ‬دون‭ ‬يسارٍ‭ ‬ينسج‭ ‬خيطًا‭ ‬متينًا‭ ‬بين‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ويؤلّف‭ ‬بين‭ ‬تشجيع‭ ‬الاستثمار‭ ‬وصيانة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬ويربط‭ ‬التنمية‭ ‬بالأمن‭ ‬والسلام،‭ ‬سيمضي‭ ‬قطار‭ ‬المستقبل‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬حال‭. ‬لكنه‭ ‬سيمضي‭ ‬-إن‭ ‬غاب‭ ‬هذا‭ ‬الميزان‭ ‬النقدي-‭ ‬مثقلًا‭ ‬بالأعطاب،‭ ‬سريعًا‭ ‬في‭ ‬اندفاعه،‭ ‬هشًّا‭ ‬في‭ ‬توازنه،‭ ‬فاقدًا‭ ‬للبُعد‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬يمنحه‭ ‬المشروعية‭ ‬والمعنى‭.‬