سعيد ناشيد، باحث ومفكر
يُواجه المغرب اليوم لحظة سياسية ومجتمعية فارقة؛ فبينما تُحاول الدولة -رغم كل التحديات- أن تمضي قدمًا نحو ترسيخ دعائم الدولة الاجتماعية، وتحاول كسب الرهانات المتعلقة بالتنمية البشرية والجهوية المتقدمة، كما تحاول أن تتكيف مع التحولات الاقتصادية المتسارعة في عالم اليوم، وذلك كله داخل محيط إقليمي شائك ومتقلب، يبرز سؤال إشكالي يتجاوز لغة الأرقام والمؤشرات: هل التدبير التقني كاف لقيادة قاطرة التنمية؟
ليست الدولة مجرد آلة لإدارة الحسابات وتصريف القرارات، بل إطار لتنظيم الرعاية الاجتماعية للمواطنين، وتدبير التضامن بين الجهات والأجيال والفئات، وإعادة ضبط مختلف التوازنات؛ كما أن التنمية ليست مجرد معدلات نمو رقمية، بل عملية إنسانية مركبة تتطلب رؤية واعية توازن بين الطموح الاقتصادي والكرامة الإنسانية.
من هنا، تتجدّد الحاجة إلى يسار متجدد، يسار يمثل العقل النقدي للدولة، ضميرها الاجتماعي، وحارس مجالها البيئي. إنه يسار يعرف كيف يوزان بين الطموح الاقتصادي والبعد الإنساني، بين المكاسب الفورية والتنمية المستدامة، بين الحاجة إلى جلب رؤوس الأموال ومراعاة المعايير الاجتماعية.
الولاء الوطني والمصلحة العامة: يسار المصداقية لا الشعارات
لا نحتاج إلى يسارٍ يقتات على المزايدات ويعيش على صخب الشعارات، بل إلى يسار عقلانيّ يدرك أن العدالة الاجتماعية لا تُصنع بالنوايا الحسنة، وبالخطابات الرنانة، بل تُبنى على أرضية اقتصادٍ منتجٍ للثروة وعادل في آنٍ معًا. فليس في الأمر تناقضٌ بين القوة الاقتصادية والتضامن الاجتماعي؛ بل إن الأولى شرطٌ أساسي لتحقيق الثانية واستدامتها.
نحتاج إلى يسار لا يُشيطن رجال المال والأعمال، ولا يختزل الصراع في ثنائية أخلاقية تبسيطية، بل يعمل على تأطير السوق، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، وتوسيع دوائر المحاسبة والشفافية. نحتاج إلى يسار يجتهد في هندسة الإصلاح بدل الاكتفاء بإدانة الاختلال، ويقترح بدائل واقعية قابلة للتنفيذ؛ لأن فقدان الصلة بالواقع ليس شجاعة راديكالية، بل هو أول أشكال التفريط في حقوق الناس.
هذا اليسار يجب أن يكون وطنيًا بامتياز: لا يمنح الأولوية للولاء الإيديولوجي العابر للأوطان، على حساب الولاء للمصلحة العامة الوطنية أولا، ولا يساند نظما ديكتاتورية مغلقة بدعوى أنها ترفع شعارات ضد الإمبريالية العالمية. يسار لا يرى في الدولة خصمًا بالضرورة، ولا في ذاته خلاصًا بالضرورة، بل يعتبر الدولة إطارًا مشتركًا للإصلاح، ومسؤوليةً تاريخيةً ينبغي مواصلة تحديثها. يسارٌ يؤمن بأن قوة الدولة لا تُقاس بسطوتها بل بقدرتها على الرعاية، وأن الديمقراطية لا تبنى على إضعاف الدولة بل على تقويتها.
الطبقة الوسطى والخدمات العمومية: معركة الوجود
لا يمكن لليسار أن يستعيد وهجه ما لم يعد إلى قاعدته التاريخية التي تنكّر لها في سنوات "تقديس" الطبقة العاملة والجماهير الشعبية. يتعلق الأمر بالطبقة الوسطى تحديدًا، والتي ليست مجرد شريحة اجتماعية عادية، بل ضامنة الاستقرار، وحاملة نخب التحديث، وحاضنة الديمقراطية والنقاش العمومي. وحين تتآكل الطبقة الوسطى يختل التوازن الاجتماعي، ويتراجع الأمل في المستقبل.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست المزايدة الخطابية والشعارات المدوية، بل بلورة جيلٍ جديدٍ من الخدمات العمومية، يجعل الدولة شريكًا في صناعة الكرامة لا مجرد موزّعٍ للإعانات والمساعدات.
ففي مستوى التعليم، ينبغي إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية لتغدو الخيار الأول للطبقة الوسطى، لا ملاذها الأخير. مدرسةٌ تُعيد الثقة في الاستحقاق، وتكسر توريث الهشاشة، وتؤسس لرأسمالٍ بشريٍّ تنافسيّ، بدل أن تكتفي بوظيفة التمدرس الشكلي. فالتعليم ليس قطاعًا إداريًا، بل هو مصنع المواطنة ومختبر المستقبل.
وفي مستوى الصحة ينبغي العمل على بناء سيادة صحية حقيقية عبر مستشفيات عمومية تتحول إلى أقطابٍ علاجية وتكنولوجية، قادرة على استعادة الثقة المفقودة، مع ضمان تغطية شاملة ومستدامة يمولها نظام ضريبي أكثر عدالة ونجاعة. الصحة ليست خدمةً تُشترى، بل حقٌّ يؤسس لشعور المواطن بالأمان والإنصاف.
وفي مستوى البيئة ينبغي تبنّي رؤية تنموية تدرك أن ندرة الموارد والأزمة المناخية ليست موضةً خطابية، بل سؤال وجودي يمسّ حقوق الأجيال القادمة. العدالة البيئية ليست فصلًا إضافيًا في البرنامج، بل بعدٌ أخلاقيٌّ للعدالة الاجتماعية نفسها؛ لأن من يدفع كلفة التدهور البيئي أولًا هم الفئات الأضعف، ثم الأجيال القادمة.
الشباب والمشاركة السياسية:
من "الاحتجاج الرقمي"
إلى "الفعل المؤسساتي"
لا يمكن لليسار المتجدّد أن ينهض من ركام خطابه القديم ما لم يتصالح مع كتلة المستقبل: الشباب. فالمعركة اليوم ليست معركة استقطاب انتخابي عابر، بل معركة فهمٍ عميق لتحوّلات الحساسية الثقافية، وأنماط التديّن، وأشكال التعبير، وصور التمثّل الجديدة للسياسة لدى الأجيال الصاعدة.
الرهان الحقيقي ليس في تحويل الشباب إلى أرقام في صناديق الاقتراع، بل في تحويل السياسة ذاتها إلى فضاء يعترف بلغتهم، وإيقاعهم، وأحلامهم، وقلقهم. فالشباب المغربي اليوم يمتلك وعياً نقدياً حاداً، وقدرةً لافتة على التفكيك والسخرية والاحتجاج، لكنه في الآن نفسه يعيش نوعاً من الاغتراب السياسي بسبب ضيق القنوات التقليدية، وجمود الوسائط الحزبية.
التحدي الأكبر أمام اليسار هو أن يحوّل طاقة الاحتجاج الرقمي والعفوية الشبابية إلى قوة اقتراحية منظمة داخل المؤسسات. أن ينقل الغضب من شاشة الهاتف إلى طاولة التشريع، وأن يترجم التدوينات والتغريدات، عقب التحليل، إلى سياسة عمومية، وأن يحوّل الحس النقدي إلى برامج قابلة للتنفيذ. فالرقمية ليست مجرد أداة تعبير، بل بنية جديدة للوعي، تتطلب يساراً يفهم الخوارزميات كما يفهم الاقتصاد السياسي، ويقرأ منصات التواصل كما كان يقرأ سابقاً كراسات المصانع والنقابات.
ومن هنا، يصبح تبنّي قضايا "السيادة الرقمية" واقتصاد المعرفة، وتوفير بيئة حاضنة للابتكار، جزءاً من صميم المشروع اليساري المتجدد. فلا مستقبل للعدالة الاجتماعية في عصر البيانات دون عدالة رقمية، ولا تكافؤ فرص دون كسر منطق الريع والزبونية، ولا كرامة للشباب دون مؤسسات تُكافئ الكفاءات لا القرب من مراكز النفوذ.
لكن الخطاب أيضا مهم. حيث يحتاج الشباب إلى يسار يقدّم الحرية الفردية بوصفها قيمة إنسانية أصيلة، لا تهديداً للنظام الاجتماعي؛ يسار يربط بين حرية الاختيار والمسؤولية الوطنية، بين الإبداع الفردي والمواطنة النشطة، بين تحقيق الذات والمساهمة في الصالح العام. فالجيل الجديد لا يقبل الوصاية الأخلاقية، لكنه في المقابل مستعد للانخراط في مشروع يمنحه معنى واعترافاً ودوراً.
إن مهمة اليسار اليوم ليست مجرد الدفاع عن الماضي، بل إقناع جيل "الزد" وما بعده بأن السياسة ليست لعبة نخبوية ولا مسرحاً للخطابة، بل الأداة الأكثر أمناً ونجاعة لتغيير الواقع. وأن الانكفاء على الذات، أو الهجرة -هجرة الأجساد أو هجرة العقول- ليس قدراً محتوماً، بل عرضاً لغياب مشروع أمل يربط أحلامهم الشخصية بأفق وطني جامع.
فاليسار الذي لا يتعلم لغة المستقبل، سيبقى يحدّث نفسه بلسان الأمس وما قبل الأمس. أما اليسار الذي يُصغي إلى الشباب لا بوصفهم مشكلة ديموغرافية، بل بوصفهم طاقة تأسيسية، فبإمكانه أن يتحول من قوة احتجاج إلى قوة اقتراح، ومن ذاكرة للمقاومة إلى هندسة للأمل.
نقد الذات: جسر العبور إلى المستقبل
لكن لكي يضطلع اليسار بهذا الدور، عليه أولًا أن يتصالح مع ذاته عبر نقدٍ شجاعٍ وصريح لجهازه المفاهيمي الذي صاغ وعيه طوال القرن العشرين. فقد علّمتنا التجارب أن الصدام الدائم لا يبني مؤسسات، كما أن الذوبان في السلطة يُفرغ السياسة من معناها ويحوّلها إلى مجرد تدبيرٍ بلا روح. التحدي اليوم هو تشييد يسارٍ مؤسساتيٍّ نقدي: لا هو بالعدمي الذي يرفض كل شيء باسم الطهرانية، ولا هو بالشعبوي الذي يبيع الأوهام في سوق العواطف.
إن نجاح مشروع الدولة الاجتماعية في المغرب يظل رهينًا بوجود هذا الفاعل السياسي الرشيد: فاعل يحتجّ بالحجّة قبل أن يحتجّ بالصوت، ويقنع حين يفاوض، ويبرهن بالعقل والمنطق والمصلحة العامة، بعيدًا عن الشعبويات والبهلوانيات وانتظار الإكراميات. فالدولة الاجتماعية ليست صدقة موسمية، بل تعاقد أخلاقي طويل النفس بين الدولة والمجتمع.
من دون يسارٍ ينسج خيطًا متينًا بين النمو الاقتصادي والكرامة الإنسانية، ويؤلّف بين تشجيع الاستثمار وصيانة حقوق الإنسان، ويربط التنمية بالأمن والسلام، سيمضي قطار المستقبل على أي حال. لكنه سيمضي -إن غاب هذا الميزان النقدي- مثقلًا بالأعطاب، سريعًا في اندفاعه، هشًّا في توازنه، فاقدًا للبُعد الإنساني الذي يمنحه المشروعية والمعنى.