الشرادي يكتب: الجالية المغربية بين التقدير الملكي والتصريحات الحكومية المثيرة للجدل

الشرادي يكتب: الجالية المغربية بين التقدير الملكي والتصريحات الحكومية المثيرة للجدل رياض مزور وزير الصناعة والتجارة ومحمد الشرادي

أثار وزير التجارة والصناعة، رياض مزور، موجة من الانتقادات في أوساط الجالية المغربية المقيمة بالخارج، عقب تصريحات اعتبرها كثيرون مستفزة وتحمل نبرة استهزاء وتقليلا من مكانة هذه الفئة التي تشكل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني وسندا أساسيا في الدفاع عن القضايا الاستراتيجية للمملكة.

 

فمثل هذه التصريحات لا تنسجم مع حجم التضحيات التي يقدمها مغاربة العالم، سواء من خلال تحويلاتهم المالية التي تمثل موردا حيويا للعملة الصعبة، أو عبر انخراطهم المتواصل في الترافع عن المصالح العليا للوطن، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية. ولم يقتصر دور الجالية على الدعم المادي فحسب، بل امتد ليشمل الإسهام في تعزيز صورة المغرب دوليا، والدفاع عن ثوابته في مختلف المحافل الدولية.

 

وقد برز هذا الدور بشكل جلي خلال الأزمات التي مر بها المغرب في السنوات الأخيرة. فخلال جائحة كورونا، أبانت الجالية المغربية عن روح تضامن عالية مع الوطن الأم، سواء عبر المبادرات التضامنية أو المساهمات المالية ودعم الأسر المتضررة. كما تجلى هذا الحس الوطني مجددا عقب زلزال الحوز، حيث بادرت العديد من فعاليات الجالية إلى تنظيم حملات دعم وإغاثة، والمساهمة في جهود التضامن الوطني لمساعدة المتضررين وإعادة إعمار المناطق المنكوبة.

 

كما لا يمكن إغفال الدور الرمزي الكبير الذي لعبه أبناء الجالية المغربية في الملحمة التاريخية التي حققها المنتخب الوطني خلال مونديال قطر 2022، حيث كان عدد كبير من لاعبي أسود الأطلس من أبناء مغاربة العالم. وقد شكل هذا الإنجاز غير المسبوق، بوصول المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم، لحظة فخر جماعي لكل المغاربة، وأبرز بشكل واضح عمق الروابط التي تجمع الجالية بوطنها الأم، وقدرتها على تمثيل المغرب بأفضل صورة على الساحة الدولية.

 

وتزداد حساسية هذا الجدل بالنظر إلى العناية الخاصة التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله للجالية المغربية المقيمة بالخارج في مختلف خطاباته، حيث يؤكد باستمرار على دورها الاستراتيجي كشريك كامل في مسار التنمية، وكسفير دائم للوطن في بلدان الإقامة. ويرى منتقدون أن أي خطاب رسمي لا يراعي هذه المكانة يعد خروجا عن روح التوجيهات الملكية، ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام بعض التصريحات الحكومية مع الثوابت الوطنية.

 

وفي هذا السياق، يشير عدد من رجال الأعمال المغاربة المقيمين بالخارج إلى أنهم، ورغم ما يواجهه بعضهم أحيانا من صعوبات وتعقيدات إدارية مع بعض النماذج داخل عدد من الإدارات، والتي لا تنسجم في بعض الحالات مع روح التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تشجيع الاستثمار وتيسير المساطر أمام مغاربة العالم، فإنهم يواصلون بإصرار الاستثمار في وطنهم الأم. فهذا الإصرار لا يعكس فقط ثقتهم في مستقبل المغرب، بل يجسد أيضا عمق ارتباطهم ببلدهم واستعدادهم للمساهمة الفعلية في مسار التنمية الاقتصادية ونقل الخبرات والتجارب الدولية. ويرى متتبعون أن معالجة هذه الإشكالات الإدارية المحدودة تظل ضرورة ملحة من أجل ترجمة الرؤية الملكية على أرض الواقع، وتعزيز مناخ الثقة بين مغاربة العالم والمؤسسات الوطنية، بما يفتح آفاقا أوسع للاستثمار والإبداع وخلق فرص الشغل داخل المملكة.

 

وفي المقابل، لا يمكن إغفال ما حققته الجالية المغربية من نجاحات بارزة في عدد من الميادين العلمية والاقتصادية والثقافية والرياضية. فقد برز أفراد من مغاربة العالم في مراكز قيادية داخل مؤسسات دولية كبرى، وأسهموا في تطوير البحث العلمي وريادة الأعمال، كما تألقوا في مجالات الفن والإبداع والرياضة، رافعين راية المغرب عالياً في مختلف القارات. وتعكس هذه النجاحات دينامية هذه الفئة وكفاءتها، وتؤكد أنها ليست فقط مصدرا للتحويلات المالية، بل طاقة بشرية واستثمارا استراتيجيا للمستقبل.

 

ويعيد هذا السجال طرح إشكالية الخطاب السياسي الموجه إلى الجالية المغربية بالخارج، والحاجة إلى قدر أكبر من المسؤولية والاتزان في التعاطي مع قضاياها، بعيدا عن أي تعبير قد يفهم على أنه تقليل من شأنها أو مساس بكرامتها المعنوية. فالجالية المغربية ليست مجرد فاعل اقتصادي، بل مكون أساسي من مكونات الأمة، وشريك فعلي في مسار التنمية والدفاع عن مصالح الوطن. وأي مساس برمزيتها ينعكس سلبا على الثقة التي يفترض أن تربطها بالمؤسسات الوطنية، ويستدعي مراجعة عميقة لطبيعة الخطاب المعتمد في تناول قضاياها.