سيدي علي ماءالعينين
تعد قبيلة الركيبات واحدة من أكبر وأقوى المجموعات القبلية في الصحراء الكبرى، وهي "بيضة القبان" في التوازنات الاجتماعية والسياسية بالمنطقة. يتداخل في تاريخها المنسوب الشريف، والقوة العسكرية الضاربة، والجدل الأنثروبولوجي الحديث.
في جرد لتاريخ قبيلة الركيبات (أشهر الروايات) نجدها تنقسم حول أصل الركيبات إلى مسارين أساسيين ،حيث تجمع أغلب المصادر المحلية والمخطوطات الصحراوية على أن الركيبات ينتسبون إلى جد جامع هو الشيخ سيدي أحمد الركيبي (القرن 16م). وبذلك يرفعونه إلى إدريس بن عبد الله (مؤسس دولة الأدارسة)، أي أنهم "أشراف".
يقال إنه لقب بـ "الركيبي" لأنه كان يركب السحاب (كرامة صوفية)، أو نسبة لركوبه الدائم في تنقلاته الدعوية.
بدأت كزاوية دينية صوفية تلتزم بالعلم والعبادة، ثم تحولت مع مرور الزمن وتزايد العدد إلى قوة عسكرية لحماية القوافل والأرض.
تُجمع المصادر التاريخية (خاصة الفرنسية مثل دراسات "جوليو" و"كابو") على أن الركيبات انتقلوا من وضعية "الزوايا" (المسالمين) إلى وضعية "العرب" (المحاربين) في القرن 18 و19.
استطاعوا بفضل نظام "الغزي" (الغارات العسكرية) والبسالة القتالية السيطرة على مساحات شاسعة تمتد من وادي درعة شمالاً إلى أدرار جنوباً، ومن تيندوف شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً.
إنتشرت إدعاءات في السنوات الأخيرة مزاعم حول الأصول (اليهودية والأفريقية السوداء) بالاعتماد على "الحامض النووي".
هذا الطرح غالباً ما يظهر في سياقات السجال السياسي المعاصر، ويفتقر للدقة العلمية الشاملة ذلك ان الدراسات الجينية على قبائل الصحراء (بما فيها الركيبات) تظهر غالباً غلبة الهابلوغروب (E-M183)، وهو الوسم الجيني المميز لسكان شمال إفريقيا (الأمازيغ والعرب القدامى)، مع وجود تداخلات من الهابلوغروب (J) المشرقي.
انا القول بالأصول الأفريقية فالصحراء منطقة عبور، والتداخل مع المجموعات الإفريقية جنوب الصحراء موجود في كافة قبائل المنطقة عبر المصاهرة، لكنه لا يشكل الأصل "العرقي" للقبيلة.
بينما لا يوجد دليل تاريخي أو جيني يثبت أصولا يهودية للركيبات؛ بل هم تاريخيا حماة الإسلام الصوفي في المنطقة. غالباً ما تُستخدم هذه الادعاءات في إطار "الحروب الكلامية" بين القبائل المتنافسة.
السمارة هي العاصمة الروحية للصحراء، بناها الشيخ ماء العينين بدعم من سلطان المغرب.
الركيبات يعتبرون السمارة ضمن حوزتهم الترابية التقليدية، بينما يرى "أهل الشيخ ماء العينين" أنهم هم من أحيا الأرض وبناها.
الحقيقة أن الركيبات وفروا الحماية العسكرية لزاوية الشيخ ماء العينين في بداياتها، فالعلاقة كانت تكاملية (علم من جهة وقوة من جهة) قبل أن تتحول أحيانا إلى منافسة على النفوذ.
فرنسا، في محاولتها لتقسيم المنطقة، كانت تدرك أن الركيبات هم "سادة الصحراء" عسكريا. لقد أطلق عليهم الضباط الفرنسيون لقب "قطاع الطرق النبلاء" أو "الرجال الزرق".
فكرة إنشاء كيان سياسي خاص بهم كانت مناورة فرنسية لضرب نفوذ السلاطين المغاربة وضمان ولاء القوة الضاربة في الصحراء، لكن الركيبات تاريخيا كانوا يميلون للاستقلال الذاتي أو البيعة للسلطان لمواجهة المستعمر "النصراني".
في البوليساريو ، معظم القيادات التاريخية (مثل الوالي مصطفى السيد ومحمد عبد العزيز) ينتمون للركيبات، مما جعل البعض يصف الجبهة بأنها "مشروع ركيبي" في بدايته.
و في الجانب المغربي شخصيات وازنة مثل حمدي ولد الرشيد (من ركيبات الركيبات/التهالات) تدير الشأن المحلي في العيون، وهي عاصمة الصحراء المغربية.
لذلك فإن أي حل سياسي (سواء كان حكماً ذاتياً أو غيره) لا يمكن أن ينجح دون توافق مع قبيلة الركيبات، ليس لأنهم "يملكون" الصحراء وحدهم، بل لأنهم الكتلة البشرية الأكثر انتشاراً وتأثيراً في مدن العيون والسمارة وتيندوف.