عمر المصادي: الإستثمار في الإنسان أم في الحجر؟.. معركة الأولويات في زمن التحولات

عمر المصادي: الإستثمار في الإنسان أم في الحجر؟..  معركة الأولويات في زمن التحولات عمر المصادي

في ظل التحولات الإقتصادية المتسارعة وارتفاع تكاليف المعيشة، يواجه كثير من الأسر سؤالا مصيريا: هل نوجه مدخراتنا نحو الإستثمار في تعليم الأبناء وتنمية مهاراتهم، أم نحو اقتناء عقار كبناء منزل يضمن الإستقرار المادي؟
السؤال في ظاهره مالي، لكنه في جوهره استراتيجي يرتبط برؤية الأسرة لمستقبلها ومكانتها الإجتماعية والإقتصادية.
ينظر إلى العقار تاريخيا بوصفه ملاذا آمنا للإستثمار، فهو أصل ثابت يحفظ القيمة في مواجهة التضخم والتقلبات، بناء منزل لا يوفر فقط مأوى للأسرة، بل يمنحها شعورا بالإستقرار والإنتماء، وقد يتحول إلى مصدر دخل عبر الإيجار أو إعادة البيع بقيمة أعلى.
من منظور اقتصادي بحت، العقار أصل قابل للتوريث، ويشكل ضمانا اجتماعيا مهما، خاصة في المجتمعات التي تقدر الملكية العقارية باعتبارها رمزا للنجاح والإستقرار، غير أن هذا النوع من الإستثمار يبقى جامدا نسبيا، قيمته ترتبط بالسوق، ومردوده يتأثر بالظروف الإقتصادية العامة.
 

في المقابل، يعد الإستثمار في الأبناء وتعليمهم استثمارا في رأس المال البشري، وهو المفهوم الذي تبنته الأدبيات الإقتصادية الحديثة بوصفه المحرك الحقيقي للنمو، فالإنسان المتعلم يمتلك قدرة على التكيف مع التغيرات، وابتكار الحلول، وخلق فرص جديدة.
التعليم لا يقتصر على الشهادات الجامعية، بل يشمل تنمية المهارات التقنية، واللغات، والقدرات التحليلية، والقيم السلوكية، هذه العناصر مجتمعة تمكن الفرد من تحقيق دخل مستدام، بل ومضاعفة ثروته عبر العمل أو ريادة الأعمال.
بعبارة أخرى، العقار يحفظ المال، لكن التعليم يخلق المال.
 

وعند تحليل العائد على الإستثمار، يظهر فرق جوهري بين الخيارين:
العقار: عائد مادي مباشر أو طويل الأجل، محدود بإطار السوق العقارية.
التعليم: عائد تراكمي طويل المدى، قد يتجاوز أضعاف رأس المال الأصلي، ويتحول إلى أثر ممتد على الأسرة والمجتمع.
كما أن الإستثمار في التعليم يتميز بالمرونة، فالمعرفة لا تفقد قيمتها بسهولة، بل تتجدد مع تطور المهارات.
أما العقار، فرغم استقراره النسبي، يظل عرضة لدورات السوق وتغير السياسات الإقتصادية.
غير أن الطرح الثنائي قد يكون مضللا. فالسؤال الأهم ليس أيهما نختار بإطلاق، بل كيف نوازن بينهما وفق الإمكانات المتاحة.
فالإستثمار في تعليم الأبناء لا يتعارض بالضرورة مع التخطيط لامتلاك عقار، بل قد يكون التعليم هو الوسيلة التي تمكن الأسرة لاحقا من تحقيق استثمارات عقارية أكبر وأكثر استدامة.
وفي الأخير يجب التأكيد على أنه إذا كان العقار يمثل أمان الحاضر، فإن التعليم يمثل أمان المستقبل.
الإستثمار في الحجر يمنح استقرارا ملموسا، أما الإستثمار في الإنسان فيصنع القدرة على البناء والتوسع والتجدد.
في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، قد تكون الأولوية لبناء الإنسان القادر على صناعة الفرص، لأن من يمتلك المعرفة والمهارة يستطيع أن يبني منزلا… لكن من يمتلك منزلا فقط، قد لا يمتلك دائما القدرة على صناعة المستقبل.