أنور الشرقاوي: دخول التكنولوجيا الحيوية والإنترنت الطبي إلى ميدان الحرب السيبرانية الأمريكية ضد إيران

أنور الشرقاوي: دخول التكنولوجيا الحيوية والإنترنت الطبي إلى ميدان الحرب السيبرانية الأمريكية ضد إيران أنور الشرقاوي

الأجهزة الطبية المتصلة التي يحملها بعض كبار المسؤولين الإيرانيين ربما تحولت إلى أدوات مراقبة… بل وربما إلى أدوات لحرب خفية مميتة تقودها الولايات المتحدة ضد رموز إيران.

 

في عالمٍ تنقذ فيه التكنولوجيا الطبية ملايين الأرواح كل يوم، بدأت تساؤلات مقلقة تتسلل إلى بعض الدوائر الجيوسياسية والتكنولوجية: ماذا لو تحولت الأجهزة الطبية المتصلة، التي صُممت أصلاً لحماية الحياة، إلى أدوات مراقبة دقيقة… وربما إلى وسائل لحرب غير مرئية؟

وفق معلومات تداولتها بعض وسائل الإعلام الدولية، من بينها صحيفة The Wall Street Journal، إضافة إلى مصادر دبلوماسية بريطانية أشار إليها عدد من المحللين، ظهرت سيناريوهات مثيرة للقلق تتحدث عن احتمال استخدام الأجهزة الطبية المتصلة ضمن عمليات استخباراتية استهدفت مسؤولين رفيعي المستوى في إيران.

هذه الفرضيات، التي يصعب التحقق منها في الوقت الراهن، تعكس مع ذلك تحوّلاً عميقاً في طبيعة الصراعات الحديثة:
الاحتمال المتزايد لدخول التكنولوجيا الحيوية والإنترنت الطبي إلى ساحات الحرب السيبرانية.

 

عندما تتحول التكنولوجيا  البيولوجية إلى ثغرة استراتيجية

الأجهزة الطبية المتصلة — مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب، ومضخات الإنسولين، والغرسات القوقعية في الاذن، وأجهزة مراقبة القلب — تنتمي إلى ما يسميه الخبراء اليوم إنترنت الأشياء الطبية.

الوظيفة الأساسية لهذه الأجهزة علاجية بحتة: مراقبة المؤشرات الحيوية بشكل مستمر وإرسال البيانات إلى الأطباء لتحسين رعاية المرضى.

لكن هذا الاتصال الدائم يفتح أيضاً باباً لنوع جديد من الاستعمالات غير طبية.

فهذه الأجهزة تبث إشارات راديوية، أحياناً عبر تقنية البلوتوث أو عبر بروتوكولات اتصال أخرى.
نظرياً، يمكن التقاط هذه الإشارات أو اعتراضها أو تحليلها.
ويشير بعض خبراء الأمن السيبراني إلى أن هذه “البصمة الإلكترونية البيولوجية” قد تتيح — في سيناريوهات معينة — تحديد هوية شخص بعينه أو تعقب موقعه إذا كان يحمل جهازاً طبياً مزروعاً.

 

المطاردة التكنولوجية على ارتفاعات شاهقة

بعض الروايات الأكثر إثارة تتحدث عن استخدام طائرات مسيّرة شبحية قادرة على مسح البيئة الكهرومغناطيسية من ارتفاعات عالية.

هذه المنصات يمكنها تحليل آلاف الإشارات الراديوية في آن واحد بحثاً عن بصمات محددة.
وباستخدام خوارزميات متقدمة لتحليل البيانات، يتصور بعض المختصين أنه قد يصبح ممكناً عزل إشارة معينة وسط آلاف الإشارات الأخرى، بما في ذلك تلك الصادرة عن جهاز طبي مزروع داخل جسم إنسان.

في مثل هذا السيناريو، قد يتحول الجسد البشري نفسه إلى ما يشبه منارة إلكترونية غير مقصودة.

 

عندما تتحول البيانات الفيزيولوجية إلى مادة استخباراتية

مصدر القلق الآخر يتعلق بأمن البنية الرقمية التي تدير هذه الأجهزة الطبية.
فغالباً ما تخزن الشركات المصنعة البيانات الفيزيولوجية للمرضى على خوادم مؤمنة، حتى يتمكن الأطباء من متابعة المؤشرات الحيوية عن بعد.
لكن خبراء الأمن السيبراني يحذرون منذ سنوات من ضرورة تعزيز حماية هذه القواعد المعلوماتية.
لأن اختراق هذه الأنظمة قد يفتح الباب أمام الوصول إلى معلومات شديدة الحساسية: إيقاع القلب، والنشاط الفيزيولوجي، والحالة الصحية، بل وحتى الموقع التقريبي للمريض.

وفي أكثر السيناريوهات تطرفاً التي يجري تداولها في بعض الأوساط الاستراتيجية، قد تتحول هذه البيانات نظرياً إلى مؤشر استخباراتي يمكن أن يُستخدم لتوجيه عملية عسكرية أو تنفيذ عملية استهداف دقيقة.

 

بين العلم والخيال والواقع التكنولوجي

مع ذلك، يشدد كثير من الخبراء على ضرورة التعامل مع هذه الفرضيات بحذر.

فلا توجد حتى الآن أدلة علنية قاطعة تثبت استخدام الأجهزة الطبية المتصلة في عمليات اغتيال موجهة من قبل الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى.

لكن قضية الأمن السيبراني للزرعات الطبية مسألة حقيقية بالفعل، وهي موضوع أبحاث وتشريعات متزايدة في عدة دول.

وقد نجح باحثون في مختبرات متخصصة في إظهار إمكانية اختراق بعض الأجهزة الطبية غير المحمية جيداً في ظروف محددة.

وقد دفعت هذه النتائج السلطات الصحية والشركات المصنعة إلى تعزيز أنظمة التشفير والحماية تدريجياً.

 

السؤال الكبير للطب المتصل

إن صعود الصحة الرقمية يغيّر وجه الطب الحديث بعمق.
فالأجهزة الطبية المتصلة تتيح مراقبة مستمرة للمرضى، وتقلل من الحاجة إلى الاستشفاء، وتحسن جودة حياة ملايين الأشخاص المصابين بالأمراض المزمنة.

لكن هذه الثورة التكنولوجية تطرح أيضاً سؤالاً مصيرياً: إلى أي حد يجب أن تمتد شبكة الاتصال عندما تصبح التكنولوجيا مزروعة داخل الجسد البشري نفسه؟

في عالمٍ تتدفق فيه البيانات البيولوجية عبر الشبكات الرقمية، لم تعد مسألة الأمن تخص الحواسيب والهواتف فقط. بل أصبحت تمس القلب ذاته لفيزيولوجيتنا وحياتنا البشرية. وربما هنا بالتحديد يتشكل أحد أكبر التحديات الطبية والأخلاقية في القرن الحادي والعشرين.

 الدكتور أنور الشرقاوي، خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي