منير لكماني
أثار تصريح وزير الصناعة والتجارة رياض مزور بشأن الجالية المغربية بالخارج، والمتضمن عبارة دارجة من قبيل “بزعط بلادك هادي”، موجة جدل حادة على المنصات الرقمية. ولم يتوقف النقاش عند حدود “تأويل لحظي” أو “إنفعال عابر”، بل تمدد ليطرح سؤالا أوسع: كيف يصوغ الخطاب الرسمي علاقته الرمزية بمغاربة العالم؟ وكيف يمكن لكلمة واحدة أن تسقط الرسالة في منطقة توتر بدل أن تقنع أو تطمئن ؟
البنية الدلالية للتصريح
يمكن تفكيك التصريح إلى ثلاث طبقات متداخلة:
1. طبقة اقتصادية: تقدم الإستثمار بوصفه سلوكا طبيعيا تحكمه المصلحة المتبادلة، وليس “فضلا” يستوجب شكرا خاصا.
2. طبقة رمزية: تنزع عن مساهمة الجالية صفة “المنة”، وتعيد تعريف العلاقة بإعتبارها حقا وواجبا في إطار الإنتماء الوطني.
3. طبقة لغوية: تعتمد مفردات دارجة ذات حمولة إنفعالية، مثل “بزعط” أو عبارات من قبيل “لي مبغاش يرجع يبقى تما”، وهي مفردات تقرأ إجتماعيا بإعتبارها تبخيسا أو قسوة في المخاطبة.
هذا التداخل جعل ما قد يفهم كتوضيح إقتصادي يتحول، بفعل الصياغة، إلى إحساس بالإستصغار؛ لأن اللغة هنا ليست مجرد وعاء للمعنى، بل جزء من المعنى نفسه.
اللغة السياسية وحدود التمثيل
الوزير في هذا السياق لا يتحدث بصفته فردا، بل بإعتباره صوت مؤسسة ترتبط وظيفيا بجذب الإستثمار وإقناع الفاعلين الإقتصاديين. لذلك، تتحول العبارة الحادة من “تعبير يومي” إلى إشارة عمودية تضعف منطق الشراكة الذي تقدمه الوزارة في لقاءاتها وخرائطها الترويجية.
يكشف تحليل الخطاب أن مفردة واحدة قد تعيد تأطير الرسالة كاملة: فبدل أن تبدو نقدا لسلوكيات أو تصورات محددة، تتحول إلى تعميم يمس الكرامة الجماعية، ويجعل الجالية تتلقى الكلام بوصفه موقفا لا مجرد وصف.
الجالية: بين الإقتصاد والإعتراف الرمزي
لا ينحصر إحتجاج مغاربة العالم في جوهر المضمون الإقتصادي، بل يتركز على ما يسمى بالإعتراف الرمزي:
الجالية لا ترى مساهمتها مجرد تحويلات وإستثمارات وأرقام، بل تراها جزءا من الإنتماء المشترك. وحين تختزل هذه المساهمة في خطاب يوحي بأنها “واجب لا يشكر”، يتولد شعور بأن هناك مسافة بيروقراطية تفصل الدولة عن مواطنيها بالخارج.
لهذا تستقبل الكلمات القاسية لا كزلة، بل كـتأكيد لمزاج مؤسساتي يفترض أنه لا ينصت بما يكفي، ولا يقدر بما يكفي.
نحو تربية لغوية مؤسساتية
تبرز الواقعة الحاجة إلى تكوين تواصلي ولغوي للمسؤولين في زمن الإنتشار الرقمي السريع. المسألة ليست فرض الفصحى أو مصادرة الدارجة، بل ترسيخ وعي عملي بـأثر الكلمة:
• التمييز بين النقد والإهانة.
• تفادي التعميم حين يكون المقصود فئة أو سلوكا بعينه.
• إعتماد صياغات دقيقة تراعي الحساسية الرمزية.
• وضع بروتوكولات تواصلية منسجمة مع سياسة إشراك الجالية في التنمية الصناعية والإستثمار.
الحاجة إلى لغة شراكة جديدة
يحول هذا الجدل، رغم حدته، إلى فرصة لإعادة بناء خطاب رسمي يؤكد الإستثمار بوصفه مصلحة مشتركة، من دون أن يفرط في التقدير الرمزي. خطاب يشرح ولا يجرح، ينتقد دون تعميم، ويوازن بين التشجيع وتبسيط المساطر، وبين الواقعية الإقتصادية وإحترام المخاطب.
بهذه المقاربة، يمكن للدولة أن تعيد تأسيس علاقتها بمغاربة العالم على قاعدة واضحة: إحترام متبادل يولد الثقة، والثقة هي الإستثمار الأعمق والأبقى.