عزالدين هنون، أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل
في هذا الاستجواب، يقدّم عزالدين هنون، أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل، قراءة في خلفيات التصعيد وأهدافه الاستراتيجية، محذراً من سيناريو “الانزلاق غير المحسوب”، ومؤكداً أن المواجهة الجارية تمثل نموذجاً هجيناً يجمع بين الضربات المباشرة وحروب الشبكات والوكالة، مع ما يحمله ذلك من كلفة اقتصادية وأمنية متزايدة على المنطقة والعالم.
كيف يمكن فهم التصعيد العسكري والسياسي للولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران؟ وهل نحن أمام حرب مباشرة أم صراع متعدد الجبهات بالوكالة؟
التصعيد يُفهم كتحوّل في نمط المواجهة من “حروب ظلّ” وعمليات محدودة ومتقطّعة، إلى مواجهة أقرب للمباشرة تستهدف القدرة الإيرانية على الفعل الإقليمي، مع بقاء منطق “تعدّد الجبهات“ قائماً. نحن إذن أمام نموذج هجين. حرب مباشرة: عبر ضربات وعمليات ذات رسائل ردعية عالية وربما استهداف لبُنى وقدرات استراتيجية. وكذلك حرب بالوكالة متعددة الجبهات: لأن ساحات الاشتباك لا تنحصر في نقطة واحدة؛ بل تمتد عبر المجال الإقليمي (لبنان/العراق/سوريا/اليمن) مع اختلاف درجات الانخراط والإنكار السياسي.
الخلاصة أنها ليست حرباً كلاسيكية “جيش ضد جيش“ فقط، بل حرب شبكات وتوازنات تتقدم خطوة نحو المباشرة دون أن تتخلى عن أدوات الوكالة.
ما هي الأهداف الاستراتيجية في هذه المواجهة؟ وهل تسعى وشنطن وتل أبيب إلى احتواء نفوذ إيران واضعاف أذرعها في المنطقة؟
نعم، لكن مع إضافة مهمّة: الهدف يتجاوز الاحتواء إلى محاولة إضعاف القدرة الإيرانية بنيوياً، وربما الدفع نحو تغيير في طبيعة النظام أو سلوكه الاستراتيجي. ويبدو هذا واضحا في حجم الخسائر على مستوى القيادة الإيرانية، يمكن تلخيص الأهداف في أربع نقاط:
1. تحييد التهديد المباشر لإسرائيل (قدرات صاروخية/طائرات مسيّرة/شبكات دعم).
2. تفكيك “العمق الإقليمي الإيراني“ عبر إنهاك الأذرع أو تقليص مجال حركتها.
3. إعادة هندسة الردع: جعل كلفة الفعل الإيراني أعلى من قدرة طهران على التحمل.
4. إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يخدم أمن إسرائيل وباقي حلفاء الولايات المتحدة على المدى الطويل، خصوصاً في مرحلة ما بعد غزة.
إلى أي حد يمكن أن تتحول هذه الحرب إلى صراع إقليمي شامل يشمل أطرافاً أخرى مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن؟ وما موقع الدول العربية، خاصة الخليجية، في هذا المشهد المتوتر؟
إمكان التحول إلى صراع شامل قائم، لكنه ليس السيناريو المرجّح تلقائياً لأن كلفة الحرب الواسعة ستكون باهظة للجميع. الخطر الأكبر هو “الانزلاق“ بفعل سلسلة ردود فعل. وهكذا يمكن أن تحديد نقاط الاشتعال المحتملة ويتعلق الأمر على الخصوص:
• لبنان (ارتفاع احتمال توسع الجبهة الشمالية رغم إضعاف حزب لله الحليف التاريخي لإيران.
• العراق وسوريا مع وجود ساحات نفوذ متداخلة كما أن البلدين يحتويان على أقليات شيعية و على قوى سياسية ومسلحة تدين بالولاء لإيران .
• اليمن والبحر الأحمر (تهديد الملاحة مع تواجد الحوتيين المساندين لإيران
• الخليج (حساسية شديدة لأي توتر يمسّ أمن الطاقة والمضائق مما قد يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي.
أما بالنسبة لدول الخليج فهي تتواجد في موقع “الضغط العالي“ لعدة أسباب منها لأنها تستضيف وجوداً عسكرياً غربياً في بعض الحالات، وتريد تجنب أن تصبح أراضيها أو مجالها البحري ساحة ردود، وفي الوقت نفسه تحتاج لحماية استقرار أسواق الطاقة والملاحة فهذه الدول استثمرت كثيرا من أجل اقتصاداتها أكثر جذبا وأكثر تنافسية مما يحتاج للأمن والاستقرار.عملياً، دول الخليج ستميل إلى رفع الجاهزية الأمنية, الدفع نحو ضبط التصعيد وكذا تجنّب التورط المباشر.
ما هي أبرز التداعيات الاقتصادية والأمنية لهذه المواجهة على المنطقة، خصوصاً في ما يتعلق بأسواق الطاقة، الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، واستقرار الدول الهشة في الشرق الأوسط؟
هذه هي “القناة الأسرع“ تأثيراً، خصوصاً إذا طال أمد المواجهة:
اقتصادياً:
• ارتفاع أسعار النفط والغاز (أو بقاؤها مرتفعة) بفعل عامل الخوف والاضطراب لا فقط بفعل النقص الفعلي.
• ارتفاع كلفة التأمين والشحن وتعطّل سلاسل الإمداد.
• ضغوط تضخمية على دول الاستيراد الطاقي، وعبء مالي على الميزانيات.
وفي هذا الإطار من الوارد جدا أن يتأثر الاقتصاد المغربي بهذه المعطيات لأنه لا زال يعتمد على هذه الطاقات رغم المجهوات التي تم بذلها في مجال الطاقات البديلة
أمنياً
• تهديد الملاحة في الخليج والبحر الأحمر كأداة ضغط غير متماثلة.
• زيادة المخاطر على الدول الهشة: لأن أي صدمة أسعار أو انقسام سياسي أو توتر أمني يسرّع مسارات التوتر الداخلي (لبنان، العراق، سوريا، اليمن...)
كيف تنعكس هذه الحرب على توازنات القوى الدولية، خاصة في ظل موقف روسيا والصين والاتحاد الأوروبي؟ وهل يمكن أن تتحول إلى نقطة إعادة تشكيل للنظام الدولي أو تعميق للاستقطاب العالمي؟
أعتقد أن المواجهة مرشحة لتعميق الاستقطاب أكثر من إنتاج “توافق دولي سريع”، لسبب بسيط: الحرب تصبح ساحة اختبار للنفوذ ولشرعية استخدام القوة ولتوازنات الطاقة.
• روسيا والصين تميلان إلى قراءة ما يجري كجزء من تنافس أوسع مع النفوذ الأمريكي، وستستثمران سياسياً في أي ارتباك غربي أو ضغوط اقتصادية.
• الاتحاد الأوروبي غالباً سيكون مهووساً بعاملين: الطاقة وتفادي انفجار إقليمي يولد موجات نزوح واضطراباً اقتصادياً، مع هامش تأثير سياسي محدود مقارنة بواشنطن.
أما بخصوص إعادة تشكيل النظام الدولي فإن الأقرب هي أنها تعزّز الاستقطاب العالمي وتدفع نحو مزيد من “تكتّل” المواقف، لا أنها تُنشئ نظاماً جديداً فوراً. لكنها قد تصبح نقطة تسريع لاتجاهات قائمة أصلاً.
ما السيناريوهات المحتملة لمسار هذه المواجهة: هل نتجه نحو حرب إقليمية مفتوحة، أم نحو احتواء دبلوماسي وتفاهمات غير معلنة؟
هناك في نظري تلاث سيناريوهات يمكن تقد تقديمها من الأقرب للوقوع إلى الأكثر استبعادا
1. صراع ممتد لكنه مضبوط (الأرجح): ضربات متبادلة، عمليات نوعية، ضغط بحري/سيبراني، ثم “تجميد“ أو خفض وتيرة تحت ضغط الكلفة.
2. تصعيد واسع/انفجار إقليمي: إذا ضُربت بنى طاقة كبرى أو حدثت خسائر كبيرة أو انزلقت الجبهات المتعددة دفعة واحدة.
3. احتواء دبلوماسي مع تفاهمات غير معلنة: عندما ترتفع الكلفة الاقتصادية والأمنية إلى حدّ يجعل الاستمرار غير مُجدٍ.
وما فرص العودة إلى مسارات التفاوض حول الملف النووي والأمن الإقليمي مع القيادة الإيرانية الجديدة؟
الفرص موجودة لكن مشروطة بثلاثة عناصر:
1. توازن الردع بعد هذه الجولة: إذا اعتقد كل طرف أنه حقق “حدّاً أدنى“ من أهدافه، يصبح التفاوض ممكناً.
2. قناة وساطة فعّالة (مباشرة أو غير مباشرة): غالباً عبر وسطاء إقليميين ودوليين.
3. حزمة أوسع من النووي: لأن الصراع اليوم لم يعد نووياً حصراً؛ بل يتعلق أيضاً بالصواريخ، الشبكات الإقليمية، وأمن الملاحة.
ومع “قيادة جديدة“ في طهران، قد تظهر نافذة تكتيكية لإعادة التموضع، لكن إن كانت الحرب تُقرأ في إيران كتهديد وجودي للنظام، فذلك قد يدفعها إلى التشدد لا المرونة، على الأقل في المدى القصير.