عبد الحكيم العياط : هل بدأت الحرب العالمية الثالثة من الشرق الأوسط دون أن يدرك العالم ذلك؟

عبد الحكيم العياط : هل بدأت الحرب العالمية الثالثة من الشرق الأوسط دون أن يدرك العالم ذلك؟ عبد الحكيم العياط

في صباح اليوم، وأثناء تفحّصي للمواقع الإخبارية يبدو واضحا أن العالم دخل مرحلة مختلفة تماما عمّا عرفه منذ نهاية الحرب الباردة. فالأخبار لم تعد تتحدث عن توتر إقليمي عابر، بل عن حرب مفتوحة تتسع جغرافيا وسرعة بشكل يثير سؤال تاريخي ثقيل: هل نحن أمام الشرارة الأولى لحرب عالمية جديدة؟

التغطيات المتلاحقة تشير إلى أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران تحول من مجرد عملية عسكرية محدودة إلى مواجهة متعددة الجبهات. الغارات الجوية استهدفت مدن إيرانية عديدة من طهران إلى أصفهان وشيراز، فيما تحدثت المصادر الإيرانية عن مئات القتلى واتساع رقعة الضربات العسكرية بشكل غير مسبوق منذ قيام الجمهورية الإسلامية. وفي المقابل، أعلنت طهران إطلاق موجات صاروخية ومسيرات استهدفت إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة، مع دخول الخليج العربي عمليا في دائرة الاشتباك العسكري المباشر.

الأخطر في هذه التطورات ليس حجم الدمار فقط، بل طبيعة الأهداف. فاغتيال قيادات عسكرية وسياسية إيرانية رفيعة، وعلى رأسها المرشد الأعلى، مثّل لحظة كسر استراتيجي لقواعد الاشتباك التي حكمت الشرق الأوسط لعقود. تاريخيا، عندما يتم استهداف رأس النظام في دولة إقليمية كبرى، فإن الصراع ينتقل من الردع إلى منطق البقاء الوجودي، وهو أخطر مراحل الحروب.

هنا بالضبط أستحضر لحظات ما قبل الحرب العالمية الأولى. اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند سنة 1914 لم يكن يُنظر إليه حينها كبداية حرب كونية بل كأزمة أوروبية قابلة للاحتواء. وكذلك الأمر سنة 1939، حين اعتُبر غزو بولندا نزاع إقليمي محدود قبل أن تتحول أوروبا إلى ساحة دمار شامل. المشكلة في الحروب الكبرى أنها لا تبدأ بقرار “حرب عالمية”، بل بسلسلة تفاعلات أمنية متشابكة تفقد فيها الدول القدرة على التراجع.

اليوم، تتشكل نفس المعادلة الخطيرة: إيران تستهدف القواعد الأمريكية، الولايات المتحدة توسّع عملياتها، إسرائيل تعلن استمرار الضربات، ودول الخليج تدخل عمليا ضمن مسرح العمليات، بينما تراقب قوى كبرى مثل روسيا والصين المشهد دون حياد كامل. ومع كل صاروخ جديد، تتقلص المسافة بين حرب إقليمية وحرب نظام دولي.

المؤشر الأكثر إثارة للقلق هو انتقال الحرب من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي والاستراتيجي العالمي. أي تهديد لمضيق هرمز أو ناقلات النفط يعني تلقائيا أزمة طاقة عالمية، وهو ما يجعل أوروبا وآسيا طرف غير مباشر في الصراع، حتى دون إطلاق رصاصة واحدة.

لكن السؤال الجوهري هنا ليس: هل اندلعت الحرب العالمية الثالثة؟ بل: هل دخل العالم المرحلة التي تسبقها؟

التحليل  الواقعي يشير إلى أننا أمام لحظة إعادة تشكيل للنظام الدولي، بدأت فعليا منذ هجوم 7 أكتوبر 2023، وتسارعت مع انهيار توازن الردع بين إسرائيل ومحور إيران، لتصل اليوم إلى مواجهة مباشرة بين دولة إقليمية كبرى وتحالف عسكري تقوده القوة الأعظم في العالم.

غير أن ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة عن كل الأزمات السابقة في الشرق الأوسط هو أن الصراع لم يعد يدور عبر الحروب بالوكالة كما كان الحال طوال العقود الماضية، بل انتقل إلى مواجهة مباشرة ومعلنة بين دول تمتلك قدرات عسكرية وصاروخية هائلة، وتتحرك داخل فضاء جيوسياسي شديد الحساسية. فالمواجهة لم تعد بين إسرائيل وتنظيمات مسلحة، ولا بين الولايات المتحدة وميليشيات إقليمية، بل بين دول ذات سيادة، وهو تحول نوعي يرفع تلقائيا مستوى المخاطر العالمية.

كما أن سرعة تطور الأحداث تكشف انهيار واضح لمنظومة الردع التقليدية التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية. فالقواعد غير المكتوبة التي كانت تمنع استهداف العمق الاستراتيجي للدول سقطت تباعا، وأصبح استهداف العواصم والمنشآت السيادية أمرا عاديا ضمن الحسابات العسكرية. وعندما تنهار قواعد الاشتباك، تدخل الحروب عادة مرحلة يصعب التحكم في مساراتها السياسية أو العسكرية.

الأكثر دلالة هو اتساع دائرة الاصطفاف الدولي بشكل صامت. فالدعم العسكري والاستخباراتي الغربي لإسرائيل يقابله تحرك دبلوماسي وعسكري حذر من قوى دولية منافسة تسعى لمنع انهيار التوازن العالمي لصالح محور واحد. هذا الاصطفاف لا يظهر بعد في شكل تحالفات عسكرية معلنة، لكنه يعيد إنتاج مناخ الاستقطاب الذي سبق الحروب الكبرى في القرن العشرين.

ثم إن الرأي العام العالمي نفسه بدأ يتحول إلى عنصر ضغط إضافي في إدارة الصراع، حيث تعيش الحكومات الكبرى تحت ضغط داخلي متزايد يدفعها لاتخاذ مواقف أكثر تشددا بدل البحث عن التسويات. وعندما تصبح القيادة السياسية رهينة المزاج الشعبي والخوف من فقدان الهيبة الدولية، فإن هامش الدبلوماسية يضيق لصالح منطق القوة.

إن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته فقط كحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بل كمخاض تاريخي لنظام دولي جديد يتشكل تحت وقع الصواريخ والطائرات المسيّرة. فالعالم الذي نشأ بعد سنة 1991، والقائم على الهيمنة الأمريكية شبه المطلقة، يبدو أنه يدخل مرحلته الأخيرة، حيث لم تعد القوى الصاعدة تقبل بقواعد اللعبة القديمة، ولم تعد القوى التقليدية قادرة على فرض الاستقرار كما في السابق.

السيناريو الأول خلال الأشهر القادمة يتمثل في احتواء التصعيد عبر تسوية قسرية تفرضها كلفة الحرب الاقتصادية والعسكرية، خاصة إذا تعرضت إمدادات الطاقة العالمية لاضطراب خطير. غير أن هذا الاحتواء لن يعيد الوضع إلى ما كان عليه، بل سيؤسس شرق أوسط أكثر عسكرة وأقل استقرارا، تعيش فيه الدول تحت منطق الردع الدائم.

أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر خطورة، فيكمن في توسع رقعة المواجهة عبر دخول فاعلين دوليين بشكل غير مباشر، سواء عبر البحر الأحمر أو شرق المتوسط أو حتى الفضاء السيبراني، مما قد يحول الصراع إلى مواجهة متعددة المسارح تشبه في بنيتها الحروب العالمية الحديثة، حيث تختلط الحرب العسكرية بالحرب الاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية.

لكن السيناريو الثالث، والأكثر واقعية وفق منطق العلاقات الدولية، هو استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم”، أي صراع طويل منخفض الحدة لكنه دائم، يعيد رسم خرائط النفوذ تدريجيا دون إعلان حرب عالمية رسمية. وهنا تحديدا تكمن خطورة المرحلة، لأن العالم قد يجد نفسه داخل حرب عالمية فعلية دون أن يعلنها أحد.

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا، لكنه يعيد إنتاج منطقه. وقبل أكثر من قرن، لم يدرك العالم أنه دخل الحرب العالمية الأولى إلا بعد فوات الأوان. واليوم، بينما يتابع الملايين الأخبار العاجلة لحظة بلحظة، قد يكون السؤال الحقيقي ليس متى ستبدأ الحرب العالمية الثالثة، بل ما إذا كانت قد بدأت بالفعل دون أن ننتبه إليها بعد.

 

عبد الحكيم العياط

باحث في العلوم السياسية