زهير حميدوش: بين التفكيك والتدبير.. مأزق المثقف في الحقل السياسي

زهير حميدوش: بين التفكيك والتدبير.. مأزق المثقف في الحقل السياسي زهير حميدوش

لا يلتقي المثقف والسياسة في فراغ، بل داخل حقل مشحون بتوتر بنيوي بين أنماط مختلفة لإنتاج المعنى. فالفكر يعيش على المساءلة والتعليق، بينما تقوم السياسة على الحسم والتثبيت والترجمة العملية. ومن هذه المفارقة لا ينشأ مجرد سوء تفاهم، بل بنية صراع على تعريف الواقع ذاته. تبدأ مأساة المثقف حين يُستوعب داخل السياسة دون أن يشعر بذلك الاستيعاب.

هنا يستعيد تشخيص ألتوسير لأجهزة الدولة الإيديولوجية راهنيته: المثقف لا يُقمع غالبا بالقوة، بل يُدمج في منظومات إنتاج المعنى الرسمي. يصبح جزءا من آلية تطبيع السلطة عبر التفسير. فالسلطة لا تحتاج إلى خطاب دعائي مباشر بقدر ما تحتاج إلى خطاب يجعلها قابلة للفهم، قابلة للقبول، قابلة للتأريخ. في هذه اللحظة، تتحول المعرفة إلى تقنية اشتغال، ويغدو النقد وظيفة، ويتحول المثقف إلى عامل في اقتصاد الشرعية الرمزية.

حنة آرندت ميّزت بين السلطة والعنف، ورأت أن الأولى تقوم على القبول الجماعي أكثر مما تقوم على الإكراه. غير أن هذا القبول ليس معطى طبيعيا، بل يُنتج داخل أنظمة خطابية محددة. هنا يظهر المثقف بوصفه وسيطا في إنتاج هذا القبول، ليس عبر القمع، بل عبر تحديد ما يمكن التفكير فيه بوصفه ممكنا. حين يُحدّد المثقف سقف التغيير باسم الواقعية، فهو لا يمارس مجرد رأي، بل يساهم في ضبط الخيال السياسي.

أما فوكو، فقد نقل سؤال السياسة من موقع السيادة إلى شبكات الحقيقة. السياسة ليست إدارة موارد فحسب، بل إدارة أنظمة قول: من يُسمح له بالكلام؟ ما الذي يُصنّف معرفة مشروعة؟ ما الذي يُعاد تعريفه كيوتوبيا أو شعبوية؟ داخل هذه الشبكات، لا يعود المثقف مراقبا خارجيا، بل أحد شروط إمكان الخطاب السياسي. غير أن مأزق هذا الانخراط يظهر حين يُعاد تقديمه بوصفه حيادا معرفيا: حين يُقدَّم المثقف التقني باعتباره خارج السياسة، بينما يشتغل داخلها عبر تحويل الصراع إلى مسألة خبرة، تتحقق صيغة متقدمة من الهيمنة الرمزية، هي الهيمنة التي لا تعلن نفسها، بل تعمل عبر لغة الموضوعية والتقنية.

جاك رانسيير تحدّث عن "التوزيع الحسّي"، أي عن القواعد التي تحدد من يُرى ومن يُسمع ومن يُحسب جزءا من الجماعة السياسية. المثقف حين يدخل أجهزة السلطة يشارك في إعادة رسم هذا التوزيع: يحدد أنماط الشرعية الرمزية، يضبط الحدود بين الواقعي والحالم، بين المسؤول والمزعج. بذلك لا يصف السياسة فحسب، بل يساهم في إعادة تشكيلها.

في هذا المستوى، تتبدّى العلاقة بين المثقف والسياسة كعلاقة تشابك بنيوي: السياسة تعيد تشكيل المثقف، والمثقف يعيد تشكيل السياسة، غير أن هذا التشابك ينتهي غالبا إلى اختزال السياسة في تقنيات تدبير، وإلى تحييد الفكر داخل أجهزة إنتاج المعنى.

يتجلى هذا التوتر البنيوي بوضوح في تجارب حزبية معاصرة تُبنى على منطق التعبئة والتنظيم والتدبير أكثر مما تُبنى على إنتاج القلق المعرفي. في مثل هذه السياقات، لا يُستدعى المثقف بوصفه منتجا للأسئلة، بل بوصفه مورّدا للسرديات. التنظيم، بوصفه جهازا، يحتاج استقرارا دلاليا، لا مساءلة إبستمولوجية، ويحتاج خطابا موحِّدا، لا تفكيكا مفاهيميا. لذلك يغدو المثقف عنصر اضطراب داخل الجهاز.

هنا لا يُقصي المثقف مباشرة، بل يُدفع إلى مسارات انسحاب رمزية. إما أن يتحول إلى خطيب تنظيمي يفقد مسافته النقدية، أو ينسحب إلى فضاءات موازية للفعل السياسي المباشر حيث يمكن للفكر أن يستعيد استقلاله النسبي. هذه الهجرة ليست حادثا فرديا، بل نتيجة بنيوية لهيمنة منطق الجهاز على منطق السؤال، ومنطق الاستقرار على منطق التفكيك. بهذا المعنى، لا تعكس أزمة المثقف داخل التنظيمات السياسية إخفاقا أخلاقيا للأفراد، بل تكشف حدود الوساطة الحزبية حين تتحول من فضاء للصراع الرمزي إلى جهاز لإدارة الإجماع.

الفكر يعيش على زعزعة المعنى، بينما التنظيم يعيش على تثبيته؛ ومن هذا التعارض تتولد بنية اغتراب تجعل المثقف فائضا وظيفيا داخل الحقل السياسي، حتى حين يُستدعى شكليا إلى واجهته الخطابية.

نيتشه رأى أن الحقيقة ليست سوى إرادة قوة مقنّعة. السياسة الحديثة تُجسّد هذه الإرادة عبر المعرفة، وحين يصبح المثقف جزءا من هذه الآلية، فإنه يخدم نمطا محددا من القوة، حتى حين يفعل ذلك باسم العقل أو الواقعية أو التاريخ. الأخطر هنا ليس وجود القوة، بل تحويلها إلى معيار معرفي، وإعادة تسمية التكيّف بوصفه حِكمة.

في هذا السياق، لا يعود السؤال ما إذا كان ينبغي للمثقف أن ينخرط في السياسة، بل ما إذا كان يمكن لهذا الانخراط أن يتم دون فقدان الموقع التفكيكي. كما لا يعود السؤال ما إذا كانت السياسة بحاجة إلى المثقف، بل ما إذا كانت قادرة على استيعابه دون تحويله إلى جهاز تبرير.

الحداثة السياسية قامت على وعد حُكم العقل، غير أن التاريخ كشف عن عقل متورّط في بُنى القوة. العقل لم يكن دائما حدًّا للسلطة، بل كثيرا ما أصبح أحد شروط اشتغالها الرمزية. لذلك، فإن الحديث عن "المثقف الحزبي" يفترض أنموذجا لم يعد واضحا ما إذا كان ما يزال قائما بذات الصيغة التي تشكل بها تاريخيا. فالبنية الحزبية المعاصرة، بوصفها آلية تنظيم وتمثيل انتخابي، تميل إلى ترجيح منطق التدبير والبراغماتية، بما يحمله من قابلية للتعبئة الشعوبية، وهو منطق لا يتطابق بالضرورة مع زمن الفكر النقدي القائم على الشك والتفكيك.

ليست المسألة، إذن، مجرد هجرة المثقف من الحزب، بل إشكال تموضع الفكر داخل منطق النظام التمثيلي، حيث تفرض الحاجة إلى آلة حصد المقاعد، الأولوية لمنطق الهيمنة على منطق السؤال. والأبعد من ذلك، أن سؤال المثقف نفسه أصبح محل مساءلة: إذ لم يعد واضحا ما إذا كان المثقف، بالمعنى الكلاسيكي، ما يزال يحتل موقعا مركزيا في المجال العمومي، أم أنه يُعاد تشكيله ضمن اقتصاد جديد للخطاب والانتباه، حيث تتنافس أصوات متعددة على تعريف المعنى والشرعية.

وفي هذا الإطار، تبرز أسئلة جوهرية: هل يمكن للفكر النقدي أن يستعيد حضوره التفكيكي خارج البُنى التنظيمية التقليدية؟ وهل يستطيع المجال العمومي، في ظل تحولات وسائط الاتصال وتعدد مصادر الشرعية الرمزية، أن يحتفظ بمساحة لإمكانات النقد التي تحدد المعنى بدل أن يُدار فقط وفق منطق التداول والانتباه؟

ليس الرهان، إذن، استعادة صورة المثقف بوصفه ضميرا طهرانيا يقف خارج السياسة، ولا تبرير اندماجه بوصفه قَدرا تاريخيا لا فكاك منه. الرهان الأعمق هو مساءلة الشروط التي تجعل الفكر ممكنا داخل السياسة دون أن يتحول إلى تقنية ضبط، وتجعل السياسة قابلة للتفكير دون أن تختزل إلى إدارة. فالمثقف، حين يحتفظ بمسافة التفكيك، لا يعارض السياسة من خارجها، بل يكشف حدود عقلانيتها المعلنة، ويعرّي ما تُخفيه من افتراضات حول الممكن والمستحيل، الواقعي واليوتوبيا.

غير أن هذه المسافة لم تعد تُبنى حصرا داخل الحزب أو الجامعة أو الصحافة، بل داخل فضاءات خطابية جديدة تتنازع على تعريف الشرعية والمعنى والانتباه. هنا يصبح المثقف أقل تمركزا وأكثر تشتتا، أقل امتلاكا للسلطة الرمزية وأكثر عرضة للمنافسة، لكنه في الوقت ذاته أكثر قدرة على الهروب من جهاز الاستيعاب التقليدي. لم يعد السؤال كيف يدخل المثقف السياسة، بل كيف يمكن للفكر أن يعمل داخل تعددية شبكات القول، بحيث لا يُختزل حضوره في مجرد مورد سردي أو وظيفة تقنية. والمحصلة: مثقف شبكي، هش ومتفتت، متلاشِ ضمن فضاء رحب.

 

زهير حميدوش، باحث في العلوم السياسية