عبد اللطيف جييد: مشروع 16.22 مجزرة تشريعية ضد العدول ولن نصمت أمام محاولات إقبار مهنتنا(مع فيديو)

عبد اللطيف جييد: مشروع 16.22 مجزرة تشريعية ضد العدول ولن نصمت أمام محاولات إقبار مهنتنا(مع فيديو) عبد اللطيف جييد، رئيس عدول الدار البيضاء

أعلن رئيس المجلس الجهوي للعدول باستئنافية الدار البيضاء، عبد اللطيف جييد، في حوار مع "أنفاس بريس " و" الوطن الآن"، عن تصعيد الحركة الاحتجاجية للعدول ضد مشروع القانون 16.22 الذي صادق عليه مجلس النواب وأحيل إلى مجلس المستشارين، معتبرا إياه "مجزرة تشريعية" تهدد أساس المهنة والأمن التعاقدي. وأكد جييد أن الإضراب سيشمل توقفا شاملا عن الخدمات من 2 إلى 10 مارس 2026.
 


بما أننا نعيش أجواء شهر رمضان، سنبدأ بسؤال يرتبط بهذا السياق، علما أن القليل من الناس يعرفون الدور الذي يقوم به السادة العدول في مراقبة هلال الأشهر الهجرية، وخاصة هلال رمضان الذي يثير كل سنة نقاشا وجدلا..؟
فعلا، يشارك السادة العدول في مراقبة هلال كل شهر هجري، بما في ذلك شهر رمضان. ففي الدار البيضاء وحدها توجد مجموعة من نقاط المراقبة يحضر فيها العدول، ويحررون عقودا تثبت ثبوت الهلال أو عدم ثبوته. للأسف، بلاغات وزارة الأوقاف لا تذكر دور العدول ضمن الهيئات المكلفة بالمراقبة، وهذا ورش نطالب الوزارة بالانتباه إليه، لأن مسؤولية المراقبة مسؤولية جسيمة وتتطلب الثقة في العدل.
ومن هنا تتجلى أهمية مهنة العدول، فهناك مجموعة من العقود مصدرها الثقة والمصداقية الممنوحة للعدول، منها مراقبة الهلال، وشهادات الإسلام لمن يعتنقون الدين الإسلامي، وعقود الزواج التي تعد من أسمى العقود وأغلاها، بل هي أهم من كثير من العقود المالية.
وهذا يعكس ثقة المغاربة في التوثيق العدلي منذ زمن، وليس وليد اليوم.


انطلاقا من هذه النقطة، ندخل إلى صلب الموضوع: أنتم مقبلون على سلسلة من الإضرابات، تبدأ من شهر مارس وتمتد إلى حدود الأسبوع الأول منه، حيث سيعرف القطاع توقفا شاملا عن تقديم خدمات مهنة العدول. نعود قليلا إلى الوراء: كيف بدأ هذا المشكل؟ هل كان هناك حوار مع وزارة العدل؟ وهل قامت الهيئة بدورها في الترافع من أجل إخراج مشروع قانون منصف ومتلائم مع طبيعة مهنتكم؟

الحوار مع وزارة العدل لم يكن في يوم من الأيام حوارا منقطعا، فمنذ أن تأكد للعدول أن القانون 16.03 المنظم حاليا لخطة العدالة لم يعد يساير التحولات التشريعية والتوثيقية في المغرب، بدأنا نطالب بمراجعته مراجعة شاملة. ومع حكومة عبد الإله بنكيران الأولى تم إطلاق حوار تشاركي مع وزارة العدل، بناء على مقتضيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة، لكن هذا الحوار لم يكن يكتمل أبدا، إذ كانت تتوقف المسارات عند كل ملاحظة أو اختلاف.

للأسف، القطاع الحكومي يتعامل مع مهنة التوثيق العدلي بمنطق سياسي، في حين أننا مهنة قضائية مساعدة للقضاء، ومهنة قانونية توثق عقود الناس وتضمن استقرار المعاملات، ولا علاقة لنا بالصراعات أو الخطابات السياسية.
نحن نشتغل ضمن إطار قانوني، ونطالب بالتعامل معنا في هذا الإطار فقط.  

 

بالنسبة لمسار الحوار، هل كان يتم في إطار محاضر رسمية موقعة بين الهيئة ووزارة العدل؟
طبعا، فالقانون ينظم الهيئة الوطنية للعدول بأجهزة منتخبة، تضم مكتبا تنفيذيا ومجالس جهوية، ومدة ولايتها لا تتجاوز ثلاث سنوات.
خلال الولاية السابقة جرى حوار مع وزارة العدل نتجت عنه عدة محاضر رسمية. ومع مجيء حكومة عزيز أخنوش استؤنف الحوار بناء على ملاحظات جديدة، ورافقه خروج العدول في إضرابات ووقفات احتجاجية أمام البرلمان ووزارة العدل ووزارة المالية.
بعد وساطة برلمانية تم عقد لقاء مع وزير العدل في شهر رمضان 2025، وتم الاتفاق على استئناف الحوار بناء على تلك الملاحظات، وهو ما استمر إلى حدود فترة تولي عبد اللطيف وهبي حقيبة العدل.
لكن الآن لم نعد في مرحلة حوار، بل دخلنا مرحلة المسطرة التشريعية، إذ تم إيداع مشروع القانون لدى الأمانة العامة للحكومة ثم إحالته على البرلمان.

 

هل دافعت وزارة العدل عن المشروع الذي تم التوافق حوله مع الهيئة الوطنية، أم تم إدخال تعديلات على مواده وفصوله؟ 
عندما يكون هناك اتفاق بين الهيئة الوطنية ووزارة العدل على مجموعة من المقتضيات، يصبح لدينا مشروع توافقي بين مؤسستين: وزارة العدل بصفتها الجهة الوصية وصاحبة المبادرة التشريعية، والهيئة الوطنية باعتبارها الممثل المهني.
لكن وزارة العدل لم تدافع بما يكفي عن مشروعها، بل إن وزير العدل أصبح يكتفي بالإحالة على رأي المجلس العلمي الأعلى، الذي لم يُنشر للرأي العام ولم نتمكن من الاطلاع عليه.

 

ما طبيعة هذا الرأي؟ وهل يتعارض مع مشروع قانون العدول؟ 
المشكل أننا لا نعرف حتى مضمون طلب الرأي الذي وجه إلى المجلس العلمي الأعلى، ولا كيفية صياغة السؤال، ولا طبيعة الأجوبة أو الردود التي وصلتنا منها إشارات متفرقة فقط من خلال تصريحات الوزير.
من خلال كلام وزير العدل، يتبين أن المجلس العلمي الأعلى يعارض مثلا أن يبقى توثيق معاملات الناس بيد عدل واحد بدل عدلين، مع العلم أن هذا مطلب قديم للعدول وما زال قائما..

 

البعض يستند في رفضه إلى النص القرآني: “وأشهدوا ذوي عدل منكم”، فما ردكم؟ 
النص القرآني يتحدث عن الشهادة، بينما نحن نمارس التوثيق والكتابة، لقوله تعالى: “فليكتب بينكم كاتب بالعدل”.
نحن نكتب ونوثق ولا نشهد إلا في حالات محدودة جدا، مثل مراقبة الأهلة، أو توثيق شهادة الإسلام، أو بعض الاتفاقات التي يمتنع فيها طرف عن التوقيع رغم تحقق المعاملة أمام العدل. في أغلب الحالات، يأتي الأطراف إلى العدل، يعبرون عن إرادتهم، يقدمون الوثائق، فيقوم العدل بتحرير العقد بخط يده، ويقرؤه عليهم ويوقعون، أين هي الشهادة هنا؟ نحن نوثق اتفاقاتهم ونضفي عليها الصبغة الرسمية لا أكثر.
بالتالي، إذا تأكدنا أن العدل لا يشهد وإنما يوثق، ينتفي مبرر اشتراط عدلين، ولا تبقى هناك ضرورة لخطاب القاضي أيضا.

 

من هنا ننتقل إلى سؤال مرتبط بالنساء: هل يمكن للمرأة أن تمارس المهنة كعدل موثقة في ظل تصوركم القانوني؟  
بالطبع، فالمرأة اليوم تمارس المهنة فعليا بعد فتح الباب أمامها، ونحن نؤكد أن الأمر لا يتعلق بشهادة وإنما بتوثيق، وبالتالي فعدل واحد، رجلا كان أو امرأة، كاف لتحرير العقد.
الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة تحدث عن “الكاتب العدل” كتصور عام، بما يتيح ولوج النساء للمهنة، مع مراعاة الخصوصية المغربية عبر نقاش هادئ يفضي إلى نظام يلائم العصر والواقع العملي.

 

نعود إلى مسار التشريع، بعد إحالة المشروع على مجلس النواب والمصادقة عليه، هل تواصلتم مع رؤساء الفرق النيابية للترافع حول ملاحظاتكم؟  
من المفروض، بعد صياغة المشروع في الأمانة العامة للحكومة وأخذ ملاحظات القطاعات الحكومية، أن تُمكن الهيئة الوطنية من نسخة رسمية أو على الأقل حق الاطلاع، لكن ذلك لم يتم، واضطررنا للحصول على نسخة من البرلمان لا من وزارة العدل.
هذه الصيغة التي توصلنا بها تختلف عن الصيغة التي تم التوافق حولها خلال جلسات الحوار السابقة.

 

ما أبرز نقاط الخلاف؟  
أولا، تمت إزالة ديباجة القانون، رغم أن الديباجة جزء أساسي يبرز فلسفة النص وأهمية القطاع.
ثانيا، تم لأول مرة استعمال عبارة “مهنة العدول” بدل “خطة العدالة”، مع أن التطور اللغوي والمؤسساتي يفرض الحديث عن “مهنة التوثيق العدلي”، كما نقول مهنة الطب ومهنة المحاماة.
الإشكال أن استعمال لفظ “التوثيق العدلي” يُعتبر عند البعض خلطا مع “التوثيق العصري”، بينما كل المصادر القانونية القديمة تتحدث عن العدل باعتباره موثقا، والديباجة الحالية لقانون 16.03 تعرف العدل بكونه موثقا.

هناك أيضا تعارض في الاختصاصات بين العدول والموثقين، خاصة في المجال العقاري، حيث كان الأصل تاريخيا أن العدول يوثقون العقارات، بينما أدخل الاستعمار الفرنسي مهنة التوثيق العصري سنة 1925، ثم توسع اختصاصها.
اليوم، العدول يغطون جميع التراب الوطني، بينما عدد الموثقين محدود، ومع ذلك يُحرم العدول من بعض أنواع العقود العقارية، خصوصا السكن الاجتماعي والعقار المدعم، بحجة غياب حسابات الودائع لديهم.

 

نصل هنا إلى نقطة “الأمن التعاقدي” و”صندوق الودائع”، وهي من النقاط الخلافية الكبرى. كيف توضحون ذلك للمواطن؟ 
الأمن التعاقدي جزء من الأمن القانوني، ويقتضي أن تمر العقود بسلاسة وأمان، وأن يحصل كل ذي حق على حقه.
في مثال بيع عقار محفظ: إذا تسلم البائع الثمن كاملا عند توقيع العقد وغادر، بينما المشتري ينتظر استكمال الإجراءات من تسجيل وخطاب القاضي وتقييد بالمحافظة العقارية، فإن أي حجز أو تقييد احتياطي قد يطرأ في تلك الفترة يهدد حقوق المشتري، خاصة إذا كان البائع سيء النية وباع العقار أكثر من مرة.
في ظل غياب آلية للإيداع لدى العدول، تصبح أموال الناس معرضة لخطر كبير، وهو ما يمس الأمن التعاقدي والاقتصاد الوطني في آن واحد.
صرح وزير العدل أمام البرلمان بأن مؤسسات مالية رفضت منح العدول آلية الإيداع بحجة الخوف من سوء تدبير الأموال، مع أن التجارب المقارنة داخل المغرب وخارجه تثبت إمكانية إيجاد صيغ تقنية آمنة، كما هو معمول به لدى الموثقين والمحامين وبعض الإدارات.

 

في هذا السياق، تتحدثون عن تضارب مصالح داخل الحكومة والبرلمان، كيف ذلك؟  
في سنة 2023، خلال مناقشة قانون المالية، صرح وزير العدل أمام لجنة العدل والتشريع بأن العدول لن يتمكنوا من توثيق العقود المدعمة إلا بعد تمكينهم من آلية الإيداع. مباشرة بعد هذا التصريح، عقدت المجالس الجهوية للموثقين اجتماعات استثنائية وأصدرت بيانات منظمة ضد العدول، مما أدى إلى إصدار بيان للمجلس الوطني للموثقين وقعه رئيسه آنذاك هشام الصابر، الذي أصبح فيما بعد وزيرا في نفس الحكومة التي أحالت مشروع قانون 16.22 على البرلمان.

كما أن هناك موثقين برلمانيين صوتوا على المشروع، ما يطرح إشكالية تضارب المصالح عندما يمتزج الدفاع عن مصالح مهنية ضيقة بالعمل التشريعي الذي يفترض أن يخدم المصلحة العامة.

 

هل تقولون إن هناك لوبي للموثقين يعرقل توسيع اختصاصات العدول؟
السادة الموثقون من حقهم الدفاع عن مصالح مهنتهم وممارسة الضغط المشروع، وهذا معمول به في كل الديمقراطيات.
لكن الإشكال ليس في الموثقين، بل في الحكومة والبرلمان باعتبارهما مؤسسات تم انتخابها لخدمة المصلحة العامة، وليس لخدمة مهنة ضد أخرى.
نحن نرفض أن يتحول التشريع إلى “قانون على المقاس”، ونطالب بنص يحقق العدالة المهنية ويحمي المواطن والخزينة العامة في آن واحد.

 

ما الخطوات التي قمتم بها داخل البرلمان للترافع عن ملاحظاتكم؟  
تواصلنا مع جميع الفرق البرلمانية والمجموعات النيابية، أغلبية ومعارضة، وعقد فريق العدالة والتنمية يوما دراسيا حضره وزير العدل ورئيس الهيئة الوطنية للعدول، وتم خلاله بسط ملاحظاتنا بالتفصيل. كما نظمنا يوما دراسيا بشراكة مع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، وكان النقاش مثمرا، بل إن عددا من البرلمانيين قدموا لنا ملاحظات إضافية عززت موقفنا.
خلال المناقشة التفصيلية للمشروع داخل اللجنة، انسجمت ملاحظات أغلب الفرق مع مطالبنا، ما أعطانا الانطباع بأن ضمير المشرع يميل إلى حماية المهنة والمصلحة العامة، لكن عند لحظة التصويت تم سحب تلك التعديلات من طرف فرق الأغلبية، فتمت المصادقة على النص دون جوهر التعديلات المقترحة.

 

اليوم، المشروع أحيل على مجلس المستشارين، وأنتم في تصعيد نضالي جديد. ما طبيعة هذا التصعيد؟ 
بعد إضراب يومي 18 و19 فبراير 2026، الذي اعتبرناه إنذارا أوليا، قررت الهيئة الوطنية الدخول في أسبوع كامل من التوقف عن العمل من 2 إلى 10 مارس 2026، مع إمكانية تمديد البرنامج النضالي بحسب تطورات مناقشة المشروع في مجلس المستشارين.
هناك حالة تذمر واسعة في صفوف العدول، وصلت في بعض المجالس الجهوية حد التلويح بالاستقالة الجماعية، كما حدث في مجلس الرباط، لأن الانتظار دام عقودا، فجاء المشروع مخيبا للآمال في نقاط جوهرية.

 

ما انعكاس هذا الإضراب على المواطن؟  
نحن ندرك أن الإضراب يضر بمصالح المواطنين، ولذلك كنا نتجنب هذه الخطوة لسنوات، لكن استمرار تجاهل المطالب يجعل من التعطيل المؤقت أقل ضررا من تمرير قانون يهدد الأمن التعاقدي ويمس الاقتصاد الوطني على المدى البعيد.
حاليا، لا نتحدث عن استثناءات أو “حالات استعجال”، فالقرار هو التوقف الشامل خلال الفترة المعلنة لإيصال الرسالة بوضوح.

 

تطالبون الآن بتدخل رئيس الحكومة، كيف تتصورون دور رئاسة الحكومة في هذا الملف؟

نعم، نطالب رئيس الحكومة بفتح حوار جدي معنا، كما فعل مع هيئة المحامين، مع العلم أن حزب رئيس الحكومة نفسه كان جزءا من الأغلبية التي صوتت على النص في مجلس النواب.
نريد أن نضع بين يديه ملاحظاتنا المحددة، فهي ليست كثيرة ولا مكلفة ماليا، لكنها حاسمة في حماية المهنة والمواطن والاقتصاد.

 

في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها؟  
أولا، العدول لا يشتغلون بأموال الناس ولا يرغبون في الإمساك بها خارج إطار قانوني مؤطر وآمن، بل يطالبون بآلية إيداع تحصن حقوق المتعاقدين وتعزز الأمن التعاقدي.
ثانيا، العدول لا يمارسون الشهادة بالمعنى الفقهي في معظم أعمالهم، بل يمارسون التوثيق في إطار قانوني حديث.
ثالثا، إذا تم تنفيذ توصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة بإشراك المهنيين، سنصل إلى نص متوازن يغني عن الإضرابات والاحتجاجات ويحفظ حقوق الجميع.

 

https://anfaspress.com/videos/voir/29768-2026-02-27-11-26-47