عائشة العلوي
في ظل التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وما يرافقه من توتر إقليمي يهدد أمن الملاحة وإمدادات الطاقة، تعود المخاوف الاقتصادية إلى الواجهة، ليس فقط على مستوى أسعار النفط، بل أيضاً على مستوى كلفة التأمين والشحن والنقل البحري. فكل ارتفاع في مخاطر الحرب ينعكس تلقائياً على أقساط التأمين على السفن والشحنات، خاصة النفط والمواد الأولية، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع كلفة الاستيراد وأسعار عدد من السلع المرتبطة بها.
وتستحضر هذه التطورات تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد المغربي، حين برز اختلال سلاسل التوريد وارتفعت أسعار المواد الغذائية والطاقة، وكانت تلك التحولات أحد أبرز التحديات التي واجهت حكومة عزيز أخنوش في بداية ولايتها. واليوم، يطرح السؤال مجدداً حول طبيعة التداعيات المحتملة لأي تصعيد جديد على التموين والأسعار والتوازنات الاقتصادية الوطنية.
في هذا السياق، فتحت "أنفاس بريس"، النقاش مع عائشة العلوي، أستاذة جامعية - خبيرة في السياسات الاقتصادية، وأثمر هذه الورقة:
يشهد الشرق الأوسط منذ أواخر فبراير 2026 تحوّلًا استراتيجيًا خطيرًا مع اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في تطور أنهى سنوات من “حرب الظل” وحوّلها إلى صراع مفتوح ذي أبعاد إقليمية ودولية معقدة. هذا التصعيد لا يمكن قراءته فقط باعتباره مواجهة عسكرية محدودة، بل باعتباره لحظة إعادة تشكيل لموازين القوى في المنطقة، ونقطة ارتكاز لتحولات جيوسياسية وجيواقتصادية تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتطال الاقتصاد العالمي، بما في ذلك اقتصادات بعيدة جغرافيًا مثل المغرب.
من الناحية الجيوسياسية، تعكس هذه الحرب انتقال الصراع من مستوى الردع المتبادل والعمليات غير المباشرة إلى محاولة فرض وقائع استراتيجية جديدة على الأرض. فإضعاف إيران عسكريًا أو سياسيًا يعني تقليص نفوذها في ملفات إقليمية عدة، من الخليج إلى شرق المتوسط، وهو ما قد يفتح المجال أمام إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية. في المقابل، فإن انخراط الولايات المتحدة عسكريًا يمنح الصراع بعدًا دوليًا واضحًا، ويعيد تأكيد حضورها الأمني في منطقة حاولت خلال السنوات الأخيرة تخفيف انخراطها المباشر فيها. هذا التطور يضع القوى الدولية الأخرى، مثل الصين وروسيا، أمام معادلة دقيقة بين حماية مصالحها الطاقية والاستراتيجية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة كبرى. كما أن أي اضطراب طويل الأمد في أمن الممرات البحرية، خصوصًا مضيق هرمز، سيعني أن الصراع لم يعد محليًا بل أصبح مرتبطًا بالأمن الاقتصادي العالمي.
أما على المستوى الجيواقتصادي، فإن التأثير الأكثر مباشرة يتمثل في أسواق الطاقة. فمجرد ارتفاع احتمالات تعطّل الإمدادات من الخليج يؤدي إلى قفزات في أسعار النفط والغاز، ويغذي موجات تضخمية عالمية جديدة في وقت لم تتعاف فيه الاقتصادات كليًا من صدمات سابقة. ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر أثره على فاتورة الوقود، بل يمتد إلى تكاليف النقل والصناعة والغذاء، ما يخلق سلسلة تضخمية مترابطة. كما أن حالة عدم اليقين تدفع المستثمرين إلى التحوّط، فتتجه رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة كالذهب والسندات، بينما تتعرض أسواق الأسهم في الاقتصادات الناشئة لضغوط وتقلبات حادة. كذلك ترتفع تكاليف التأمين والشحن البحري في المناطق القريبة من مسرح العمليات، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة التجارة الدولية.
في هذا السياق، يجد المغرب نفسه متأثرًا بشكل غير مباشر ولكن ملموس. فباعتباره بلدًا مستوردًا للطاقة، فإن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط والغاز يعني زيادة في فاتورة الواردات الطاقية، ما يضغط على الميزان التجاري ويؤثر على احتياطات العملة الصعبة. كما أن ارتفاع تكاليف النقل والشحن ينعكس على أسعار السلع المستوردة، سواء كانت مواد أولية للصناعة أو منتجات استهلاكية، وهو ما قد يعيد تغذية الضغوط التضخمية ويؤثر على القدرة الشرائية للأسر. ومن جهة أخرى، فإن تراجع شهية المستثمرين الدوليين للمخاطرة في فترات التوتر الجيوسياسي قد يؤثر على تدفقات الاستثمار الأجنبي نحو الاقتصادات الناشئة، بما فيها المغرب، خاصة إذا طال أمد الحرب وازدادت حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
غير أن الصورة ليست سلبية بالكامل؛ فالأزمات الجيوسياسية غالبًا ما تخلق أيضًا فرصًا لإعادة التموضع الاستراتيجي. فالمغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة استثمارات مهمة في الطاقات المتجددة، يمكنه تسريع وتيرة الانتقال الطاقي لتقليص هشاشته تجاه تقلبات الأسواق العالمية. كما أن موقعه الجغرافي واستقراره السياسي قد يعززان جاذبيته كمنصة صناعية ولوجستية بديلة للشركات الباحثة عن تنويع سلاسل التوريد بعيدًا عن مناطق النزاع. إضافة إلى ذلك، فإن قوة الروابط الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي قد توفر هامشًا من الاستقرار، خاصة إذا سعت أوروبا إلى تعزيز شراكاتها مع جوارها الجنوبي لضمان أمنها الطاقي والغذائي.
في المحصلة، تمثل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى اختبارًا حقيقيًا لمرونة النظام الدولي ولقدرة الاقتصادات الوطنية على امتصاص الصدمات الخارجية. وبالنسبة للمغرب، فإن التحدي لا يكمن فقط في مواجهة الآثار الآنية لارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب الأسواق، بل في تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لتعزيز الأمن الطاقي، وتنويع الشركاء التجاريين، وتقوية الأسس الهيكلية للاقتصاد. فالعالم يدخل مرحلة تتسم بتشابك أكبر بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد، ومن يمتلك القدرة على التكيف السريع مع هذه التحولات سيكون الأقدر على حماية استقراره وتحقيق نمو مستدام في بيئة دولية شديدة التقلب.