موليم العروسي وحبيب سروري يُصدران محاورتهما حول الذكاء الاصطناعي في كتاب جديد

موليم العروسي وحبيب سروري يُصدران محاورتهما حول الذكاء الاصطناعي في كتاب جديد الكاتبان موليم العروسي (يسارا) وحبيب سروري مع غلاف كتابهما الجديد

تكتب الخوارزميةُ، اليوم، وتترجم وتقترح وتحاكي أساليب البشر، بل قد تفوز عليهم كما تفعل برامج حاسوبيةٌ تتفوق على أبطال العالم في ألعابٍ ذهنيةٍ معقّدة، من هنا يغدو السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا بقي من تعريفنا القديم للعقل؟ وأيُّ موقعٍ نحتله، نحن العرب، داخل هذا التحوّل الذي يعيد رسم حدود الوعي الإنساني؟ من هذه العتبة تحديداً ينفتح كتاب "الذكاء الاصطناعي، الروح/ الدماغ، ووهم العقل العربي" لعالِم الحاسوب والكاتب الروائي اليمني حبيب سروري والكاتب وأستاذ الفلسفة الباحث الجمالي المغربي موليم العروسي، (منشورات المتوسط، 2026) باعتباره محاولةً معرفيةً نقديةً لسدّ فجوةٍ واضحةٍ في الثقافة العربية المعاصرة إزاء قضايا أصبحت في صلب اهتمامات العالم، تتصل بالدماغ، الذكاء الاصطناعي والتفكير.

ينطلق الكتاب من تشخيصٍ دقيقٍ لمفارقةٍ لافتة. القرن الحادي والعشرون، الذي يوصف بأنّه "قرن الدماغ"، يشهد تقدّماً هائلاً في علوم الأعصاب وتقنيات الذكاء الاصطناعي، فيما لا تزال موضوعاتٌ أساسيةٌ من هذا القبيل بعيدةً عن التداول العربي العام، أو محاطةً بتصوّراتٍ تقليديةٍ ترجع التفكير والمشاعر والحكمة إلى القلب، متأثرةً بموروثاتٍ دينيةٍ ورمزيةٍ قديمة، رغم أنّ العلم الحديث يثبت أنّ الدماغ هو مركز العمليات العقلية والوجدانية. من هنا يقدّم المؤلفان عرضاً مبسّطاً للقارئ غير المتخصّص، يشرح الأسس البيولوجية للتفكير، وبنية العصبونات ومبدأ الشبكات العصبية الاصطناعية، وصِلتها بمحاكاة عمل الدماغ.

يتخذ العمل شكل محاورة تفاعليٍّة بين كاتبين يوسّعان أفق الرؤية عبر التفكير المشترك. المحاورة لا تخلو من اختلافٍ في الحساسيات ووجهات النظر، غير أنّه اختلافٌ منتجٌ يفتح أسئلةً أكثر ممّا يقدّم أجوبةً نهائية، ويترك للقارئ مساحةً للتأمّل والمساءلة.

ويحظى الذكاء الاصطناعي بحيّزٍ أساسيٍّ في النقاش، باعتباره المجال الذي اقتحم الحياة اليومية وأعاد تعريف معنى الذكاء. فالآلات باتت قادرةً على التعرّف إلى الصور، وقيادة السيارات وتشخيص الأمراض والترجمة بين اللغات، وإنتاج نصوصٍ وصورٍ وأعمالٍ فنيةٍ من خلال ما يعرف بالذكاء الاصطناعي التوليدي مثل "شات جي بي تي" ChatGPT. ويتوقّف الكتاب عند حدثٍ مفصليٍّ تمثّل في انتصار برنامج AlphaGo سنة 2016، بما حمله من دلالةٍ على انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرّد قوةٍ حسابيةٍ إلى قدرةٍ على التعلم الذاتي وابتكار استراتيجياتٍ غير متوقعة. غير أنّ هذا العرض لا يقع في أسر الانبهار، إذ يطرح المؤلفان أسئلةً نقديةً حول مخاطر هذه التقنيات، وضرورة شفافية خوارزمياتها، وضبط سياساتها بما يضمن تكاملاً إيجابياً بين الذكاءين البشري والاصطناعي داخل منظومةٍ إنسانيةٍ متوازنة.

ينتقل النقاش، بعد ذلك، إلى مسألة التفكير وما يُسمّى بـ"العقل العربي". هنا يتخذ الكتاب منحى نقدياًّ واضحاً، إذ يعتبر هذا المفهوم "وهماً جوهرانياً بلا أساسٍ علمي"، فلا يوجد اختلافٌ بيولوجيٌّ بين البشر يمنح العرب عقلاً خاصاًّ. الدماغ وآلياته واحدةٌ لدى الجميع، والتفكير لا يرتبط بلغةٍ أو عِرق، كما أنّ اللغات تشترك في بنيةٍ عميقةٍ تدلّ على وحدة الأساس المعرفي الإنساني. ويرى المؤلفان أنّ الثقافات ليست جُزراً معزولة، فهي فضاءٌ إنساني متداخل تبادلت فيه الأمم التأثير عبر التاريخ، من الرياضيات إلى الفلسفة، وأنّ تقديم العقل العربي ككيانٍ مكتفٍ بذاته يقود إلى الانغلاق ورفض الاعتراف بالقصور، ويعيق التعدّدية والإبداع.

انبثق هذا الكتاب من حوارٍ بدأ بعد محاضرةٍ في ميلانو عام 2024، إثر خلطٍ بين العقل والمعتقد، ثمّ اتّسع ليشمل قضايا الدماغ والذكاء الاصطناعي ومفهوم العروبة. ويخلص إلى أنّ ما يجمع العرب هو اللغة والثقافة، لا عقلٌ خاصٌّ منفصل، وأنّ التقدّم يظلّ رهيناً بالعقل النقدي والانفتاح على العقل الإنساني الكوني، في أفق تكاملٍ إنساني وتكنولوجي أكثر وعياً.

 

 

المصدر: عن "العربي الجديد"