محمد أغياي: الفعل التكويني.. من نقل المعرفة إلى التفاعل البيداغوجي النشط

محمد أغياي: الفعل التكويني.. من نقل المعرفة إلى التفاعل البيداغوجي النشط محمد أغياي

لا يمكن اختزال الفعل التكويني في كونه مجرد ممارسة تقنية تهدف إلى نقل المعارف والكفايات والمهارات . فهو في جوهره فضاء اجتماعي منظم تتشابك داخله العلاقات والتفاعلات، ويعاد فيه باستمرار إنتاج أشكال الشرعية والاعتراف. 
فالدورة التكوينية ليست مجرد زمن للتعلم، بل هي حقل رمزي تحدد داخله مواقع الفاعلين وفق ما يمتلكونه من رأسمال معرفي وتربوي ورمزي، مما يمنح كل تجربة معنى خاصا وسياقها المتفرد.
في هذا السياق، تتجاوز المكانة المهنية للمكون بعدها السلوكي الظاهر لتصبح تموضعا واعيا داخل الحقل التكويني. إن قدرة المكون على توفير مناخ أخلاقي ووجداني آمن أثناء لحظات التبادل لا تمثل مجرد إجراء تنظيمي، بل هي ممارسة فاعلة لإنتاج الثقة، باعتبارها رأسمالا رمزيا يؤسس لشرعيته داخل الجماعة. وعندما يشعر المتدرب بالأمان والاعتراف، يتحول من متلق سلبي إلى فاعل مشارك في بناء المعنى، ما يعيد تشكيل طبيعة التفاعل البيداغوجي نفسه.
غير أن هذه الشرعية ليست ثابتة، بل هي نتاج توازن دقيق بين الوضعية المهنية للمكون والمسؤولية الأخلاقية.فالمكون يمتلك سلطة رمزية لتعريف المعايير وضبط الإيقاع التكويني للدورة، إلا أن هذه السلطة قد تتحول إلى شكل من أشكال الهيمنة أو العنف الرمزي إن لم تمارس بوعي نقدي يراعي الفروق الفردية ويقدر تعدد الرأسمال الثقافي للمتدربين. ومن ثم، يصبح الوعي بالتموضع داخل الحقل التدريبي شرطا أساسيا لتفادي إعادة إنتاج الهيمنة الرمزية داخل الفضاء التكويني.
أما التتبع والتقييم، فيتجاوز بعده التقويمي الظاهر ليصبح سيرورة اعتراف تعيد إنتاج الهوية المهنية للمتدرب. فالمعايير لا تحدد شروط النجاح فحسب، بل ترسم حدود المشروع والمقبول داخل الجماعة التكوينية. إن صياغة التقديرات، في هذا السياق، لا تكتفي بوصف الأداء، بل تسهم في إعادة تشكيل صورة الذات لدى المتدرب، بين تثمين المكتسبات وتوجيه إمكانات التطور. وهكذا تتحول لحظة التقييم إلى فضاء تفاعلي تعاد فيه صياغة العلاقة بين السلطة الرمزية والاعتراف.
في المقابل، لا يفهم تدبير الزمن التكويني باعتباره مجرد توزيع تقني للنشاطات، بل باعتباره تنظيما اجتماعيا للمعنى. فاختيار الأهداف، وتحديد الغايات، وتكييف طرائق نقل المعرفة، كلها ممارسات تحدد شكل المشاركة داخل الجماعة وتعيد رسم حدود الأدوار. يصبح الفضاء التكويني، بهذا المعنى، مسرحا اجتماعيا تدار فيه الانطباعات والتفاعلات، وتبنى فيه الصور المهنية، حيث يسعى المكون إلى الحفاظ على اتساق صورته الرمزية، بينما يفاوض المتدربون مواقعهم ضمن دينامية الاعتراف والاندماج.
وعليه، يغدو التكوين سيرورة اجتماعية مركبة تتقاطع فيها السلطة الرمزية بالمسؤولية، والضبط بالتحفيز، والمعرفة بالاعتراف. إنه مجال لإنتاج الشرعية المهنية بقدر ما هو مجال لبناء الكفايات وتعزيز القدرات والمهارات.
ومن ثم، فإن فهم الفعل التكويني يقتضي تحليله ضمن منطق الحقل والتفاعل، حيث لا تكون المعرفة مجرد محتوى ينقل، بل موردا رمزيا يعاد إنتاجه داخل علاقات اجتماعية حية، مليئة بالديناميات الإنسانية والتربوية.