‏محمد النصراوي: ‏مقامرة الشرق الأوسط الكبرى.. هل اقتربت ساعة الحسم؟

‏محمد النصراوي: ‏مقامرة الشرق الأوسط الكبرى.. هل اقتربت ساعة الحسم؟ ‏محمد النصراوي

‏دخلت المنطقة منعطفاً هو الأخطر منذ عقود، حيث تجاوزت المواجهة بين طهران وتل أبيب ومن خلفها واشنطن، قواعد الاشتباك التقليدية لتتحول إلى حرب كسر إرادات شاملة، هذا التصعيد غير المسبوق يتزامن مع استراتيجية إيرانية جديدة تعتمد على إعماء الخصم؛ فاستهداف الرادارات ومراكز الاستشعار الأمريكية في الخليج لم يكن عشوائياً، بل هو جهد استخباراتي مركز لتعطيل منظومات الإنذار المبكر، وهو ما يفسر وصول الصواريخ الإيرانية في الموجات الأخيرة إلى أهدافها بدقة أعلى وبنسبة اعتراضٍ اقل بعد أن فقدت الدفاعات الجوية الإسرائيلية والأمريكية قدرتها على التنبؤ بمسارات المقذوفات في الوقت المناسب.


‏في المقابل، تبدو الاستراتيجية الأمريكية تحت إدارة ترامب وكأنها تسير في مسارين متوازيين؛ الضغط العسكري الساحق والدبلوماسية الخشنة، فبينما يتحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن طاولة مفاوضات فجرها ترامب، نجد أن الأخير يرفع سقف المطالب إلى حدود الاستسلام الكامل، واشنطن اليوم لا تطلب مجرد العودة للاتفاق النووي بل تشترط تسليم كامل مخزون اليورانيوم وتقييد مدى الصواريخ الباليستية إلى 300 كيلومتر فقط، وهو ما يعني تجريد إيران من ذراعها الطولى وقدرتها على تهديد العمق الإسرائيلي أو حتى العواصم الإقليمية، هذا المطلب يمثل بالنسبة للنظام في طهران انتحاراً سياسياً، مما يجعل خيار الصمود فوق مستوى التصور هو الرهان الوحيد المتبقي لديه، رغم الضربات الموجعة التي طالت بنك أهدافه الحيوي.


‏الميدان يتحدث بلغة أخرى أكثر تعقيداً، استدعاء إسرائيل لـ 100 ألف جندي من الاحتياط ليس مجرد إجراء دفاعي، بل هو مؤشر صارخ على نية غزو بري لجنوب لبنان، في محاولة لقطع أذرع طهران بعد أن فشلت الضربات الجوية في تحقيق الحسم المطلق، ومع ذلك، يظل الثقب الأسود في هذه الحرب هو الداخل الإيراني، فالاختراقات الأمنية التي بدأت باستهداف القيادة العليا في هذه الحرب والحرب التي قبلها، وانتهاءاً بمقتل المرشد الايراني بضربة جوية، كشفت عن ترهل أمني كبير، الإحداثيات لم تأتِ من الأقمار الصناعية فحسب، بل من داخل الدائرة الأولى لصنع القرار، مما يعني أن النظام يقاتل عدواً في الخارج وخيانة في الداخل.


‏وعلى الجانب الآخر، تبرز المعضلة الكبرى أمام دونالد ترامب؛ هل يسقط النظام الإيراني فعلياً؟ الحسابات السياسية تشير إلى أن ترامب، ورغم ميله للتصعيد، يدرك كلفة الفوضى الشاملة، سقوط نظام مركزي كالنظام الإيراني دون بديل جاهز وموحد يعني تحويل إيران إلى بؤرة لتصدير الإرهاب والفوضى، وهو نموذج عراق 2003 الذي لا يريد ترامب تكراره، لذا، فإن الهدف المعلن قد يكون إيصال النظام إلى حافة الانهيار لإرغامه على توقيع اتفاق ينهي طموحاته الإقليمية والنووية للأبد، دون الانزلاق إلى مسؤولية إدارة دولة منهارة يسكنها أكثر من 85 مليون نسمة.


‏أما دول الخليج، فهي تجد نفسها في عين العاصفة، الاستهداف الإيراني لمطار الكويت، وتهديدات المسيرات لمنشآت الطاقة، والتلويح بغلق مضيق هرمز وباب المندب، كلها أوراق ضغط تستخدمها طهران لتحويل الرفاه الخليجي إلى رهينة، إيران تدرك أن استهداف منصات النفط والمطارات المدنية والفنادق لا يتطلب جيوشاً جرارة بل بضع مئات من المسيرات رخيصة التكلفة التي يمكنها قلب حياة الملايين جحيماً، هذا هو السلاح الأخير الذي تشهره طهران في وجه العالم، محاولةً إقناع واشنطن بأن كلفة إسقاطها ستكون انهيار الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات فلكية.


‏إننا أمام مشهد معقد؛ فرنسا ترسل حاملة طائراتها شارل ديغول الى شرق المتوسط، وبريطانيا تفتح قواعدها دون انخراط مباشر، مما يشير إلى تردد في الموقف الأوروبي تجاه مغامرة ترامب، وفي الوقت ذاته، ترفض طهران الوساطات الإيطالية وتستمر في قصف القواعد العسكرية، مما يوحي بأننا لسنا أمام حرب خاطفة بل أمام حرب استنزاف طويلة كما تصفها مصادر الجيش الإسرائيلي.


‏المنطقة اليوم تقف أمام سيناريوهين لا ثالث لهما؛ إما صفقة كبرى يفرضها ترامب تحت النار تعيد رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط او انفجار إقليمي شامل يطيح بخرائط الاستقرار الاقتصادي ويحول عواصم المنطقة إلى ساحات صراع مفتوحة، إيران أثبتت أنها قادرة على الضرب من خلف الركام؛ لكن، إلى متى يمكن لهذا الركام أن يصمد أمام آلة دمار أمريكية وإسرائيلية لا تكتفي بضرب العسكر، بل تستهدف الآن شل حياة الدولة والمجتمع بالكامل لإجبار الشعب على الثورة؟ الساعات القادمة لن تحدد مصير النظام في طهران فحسب، بل ستحدد وجه الشرق الأوسط للقرن القادم.