الحسين بكار السباعي
لم يكن موقف الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله تراه من ثورة الخميني سنة 1979 مجرد رد فعل ديبلوماسي ، بل كان تجليا لعبقرية سياسية قرأت في "تصدير الثورة" مشروع لتفتيت الهويات الوطنية واستبدالها بكيانات طائفية هجينة. لقد أدرك "مهندس الاستقرار" رحمه الله حينها أن القوة لا تكمن فقط في العتاد العسكري ، بل في تحصين الوجدان المغربي القائم على إمارة المؤمنين، وهي المؤسسة التي شكلت على مر السنين صمام أمان ضد أي إختراق عقدي يسعى لرهن القرار السيادي لمراكز نفوذ خارجية.
و رجوعا الى التاريخ القريب ووقائعه السياسية التي أفرزت الثورة الإيرانية، والتي كانت نتيحة نوع من "الإغتراب الثقافي"الذي يعرفه حينها المجتمع الإيراني و بسبب فجوة طبقية حادة حولت المساجد إلى معاقل سياسية ، مما مهد الطريق لفرض مفهوم "ولاية الفقيه" كحكم ديني مطلق يتجاوز حدود الدولة الوطنية. حيت أدى هذا التحول إلى إحلال "الولاء للمرشد" محل السيادة الوطنية، مما جعل مشروع "تصدير الثورة" أداة أيديولوجية للتوسع الإقليمي وزعزعة استقرار الدول العربية والاسلامية.
حينها وبينما كان البعض ينتشي بشعارات الثورة، كان المغرب يرى وراء الأفق محاولات المساس بشرعية نظامه الملكي العريق، وما دعم طهران للإنفصال في الصحراء المغربية إلا الوجه القبيح لذلك الإستهداف الذي تداخلت فيه الأطماع الجيوسياسية بالأوهام المذهبية.
إن الحديث اليوم عن "اختراق" شيعي للمغرب ومن وجهة نظرا المتواضعة، يبدو مبالغ فيه إذا ما قيس بصلابة الكتلة التاريخية والمذهبية للمغاربة القائمة على الوسطية والإعتدال الديني، والتي يحدد محورها الأساس المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية ، غير أنه يظل تساؤل مشروع أمام خرجات غير محسوبة لفئة لازالت ترتهن لخطاب عاطفي مأزوم ومتجاوز. هذا التعاطف الذي يبديه البعض مع إيران في مواجهة الضغوط الدولية، متجاهلين طعناتها في خاصرة الدول العربية السنية كالإمارات والبحرين وقطر والأردن والكويت، وهو أمر لا يفسره العقل السياسي بقدر ما يفسره "الاستلاب الهوياتي"، هؤلاء يسقطون في فخ "العداء المشترك" لدرجة نسيان أن من يتباكون عليه اليوم هو نفسه من يمول الفوضى على حدودهم، وهو من يسعى لتقويض الإجماع الدولي حول مغربية الصحراء عبر وكلاء إقليميين.
علينا أن نعلم أننا اليوم نعيش مرحلة "البرغماتية" التي تجاوزت زمن الأيديولوجيات الحالمة، حيث أضحت العلاقات بين الدول تبنى على المصالح والسيادة لا على الشعارات الطنانة. إلا أن المفارقة تكمن في أن هذا "البعض" والذي يشكل الإستثناء، ما زال يعيش في جلباب أيديولوجي رث، يرى في القوة الإيرانية "مقاومة" رغم أنها لم تتردد في إستباحة عواصم عربية إسلامية بأكملها. إن غياب التعاطف مع الدول العربية المستهدفة من قبل التمدد الإيراني يعكس خلل في بوصلة الإنتماء، وسقوط في فخ البروباغندا التي تجيد اللعب على أوتار المظلومية التاريخية.
ختاما، المملكة المغربية الشريفة التي قطعت دابر الفتنة مند زمن مبكر بفراسة الملكه الحسن الثاني رحمه الله، وبحكمة وارث سره الملك محمد السادس نصره الله الذي حسن حصن الحقل الديني ومؤسسة الإفتاء المثمتلة في المجلس العلمي الأعلى ضد أي مساس بالأمن الروحي للمغاربة، ستظل رغم كيد الأعداء والخونة عصية على أي مد بإسم المدهبية والطائفية و الأيديلوجية الهدامة ، لأن العلاقة بين العرش والشعب ليست مجرد عقد سياسي، بل هي بيعة روحية وتاريخية ترفض التعددية في مصادر الولاء. وفي زمن "البرغماتية"، يدرك المغرب أن أمنه القومي جزء لا يتجزأ من أمن محيطه العربي والخليجي، وأن أي تعاطف مع مشاريع الهيمنة الإقليمية وتحت أي ذريعة كانت هو إنتحار سياسي وضرب من الخيال الذي لا يصمد أمام حقائق الجغرافيا وندوب التاريخ.
د/ الحسين بكار السباعي ، محلل سياسي وإستراتيحي.