فريد طموح: الذكاء الاصطناعي والقصور الذاتي الجديد.. في الحاجة إلى عصر الأنوار

فريد طموح: الذكاء الاصطناعي والقصور الذاتي الجديد.. في الحاجة إلى عصر الأنوار فريد طموح

إذا كان كانط قد حدد التنوير بأنه "خروج الإنسان من القصور الذاتي الذي هو المسؤول الأول عنه"، وكان هذا الخروج يعني القدرة على التفكير ذاتيا واستخدام المرء لفهمه الخاص. فإن عصر الذكاء الاصطناعي يفرض الحاجة مجددا إلى روح التنوير التي دافع عنها كانط ومفكرو التنوير عموما،  ذلك أن الوصاية التي كانت تمارسها المؤسسات وتَحُولُ دون قدرة المرء على التفكير ذاتيا، قد صارت اليوم أكثر تجذرا وأكثر خفاء متخذة شكل خوارزميات تتحرك بشكل مبرمج داخل الصندوق الأسود للآلة. وهي تتخذ بدلا عنا قرارات مصيرية في مجالات التربية والسياسة والاقتصاد وغيرها. فبرنامج مثل chatgpt قادر اليوم على لعب دور الثلاثي الذي ضرب كانط مثلا به: الطبيب ورجل الدين والجندي؛ بل ويؤدي هذه الوظائف دفعة واحدة وبضغطة زر صغيرة: أنت تؤدي ثمن البرنامج، وهو يمدك بجميع المعلومات والأفكار ويقدم لك الاستشارة في الصحة وأنواع التغذية التي تلائمك، ويدلك على الكيفية التي تمكنك من كسب السعادة الأخروية باتباعك تعليمات محددة، لست في حاجة بعد اليوم إلى الطبيب ولا إلى رجل الدين بل فقط إلى برنامج الذكاء الاصطناعي.

يعيش الإنسان اليوم مرحلة جديدة من "الوصاية"؛ وصاية وإن كانت مختلفة من حيث الشكل عن تلك التي حاول رجال التنوير رفعها عن كاهل البشر، فإنها لا تبتعد عنها كثيرا، إنها ليست وصاية الآخرين، بما هم ذوات لها وعيها الخاص واختياراتها الخاصة، ولكنها تبقى وصاية ما دامت تعتمد على تكلُّس الذهن وكبح الفهم الخاص عن ممارسة وظائفه. إنها وصاية الآلة والخوارزميات التي تقرر بدلا عنا وبسرعة تتجاوز قدرتنا على الفهم وإمكانية الفحص والتحليل والنقد. فأنت حين تطلب من برنامج الذكاء الاصطناعي أن يقرر بدلا عنك فهو يشعرك بأنك ذكي بهذا الاختيار، وحين يضعك أمام اختيارين أو أكثر وتختار أحدهما فهو يخبرك بأنك ذكي بهذا الاختيار، وفي كل الحالات فإنه يشعرك بأنك ذكي ما دمت تتبع القرارات التي يضعها أمامك، وما دامت قدرتك على التفكير رهينة بالاقتراحات التي تمدك بها خوارزمياته.

إن دعوة كانط للتفكير ذاتيا والخروج عن وصاية الغير، لم تكن دعوة للانعزال عن الآخرين، أو لرفض مساعدتهم، كما إنها اليوم ليست دعوة للتخلي عن الذكاء الاصطناعي وفكر الآلة، إنما هي تأمل في مدى قدرتنا على التمييز بين "الوصاية" المطلقة وبين "الأتونوميا" أو "الاستقلال الذاتي" مع الحاجة إلى المساعدة؛ فالوصي هو ذاك الذي يلغي وجودنا ويحل محل ذهننا وضميرنا وتقديرنا للأمور، بينما "المساعد" هو الذي يُكمل فهمنا وقدراتنا ولا يلغيها أو يعوضها.

تصل الآلة إلى نتائجها بشكل مبهر، لكن جزءا كبيرا من هذا العمل يظل خفيا عنا، فحين نوجه سؤالا أو طلبا لبرنامج الذكاء الاصطناعي فإنه يبلغنا بالنتيجة أو النتائج أسرع من إحضار عرش ملكة سبأ إلى حضرة النبي سليمان، لكن كيفية بلوغ هذه النتائج تظل سحرية خفية عنا. وهي بهذا الخفاء تعطل قدراتنا الذاتية على التفكير، وفي الوقت نفسه لا نستطيع معرفة مدى مصداقيتها لأننا لا نعرف سيرورتها الاستدلالية لنقوم بنقدها أو دحضها.

علاوة على ذلك فإن تعويض الخوارزميات للقدرة البشرية على التفكير، تفيد حلول الصندوق الأسود محل الإرادة البشرية في التفكير واتخاذ القرار. حين يتعلق الأمر بالأمور التقنية يكون ذلك مسَرِّعا للاختراعات وللتطور العلمي والتقني الكفيل بتطوير المجتمع،  لكن حين يتعلق الأمر بالقرار والفعل الأخلاقي سواء في مجال التشريع والقضاء أو في مجال التربية والتكوين، أو في مجال الدين والثقافة... وغيرها من الأمور التي يكون فيها القرار ذا طابع أخلاقي قيمي، فإن ذلك يضعنا أمام معضلة حقيقية؛ فالفعل الأخلاقي هو خاصية بشرية لا يمكن تفويضها للآلة، ومهما طاوعتنا لغتنا في وصف الآلة بالجهاز المفكر، فهي لا يمكن أن تكون كائنا مفكرا، ومهما وصفناها بالفكر فلا يمكن أن تكون ذاتا أخلاقية، فوحده الإنسان من يمكن وصفه بهذا الوصف. لهذا فإذا كانت الآلة تعالج البيانات وتبلغ النتائج بدقة عالية، فهي لا يمكن أن تكون مسؤولة عن اتخاذ القرار وعن الفعل، فلا يمكن للخوارزمية أن تتحمل المسؤولية، ولا يمكننا منحها التدبير المفوض لفكرنا وفهمنا لأنفسنا.

ترجعنا هذه القضية إلى نفس الاشكال الذي أثير في عصر الحتميات: النفسية (اللاشعور) والاجتماعية (الظاهرة الاجتماعية) والبيولوجية الغريزية (الخريطة الجينية، والهرمونات المورثات..)، إننا اليوم أمام حتمية الخوارزميات، فالذكاء الاصطناعي الذي يفكر ويتخذ القرار بدلا عني، هو تصميم بشري ومدعم ببرامج وتعليمات لست أنا من حدد مقدار تدخلها في بناء النتيجة التي يمكن أن تحيد عن الموضوعية حتى في أكثر القضايا دقة.

لهذا فبقدر ما كنا نتحدث عن تدخل الأيديولوجيا في إنتاج الحقيقة العلمية، فإنه بالمثل اليوم يمكن الحديث عن أيديولوجيا الخوارزميات، أو بالأحرى أيديولوجيا الشركات والمؤسسات والدول ذات المصلحة والمسؤولة عن نسج خيوط هذه الشبكة الهائلة لعنكبوت الذكاء الاصطناعي. وبقدر ما كنا نتحدث عن المسؤولية الأخلاقية تجاه الأفعال في ظل سيادة نظرية الحتمية في العلم وفي كافة مناحي الحياة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، أصبح بالإمكان اليوم الحديث عن المسؤولية الأخلاقية حيال القرارات التي تتخذها الخوارزميات وينفذها البشر القاصرون أمام الصندوق الأسود للذكاء الاصطناعي.

لقد تحول الذكاء الاصطناعي بلا ريب إلى قيد جديد أمام العقل والتفكير ذاتيا، لهذا يمكن للأنوار الجديدة أن تقف حصنا منيعا ضد محاولة الذكاء الاصطناعي سلب العقل البشري قدراته الذاتية على التفكير واتخاذ القرار وسلب الإرادة حريتها على الفعل المستقل. لقد صار رهان التربية اليوم هو تعليم الأطفال والشباب كيفية الحفاظ على الاستقلال الذاتي وكيف يمكن للفرد أن يظل سيد نفسه وسيد قراراته في عالم يتجه بسرعة جنونية نحو تسليم مقاليد الحكم والقرار للخوارزميات عن طواعية.

 

 فريد طموح، مفتش تربوي