عبد العزيز كوكاس - الصورة بعدسة زوليخة
كلما رأيت "يوميات بوعياد" اشتط بي الحنين بعيدا نحو تلك اليومية التي كانت تعلق على جدار ببهو منازلنا، تقويم ورقي نُسابق - نحن الصغار- الكبار لنقتلع ورقته كل صباح، من أجل قراءة الحكمة أو المثل الذي كان يوجد في أسفلها، ثم نعلقها كشكل مقدس على مسمار لنترك للآخرين الحق في تقاسم تلك الحكمة الأثيرة الموجودة أسفل اليومية أو على ظهرها.. كانت شكلًا من أشكال العيش في(و) مع الزمن، تختصر علاقة أجيال متعددة باليوم العابر، وتمنح الوقت جسدًا يمكن لمسه وانتزاعه. في تلك الحركة اليومية البسيطة - نزع ورقة - كنا نمارس طقسا صامتًا مع مرور الوقت.. نقتلع اليوم لنؤكّد أننا ما زلنا هنا، وأن الزمن هو الذي يمرّ بنا.
كانت "يوميات بوعياد" تركيبًا ثقافيًا كثيف الدلالة، في ورقة واحدة تتجاور تواريخ متعددة: التقويم الميلادي بالفرنسية، والهجري بالعربية، والفلاحي المرتبط بإيقاع الأرض والمواسم. مع مواقيت الصلاة.... هذا التعايش الصامت بين الأزمنة هو مرآة لهوية مغربية مركّبة، تتعايش فيها المرجعيات الدينية، الفلاحية، اللغوية، والاستعمارية وما بعد الاستعمارية. هكذا كان الجدار المغربي يحتضن، دون ضجيج نظري، "جغرافيا زمنية" تُذكّرنا بأننا نعيش داخل أكثر من تقويم، وداخل أكثر من سردية للوقت.
لقد نحت لْحَسن بوعياد من اليوميات وسيلة لمقاومة التغريب الاستعماري بروح حداثية لذلك سماها "يوميات بوعياد العصرية" التي تعكس تعدد صاحبها نفسه الذي ولد في مانشستر بانكلترا في بداية القرن الماضي ونشأ بفاس، ودرس بالقاهرة عام 1928، وكان من الْمُؤسسين الأوائل للحركة الوطنية، ومن الْمُوَقِّعين على عريضة 11 يناير1944، وله كتاب متميز حول "الحركة الوطنية والظهير البربري".
ثمّة بعد أخلاقي خفيّ في أسفل الورقة، حيث تُدرج آية قرآنية أو مثل أو حكمة قصيرة. هذه الجملة المقتضبة كانت بالنسبة لنا أكثر من زينة لغوية، كنا نرى فيها ممارسة تربوية يومية بلا وعظ مباشر شكلت جزءا من محفوظات لندمجها في تعابيرنا الإنشائية المدرسية ونتباهى بها أمام الأقران ونحن نعطي مثلا أو حكمة. كانت "يوميات بوعياد" تدخل البيوت كجرعة معنى صغير، تذكّر بقيم عامة: التعاون، البر، الصبر، العمل، حسن الخلق. في زمن لم تكن فيه الشاشات قد احتلت الصباح الباكر، كانت هذه الحكمة تُقرأ على عجل، أو تُرمق بنظرة خاطفة، لكنها تتسرّب ببطء إلى الوعي عبر تكرار العادات الصغيرة.
كان انتشار "يوميات بوعياد” في البيوت كما في الدكاكين والمقاهي والإدارات أشبه بذاكرة مشتركة عابرة للطبقات. الجميع يقتلع الورقة نفسها، ينظر إلى الرقم نفسه، ويقرأ الحكمة ذاتها. في هذا المعنى، كانت اليوميات شكلًا من أشكال "الديمقراطية الرمزية للزمن": لا أحد يحتكر اليوم، ولا أحد يعيش في تقويم خاص. اليوم واحد، يُستهلك جماعيًا، ويُقتلع جماعيا من الجدار. هكذا تحوّل التقويم إلى رابط اجتماعي غير معلن، يوحّد الإيقاع اليومي للمدينة والقرية، للبيت والسوق.
غير أن القيمة الأعمق ل"يوميات بوعياد" تكمن في علاقتها بالإيقاع. كانت تفرض على اليوم نوعا من البطء الرمزي: انتظار الصباح لنزع الورقة، تثبيت تاريخ اليوم، الإحساس بمرور الزمن عبر فعل جسدي صغير. اليوم، في زمن التقاويم الرقمية والإشعارات الفورية، فقدنا هذا الطقس اللمسي. صار الزمن بلا أثر، بلا ورقة تُنتزع، وبلا جدار يشهد على مرور الأيام. اختفت العلاقة الحسية مع الوقت، وحلّ محلّها تدفّق رقمي سريع يجعل الأيام تتشابه وتذوب في بعضها.
اختفاء "بوعياد" من الفضاء اليومي يعكس تحوّلا في علاقتنا بالزمن والذاكرة. لقد كنّا نعلّق الزمن على الجدار، واليوم نحمله في الجيب، داخل هاتف يُذكّرنا بالمواعيد وينسينا طقس العيش مع اليوم. في السابق، كانت الورقة الممزّقة تُصبح أثرًا صغيرًا لليوم الماضي، أما اليوم، فاليوم يمضي بلا أثر مرئي، بلا بقايا، كأنه لم يُعش إلا افتراضيًا.
ظلت "يوميات بوعياد" أرشيفًا صغيرًا للزمن المغربي. ليست أرشيفًا للأحداث الكبرى ولكن لأيام الناس العادية: صباحات المقاهي، افتتاح الدكاكين، مواسم الفلاحة وانتظار الأعياد. إنها ذاكرة للروتين اليومي، للزمن الذي يصنع الحياة فعليًا. حين نتذكّر بوعياد اليوم، فإننا نستعيد إيقاع عيش كامل: زمنًا كان يُلمس، ويُعلّق، ويُنتزع ببطء.
لا يمكن إعادة هذا الطقس في عصر السرعة الرقمية، لكن استحضاره نقديًا يسمح لنا بطرح سؤال أعمق: ماذا خسرنا حين فقدنا علاقتنا الحسية بالزمن؟ وكيف يمكن للثقافة اليومية، في أبسط أشكالها، أن تصنع ذاكرة جماعية أعمق من كثير من الخطب والبرامج؟ في ورقة بوعياد البسيطة، كان الزمن يتعلّم أن يكون إنسانيًا فقط وبسيطا مثل عيشنا.