حميد فايو
يشهد الاقتصاد العالمي لحظة دقيقة تتقاطع فيها التوترات الجيوسياسية مع هشاشة مالية متراكمة منذ سنوات، ويأتي التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ليضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى نظام اقتصادي لم يستعد بعد توازنه الكامل. فبعد جائحة عالمية عطلت سلاسل الإمداد، وحرب في أوروبا الشرقية رفعت أسعار الطاقة والغذاء، وسياسات نقدية متشددة لمواجهة التضخم، يجد العالم نفسه أمام صدمة جديدة قد تعيد تشكيل التوقعات الاقتصادية لعامي 2026–2027. هذا التصعيد لا يُقاس فقط بحجمه العسكري، بل بتأثيره النفسي والمالي على المستثمرين والأسواق، إذ إن عنصر “عدم اليقين” في حد ذاته يشكل تكلفة اقتصادية حقيقية تدفع الشركات إلى تأجيل الاستثمار والأسر إلى تقليص الاستهلاك، ما يخلق بيئة قابلة لركود تدريجي إذا طال أمد الأزمة
أول انعكاس مباشر يظهر في أسواق الطاقة، حيث تتحرك الأسعار ليس فقط وفق العرض والطلب الفعليين، بل أيضاً وفق توقعات المخاطر. تداول خام برنت مؤخراً فوق مستوى 70 دولاراً للبرميل مع قفزات ظرفية مرتبطة بأخبار التصعيد، ويكمن جوهر القلق في أن نحو خمس تجارة النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة عاملاً مضاعفاً للأسعار حتى دون انقطاع فعلي للإمدادات. وتشير نماذج اقتصادية إلى أن ارتفاعاً مستداماً بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل قد يضيف ما بين 0.3 و0.5 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي خلال عام واحد، خاصة في الاقتصادات الصناعية المعتمدة على الطاقة المستوردة. وإذا تجاوزت الأسعار عتبة 90 أو 100 دولار، فإن الأثر لن يكون تضخمياً فقط، بل انكماشياً أيضاً، إذ سترتفع تكاليف الإنتاج والنقل، ما يضغط على أرباح الشركات ويقلص القدرة الشرائية للأسر
في موازاة ذلك، تعكس الأسواق المالية حساسية شديدة تجاه الأخبار الجيوسياسية، حيث تتجه رؤوس الأموال سريعاً نحو الأصول الآمنة مثل الذهب والسندات الأمريكية، بينما تتعرض الأسهم، خصوصاً في الأسواق الناشئة، لموجات بيع مكثفة. هذا التحول في سلوك المستثمرين يؤدي إلى ارتفاع علاوات المخاطر وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وهو ما يضر بالدول ذات الاحتياجات التمويلية المرتفعة. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، التي ما تزال تدور عند مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بفترة ما قبل 2020، يزيد من تكلفة خدمة الدين، ما يضع بعض الاقتصادات النامية أمام ضغوط مزدوجة: صدمة طاقية من جهة، وضيق مالي من جهة أخرى. ومع استمرار التقلبات، تصبح تقلبات سعر الصرف عاملاً إضافياً في تعميق الاختلالات الخارجية
المعضلة الكبرى تتجسد في السياسة النقدية، حيث تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة معقدة. فمعدلات التضخم في العديد من الاقتصادات المتقدمة لا تزال أعلى من الأهداف الرسمية التي تدور حول 2%، بينما تباطأ النمو إلى مستويات قريبة من 3% عالمياً، مع توقعات أقل في بعض المناطق. إذا ارتفعت أسعار الطاقة مجدداً، فقد تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية متشددة لفترة أطول، ما يرفع مخاطر الركود. وفي المقابل، فإن تخفيف القيود النقدية لدعم النشاط الاقتصادي قد يعيد إشعال التضخم. هذا التوازن الدقيق بين استقرار الأسعار ودعم النمو هو جوهر سيناريو الركود التضخمي، حيث تتقلص فعالية أدوات السياسة الاقتصادية ويصبح هامش المناورة محدوداً للغاية
أما على المستوى الإقليمي، فتتباين التأثيرات بين الدول المصدرة والمستوردة للطاقة. فالدول النفطية قد تستفيد مرحلياً من ارتفاع الأسعار عبر زيادة الإيرادات وتحسين الموازنات، لكنها تواجه في الوقت ذاته مخاطر جيوسياسية قد تعرقل الاستثمار طويل الأجل وتؤثر على مشاريع التنويع الاقتصادي. في المقابل، تتحمل الدول المستوردة عبئاً مباشراً يتمثل في ارتفاع الفاتورة الطاقية وتآكل احتياطيات النقد الأجنبي، ما قد يضغط على العملات المحلية ويزيد من معدلات التضخم الداخلي. كما أن قطاعات السياحة والنقل الجوي والتأمين غالباً ما تتأثر سلباً في مثل هذه الأزمات، حيث ترتفع تكاليف التشغيل وتنخفض حركة السفر بسبب المخاوف الأمنية
إضافة إلى ذلك، فإن سلاسل الإمداد العالمية، التي لم تتعافَ بالكامل من صدمات السنوات الماضية، قد تواجه اضطرابات جديدة في حال توسع نطاق الصراع أو فرض عقوبات إضافية. فقد أدى تصاعد النزعات الحمائية خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة التفكير في جغرافيا الإنتاج، حيث تسعى الشركات إلى تقليص اعتمادها على مناطق عالية المخاطر. هذا التحول، رغم أنه يعزز الأمن الاقتصادي لبعض الدول، إلا أنه يرفع تكاليف الإنتاج عالمياً ويؤدي إلى تضخم هيكلي طويل الأمد. ومع استمرار حالة عدم اليقين، قد نشهد تسارعاً في هذا الاتجاه، ما يعيد تشكيل خريطة التجارة الدولية ويزيد من هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الصدمات المستقبلية.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن العالم دخل بالفعل في مرحلة ركود تضخمي، لكن المؤشرات تظهر أن احتمالية هذا السيناريو ارتفعت مع استمرار التصعيد. العامل الحاسم سيكون في مدة الأزمة وحدودها الجغرافية، ومدى قدرة الفاعلين الدوليين على احتوائها دبلوماسياً. فكلما طال أمد التوتر، تراجعت الثقة، وارتفعت كلفة التمويل، وتقلص الاستثمار، ما يخلق حلقة مفرغة تجمع بين تباطؤ النمو واستمرار الضغوط التضخمية. وفي ظل نظام اقتصادي عالمي مثقل بالديون وضعيف الثقة، فإن أي صدمة إضافية قد تكون كافية لدفعه نحو مرحلة أكثر تعقيداً من عدم الاستقرار الاقتصادي.
حميد فايو، دكتور باحث واقتصادي