أحمد الحطاب
عنوان هذه المقالة نسمعه، بالأخص، في نشرات الأخبار وفي بعض الوصلات الإعلامية التي يُقال عنها أنها تربوية، أي الهدف منها هو توعية المواطنين (رجالاً ونساءً) أنه بإمكانهم، أن يكونوا مستَهلكين لِما هم في حاجةٍ له، لكن، دون أن يُنهِكوا جيوبَهم، أي بأقل قدرٍ من المصاريف اليومية.
السؤال الذي يجب على المغاربة طرحُه هنا، هو : "هل هذه المقولة التي هي عنوان هذه المقالة، صحيحة أم هي نوعٌ من درِّ الرماد على العيون؟
بكل تواضع ورصداً لِما يجري أو يحدث في مُجريات الواقع اليومي للناس (للمغاربة)، أُجيبُ وأقول هذه المقولة ليست، على الإطلاق، صحيحة، وخصوصا، عندما وصل لمُمارسة السلطة التَّآلُفُ الحزبي المُشكَّل من حزب الحمامة، حزب الجرَّار وحزب الميزان. وكأن هذا التَّحالُف الحزبي اتَّفق على أن يُسلِّطَ الغضبَ على المواطنين ليُنهِكوا جيوبَهم عند كل استِهلاكٍ. حينها، انقلبت الحمامة التي هي، عادةً، رمزٌ للسَّلام، إلى رمزٍ للحرب مع غلاء المعيشة. أما الجرَّار، فإنه أتى على الأخضر واليابِس، بينما الميزان الذي هو، عادةً، رمزٌ للعدل، لم يكن مُنصِفاً.
فحين يذهب المواطِن للسوق لاقتناء، مثلا، الخُضرَ أو ما هو في حاجةٍ له من السِّلَع، فإنه يجد نفسَه أمام غلاءٍ فاحِشٍ لا يتناسب مع ما يكسبُه من مالٍ، من خلال وظيفة أو تقاعدٍ أو تجارةٍ أو أي نشاطٍ يقوم به من أجل الحصول على مالٍ يسدُّ به حاجياتِه اليومية، هو ومَن عليه مسئولية رعايتِهم.
أما عندما يذهب المواطن إلى الطبيب، فإنه يصبح عاجزاً عن أداء ما يُطلَب منه من مصاريف. وهذا العجز يزداد شدَّةً عندما يذهب المواطِن عند طبيبٍ أخٍصَّائي. فهذا الأخير لا يكتفي بفحص المريض. بل قد يطلب منه إجراءَ تحاليل طبية أو إجراء تصويرٍ ب"سكانر" أو RMN… حينها، كان الله في عون المواطنين الذين لا تغطيةَ صحيةَ لهم.
أما عندما يذهب المواطِن عند الصيدلي، فإنه يُفاجَأ بأن أبسط الأدوية ثمنُه مرتفعٌ بمقارنة هذا الثمن المعمول به في بلدان أخرى، وخصوصا، بلدان الجوار الأوروبي شمال البحر المُتوسط. أما إذا كان الدواء مُستوردا، فحدِّث ولا حرج. وحتى إن ضحى المواطنون وبدلوا جٌهداً مالِياً لاقتنائه، فغالِبا ما يُفاجئون بانقطاعه من الصيدليات بدون سابق إشعار. أما الطامة الكبرى، فتحل بالمرضى عندما يتعلَّق الأمرٌ بدواءٍ ضد مرضٍ مُزمِنٍ.
فماذا يعنيه هذا التَّفاوت le décalage بين القدرة الشرائية الحقيقية للمواطنين وغلاء الأسواق المنتشِر في كل مكان؟
ما يعنيه هذا التَّفاوتُ، هو أن بعضَ حقوق المواطنين مهضومة، رغم أن دستورَ البلاد يضمنُها للجميع. وعلى رأس هذه الحقوق، يأتي توزيع الثروة التي تُنتِجها البلادُ بعدلٍ وإنصاف. وعندما أقول توزيع الثروة بعدلٍ وإنصافٍ، فالمقصود ليس أن يكونَ هذا التوزيع متساوياً بين المواطنين. المقصود هو أن ينالَ كل مَن له حقُّ من الحقوق، أن يتمتَّع به ، كاملاً، أي غير منقوص. وهذا يعني أن المواطنين ليسوا هم المُستفيدون من هذه الثروة. مَن يستفيد منها، هي أقلِّية من الأعيان والأثرياء المُتحكِّمين في السلطة والمال. أو لنقول المتحكِّمين، برلماناً وحكومةً، في تدبير الشأن العام، وعبره، في الاقتصاد.
والدليل على ذلك، الصَّمتُ القاتل الذي أبانته الحكومة الحالية وأغلبيتُها البرلمانية إزاء غلاء المعيشة. بل الحكومة الحالية، عوضَ أن تبحث عن حلولٍ ترفع القدرة الشرائية للمواطنين، أقدمت على سحب القانون الخاص بالاغتناء غير المشروع l'enrichissement illicite من البرلمان. وبهذا السَّحب، بيَّنت وتُبيِّن الحكومة الحالية بأنها لا تريد أن يستفيدَ الشعب المغربي من الثروة التي تُنتِجها البلاد. بل إنها تزكِّي انتشارَ الفساد وتطبِّع معه، والذي يكلَّف هذه البلاد ضياعَ ما يُناهز 50 مليار درهم سنويا.
والحلول التي تمكِّن الحكومة من رفع مستوى القدرة الشرائية موجودة ومتداولة عاليما وتتمثَّل في تناسُب الأجور مع هذه القدرة الشرائية. كما تتمثّل، كذلك، في انخفاض الضرائب المفروضة، قهراً، على المواطنين النَّشطين والمُتقاعدين، وكذلك، في الرفع من المساعدات المباشِرة التي تقدِّمها الحكومة لذوي الدخل الضعيف.
فإذا تحركت الحكومة الحالية في اتِّجاه الرفع من الأجور وفي خفض الضرائب، فإن هذا الجهد يبقى غير كافٍ لأن الأجورَ تبقى جامِدة طيلة سنوات بأكملِها ولا يتم التَّفكير فيها إلا عند اقتراب الانتخابات التشريعية، على الخصوص. أما الغائب الأبدي، فهو مراقبة الأسعار التي، غالبا، ما تكون ظرفية، وبالأخص، مع اقتراب شهر رمضان. يُضافُ إلى غياب مراقبة الأسعار، كثرة الوسطاء (ما يُسمى بالدارِجة الشناقة)، على الأقل، فيما يخص الخضر واللحوم الحمراء والبيضاء. علماً أن هؤلاء الوسطاءٌ، هم المسؤولون عن ارتفاع الأسعار مع التَّأكيد أنه ليس لهم أية قيمةٍ مُضافةٍ، مثلاً، كتأدية الضرائب. فمن يتحمَّل ارتفاعَ الأسعار؟ إنه المواطن المُستهلِك
وحتى المساعدات المباشِرة المُقدَّمة لذوي الدخل الضعيف لا تتجاوز 500 درهم شهريا وبشروط مجحِفة. وقد يُنفِقُها المواطنون في وقتٍ وجيزٍ نظراً لغلاء المعيشة.
فهل يُعقَل أن حكومةً أحزابُها السياسية مُطبِّعة مع الفساد، ستفكِّر في توزيع الثروة التي تنتِجها البلاد بعدلٍ وإنصاف؟ وحين أقول "مُطبِّعة مع الفساد"، فالمقصود هو أن هذه الحكومة لا تُحارِب الفسادَ ولا تقوم بأية خطوة في هذا الاتجاه. بل إن عملَها (سياساتِها العمومية) لا يستقيم إلا في جوٍّ مشحون بالفساد.
أما حين يذهب المواطنون إلى محطات الوقود، فإنهم يفاجئون بأسعار خيالية، وذلك، رغم انخفاض سعر برميل النفط في الأسواق العالمية. لماذا تبقى الأسعارُ مرتفعةٍ، رغم انخفاض سعر البرميل في الأسواق العالمِية؟ لأنه يقع نوعٌ من الاتِّفاق بين شركات توزيع النفط والغاز التي عددُها ضئيلُ جدا، وبالتالي، يسهُل التَّواطؤ بينها لكي لا ينعكس انخِفاض أسعار النفط في الأسةاق العالمية على بيعه في محطات التوزيع. وحتي إن أخذت شركات التوزيع بعين الاعتبار انخفاضَ سعر البرميل في الأسواق العالمية، فإن انعكاسَه على بيع الليتر الواحد يبقى طفيفا، وبالتالي، يكون ربح شركات التوزيع خيالياً.
وأينما يُولِّي المُستَهلِك وجهَه لسوقٍ من الأسواق إلا وتلسعُه نيران الغلاء. فمِن المسؤول عن هذا الوضع الذي دام سنوات طويلة دون أن تجدَ له الحكومة الحالية، المسئولة على تدبير الشأن العام، حلولاَ.
إذن، مقولة "اسْتَهْلْكْ بْلاَ ما تْهْلَكْ"، إن كانت لها قيمة في الماضي، فإنها لم تعد صالحةً لزماننا الحاضر حيث أصبح المالُ بدون قيمة نقدية تُذكَر. اليوم، بإمكان أي مستهلكٍ أن يُخرِجَ من جيبِه ورقةً نقديةً من فئة 200 درهم، ويكفي أن يبدأَ في اقتناء ما هو في حاجة إليه لتَنفُذ بسرعة فائقة. عندما يتفقَّد ما اشتراه من سلعٍ، يجد نفسَه بأنه لا يزال في أمس الحاجة لسِلع أخرى وهكذا… ولهذا، فإن مقولة "اسْتَهْلْكْ بْلاَ ما تْهْلَكْ" ليست إلا شعارا سياسيا، الهدف منه، هو ذر الرماد على عيون المواطنين! أم الحقيقة، فهي مُرة ويصعب هضمُها.