"الحزب الراتب".. موعد قرآني يومي يعمق صلة المغاربة بالقرآن في رمضان

"الحزب الراتب".. موعد قرآني يومي يعمق صلة المغاربة بالقرآن في رمضان يشكل هذا الموعد القرآني محطة يومية تتوخى تعزيز الوصل بالذكر الحكيم خلال شهر رمضان

بمحاذاة محراب المسجد المزخرف بطابع مغربي أصيل، يجتمع زمرة من المصلين عقب الانتهاء من صلاتي الصبح والعصر من كل يوم رمضاني، وبعد المغرب في الأيام الأخرى، في حلقة شبه دائرية حول الإمام، تختلف أعمارهم ومستوياتهم، لكن ألسنتهم تتوحد على تلاوة قرآنية بصوت جماعي متناسق اعتاد جيران المساجد سماعه بكرة وعشية.


ويعكف المغاربة في رمضان، كما في سائر أشهر العام، على العناية بكتاب الله عناية خاصة تتجلى في المواظبة على حزب راتب يتلى يوميا في مختلف مساجد مدن وقرى المملكة، ليختتم القرآن كاملا خلال شهر قمري واحد.


ويشكل هذا الموعد القرآني محطة يومية تتوخى تعزيز الوصل بالذكر الحكيم خلال الشهر الذي أنزل فيه، ودوام التعاهد معه فضلا عن عمارة بيوت الله وإحيائها بتلاوة كتاب الله.


وإلى جانب بعده التعبدي، يضطلع الحزب الراتب كذلك بأدوار بيداغوجية مهمة تتجلى في تمكين العامة من تعلم قراءة القرآن وضبط رسمه العثماني الذي قد يستعصي فهمه على البعض، فضلا عن إتقان قواعده وتشجيع الناس على حفظه.


فبعد الفراغ من صلاتي البردين اللتين يكون وقتهما قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يستدبر الإمام مسندا ظهره إلى المحراب، إيذانا بافتتاح الحزب، يتابع بعض القراء الآيات من المصحف المحمدي الشريف، بينما يطالع آخرون خاصة الشباب منهم القرآن عبر هواتفهم الذكية، في الوقت الذي يختبر فيه الحفظة ذاكرتهم من أجل تثبيت محفوظهم من سور القرآن.


وفي هذا السياق، أبرز رئيس المجلس العلمي الجهوي بني ملال خنيفرة، المصطفى زمهنى، أن الالتزام بالحزب الراتب يشكل مظهرا من مظاهر تعلق المغاربة بالقرآن الكريم، وصورة من صور تدينهم، لما في ذلك من مقاصد مرعية وغايات مرجوة.


وأضاف السيد زمهنى، وهو أستاذ بكلية الشريعة بفاس، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن أهمية هذا الحزب تزداد في رمضان شهر القرآن الكريم، حيث يقبل الناس أكثر على الكتاب المجيد احتفالا بنزوله في هذا الشهر الفضيل، والتماسا لبركته وأجره بقراءته والإنصات إليه وتدبره.


وبخصوص مقاصد هذه العادة القرآنية، لفت السيد زمهنى إلى أهميتها في تعهد القرآن الكريم، بحيث يكون للحفاظ فرصة لترسيخه في صدورهم، ومناسبة لغيرهم لحفظ ما تيسر بمدوامة الحضور، فضلا عن استثمار مجالس قراءة القرآن الكريم لتعزيز الأخوة وتعميق الصلة وتحقيق التعاون والتعاضد بين أهل الحي أو القرية.


واعتبر أن قراءة الحزب الراتب تساهم بشكل جلي في عمارة المساجد وذكر الله تعالى وتزكية النفوس من خلال القراءة والإنصات لكتاب الله العزيز، وكذا في حفظ الهوية المغربية في التدين واختيارات المغاربة الدينية والوطنية.


وتستقطب هذه الحلقات القرآنية في شهر رمضان فئة مهمة من الأشخاص الذين يأنسون بالقراءة الجماعية لما فيها من أثر عميق على أرواحهم، حيث تلتئم أفئدتهم على ذكر الله وتدبر كتابه.


"ياسر" أحد هؤلاء، وهو طالب هندسة بالرباط، ينتبذ مكانه المفضل بالقرب من سارية المسجد في وضعية تربيع، يطالع الآيات من هاتفه الذكي، محاولا مواكبة إيقاع الجماعة والانتظام اليومي في التلاوة.


وعبر "ياسر"، في تصريح مماثل، عن اعتزازه بالانتظام في حلقات الحزب الراتب خلال رمضان بعد صلاة العصر، مشيرا إلى أنه لا يجد أوقاتا خاصة لتلاوة القرآن وختمه بشكل منفرد بسبب ضغط الزمن المدرسي، مضيفا أنه استطاع تحسين تلاوته للقرآن وفهم رسمه وقواعده من خلال المشاركة في قراءة الحزب الراتب، لاسيما في رمضان وقبل صلاة الجمعة أحيانا، ما جعل ارتباطه بالقرآن أكثر انتظاما خلال هذا الشهر.


وهكذا، يعد هذا الموعد اليومي الثابت من التقاليد الدينية الراسخة، إذ تمتد عراقته لعدة قرون بعدما استحسن المغاربة هذا الصنيع وعكفوا على العناية به إلى حدود اليوم تكريما للقرآن. 

 

                                                                                           عن "و.م.ع"