حميد فايو: تحولات النظام الدولي وتدفقات الاستثمار نحو المغرب.. قراءة في الأرقام

حميد فايو: تحولات النظام الدولي وتدفقات الاستثمار نحو المغرب.. قراءة في الأرقام حميد فايو

يشهد النظام الدولي منذ ما يقارب عقدًا من الزمن تحولات بنيوية عميقة أثرت بشكل مباشر على حركة رؤوس الأموال العالمية. فتصاعد التوترات الجيوسياسية في شرق أوروبا، واحتدام المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، وتزايد النزاعات في محيط البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى تداعيات جائحة كوفيد-19، كلها عوامل دفعت الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة التفكير في خرائط تموقعها الإنتاجي. لم يعد معيار انخفاض التكلفة هو المحدد الوحيد لجاذبية الدول، بل أصبحت الاستقرار السياسي، وأمن الطاقة، والقرب من الأسواق الكبرى، ومرونة سلاسل التوريد، عناصر مركزية في القرار الاستثماري. في هذا السياق الدولي المتقلب، حاول المغرب أن يتموقع كوجهة إقليمية مستقرة، مستفيدًا من موقعه الجغرافي كبوابة بين أوروبا وإفريقيا، ومن شبكة اتفاقياته التجارية الواسعة، ومن إصلاحات مؤسساتية استهدفت تحسين مناخ الأعمال.
تُظهر الأرقام أن سنة 2018 شكلت ذروة مهمة في مسار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو المغرب، حيث بلغت حوالي 3.5 مليار دولار، وهو مستوى عكس آنذاك ثقة قوية في الاقتصاد الوطني، خصوصًا مع توسع الاستثمارات الصناعية الكبرى. غير أن سنة 2019 عرفت تراجعًا واضحًا إلى حدود 1.7 مليار دولار، في سياق تباطؤ نسبي في الاقتصاد العالمي وتراجع بعض المشاريع الكبرى. ومع اندلاع جائحة كوفيد-19 سنة 2020، انخفضت التدفقات إلى حوالي 1.4 مليار دولار، متأثرة بتعليق قرارات الاستثمار عالميًا، وتراجع حركة التجارة، وارتفاع درجة عدم اليقين. هذا التراجع لم يكن خاصًا بالمغرب فقط، بل عكس موجة انكماش واسعة مست معظم الاقتصادات الناشئة.
ابتداءً من سنة 2021 بدأ مسار التعافي التدريجي، حيث ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى حوالي 2.27 مليار دولار، مدفوعة بإعادة فتح الاقتصادات وتحسن الطلب الخارجي، خاصة من أوروبا. واستمر هذا التحسن في 2022 لتصل التدفقات إلى حوالي 2.29 مليار دولار، مستفيدة من دينامية القطاعات الصناعية، وعلى رأسها صناعة السيارات والطيران. غير أن سنة 2023 شهدت تراجعًا جديدًا إلى حدود مليار دولار تقريبًا، في ظل تشديد السياسة النقدية العالمية وارتفاع أسعار الفائدة، مما أثر على قدرة الشركات على تمويل مشاريع جديدة، خاصة في الأسواق الناشئة التي تُعتبر أكثر حساسية لتقلبات التمويل الدولي.
سنة 2024 شكلت منعطفًا إيجابيًا، حيث ارتفعت التدفقات إلى حوالي 1.64 مليار دولار، مسجلة نموًا يقارب 55% مقارنة بسنة 2023. هذا الارتفاع يعكس تحسنًا في ثقة المستثمرين، خصوصًا في ظل إعادة توجيه بعض سلاسل الإنتاج نحو مناطق قريبة من أوروبا في إطار استراتيجية “القرب الإنتاجي”. أما سنة 2025، فالمعطيات الأولية تشير إلى استمرار هذا الزخم؛ إذ بلغ صافي التدفقات حوالي 14.12 مليار درهم (نحو 1.3 مليار دولار) حتى نهاية مايو، مع توقعات سنوية قد تتراوح بين 2 و2.7 مليار دولار إذا استمر نفس الإيقاع خلال بقية السنة. هذه المؤشرات توحي بأن المغرب يستفيد جزئيًا من التحولات الدولية، لكنه لا يزال يعمل داخل بيئة عالمية شديدة التقلب.
غير أن قراءة هذه الأرقام في سياقها الهيكلي تكشف أن التحدي لا يكمن فقط في حجم التدفقات، بل في نوعيتها وتركيبتها القطاعية. فجزء مهم من الاستثمارات يظل متركزًا في قطاعات صناعية محددة وفي أقطاب جغرافية معينة، خاصة محور طنجة–الدار البيضاء، مما يطرح سؤال العدالة المجالية وعمق الاندماج الاقتصادي. كما أن نسبة الاستثمارات الموجهة نحو البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا لا تزال دون المستوى المأمول، مقارنة ببعض الدول المنافسة في أوروبا الشرقية أو جنوب شرق آسيا. لذلك فإن الرهان الاستراتيجي للمغرب لا يتمثل فقط في الحفاظ على استقرار التدفقات، بل في توجيهها نحو قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، وتعزيز الروابط بين الاستثمار الأجنبي والنسيج المقاولاتي المحلي.
في المحصلة، تكشف الفترة الممتدة بين 2018 و2025 أن المغرب يتمتع بقدرة نسبية على الصمود أمام الصدمات الخارجية وعلى استعادة جاذبيته الاستثمارية بعد فترات التراجع. غير أن البيئة الدولية تظل غير مستقرة، ما يجعل استدامة هذه الدينامية رهينة بعمق الإصلاحات الداخلية، وبالقدرة على تحويل التحولات الجيوسياسية إلى فرصة استراتيجية حقيقية. ففي عالم يتغير بسرعة، لن يكون كافيًا جذب مليارات الدولارات سنويًا، بل سيكون الحاسم هو قدرة هذه الاستثمارات على خلق تحول هيكلي مستدام، يعزز التنافسية، وينقل التكنولوجيا، ويوفر فرص شغل ذات جودة عالية، ويضع المغرب في موقع متقدم ضمن الاقتصاد العالمي الجديد.

 حميد فايو، دكتور باحث واقتصادي