محمد بوفتاس: من الاجتهاد إلى التقديس

محمد بوفتاس: من الاجتهاد إلى التقديس محمد بوفتاس

لم يولد الفقه الإسلامي مقدّسًا، ولم ينشأ التفسير في بداياته بوصفه سلطة مغلقة. كان الاجتهاد في أصله فعلًا حيًا، مرتبطًا بالحاجة، متصلًا بالواقع، نابعًا من شعور عميق بالمسؤولية تجاه النص وتجاه المجتمع معًا. كان المجتهد يتحرك في مساحة بين النص والحياة، يحاول أن يفهم، وأن يقدّر، وأن يوازن، وأن يستنبط. لم يكن يظن أنه ينطق باسم المطلق، بل كان يدرك أنه يسعى إلى فهمه.
في القرون الأولى، لم يكن السؤال تهمة، ولا الاختلاف خروجًا عن الجماعة. تعددت المدارس، وتباينت المناهج، وتنوعت طرق الاستنباط. كان الخلاف ظاهرة طبيعية، بل علامة على حيوية الفكر. فالاجتهاد آنذاك لم يكن يُنظر إليه كتهديد للوحدة، بل كآلية لإغناء المعنى وتوسيع دائرة الفهم.
 

غير أن هذا الفعل الحي، مع مرور الزمن، بدأ يتحول من ممارسة إلى تراث، ومن تراث إلى مرجعية، ومن مرجعية إلى معيار ثابت. ومع كل مرحلة من هذه التحولات، كانت المسافة تتسع بين الاجتهاد بوصفه نشاطًا إنسانيًا، وبين صورته المتخيلة بوصفه امتدادًا مباشرًا للنص. وهنا بدأ التحول الخطير: لم يعد التفسير مجرد فهم، بل صار يُستدعى كأنه هو الفهم النهائي.
كيف حدث هذا التحول؟
كيف انتقلنا من تعددية الاجتهاد إلى قداسة القول؟
 

إن الإنسان بطبيعته يميل إلى الاستقرار المعرفي. والاختلاف، مهما كان مثمرًا، يظل مرهقًا. ومع تعقد المجتمعات وتوسع الدولة واحتياجها إلى أنظمة موحدة، برزت الحاجة إلى تثبيت المعايير وتقليص دوائر الجدل. فبدأت بعض الآراء تكتسب ثقلًا أكبر، لا لأنها الوحيدة الممكنة، بل لأنها الأقدر على تحقيق الاستقرار. ومع مرور الوقت، ترسخ هذا الثقل حتى أصبح هو "المعتمد"، ثم تحول "المعتمد" إلى ما يشبه "المقدس".
ولم يكن التقديس صريحًا في أغلب الأحيان؛ فلم يقل أحد إن أقوال العلماء وحيٌ جديد، لكن الممارسة الاجتماعية والفكرية منحتها حصانة ضمنية. صار نقدها يُعد تطاولًا، ومراجعتها مجازفة، وتجاوزها خروجًا عن الإجماع. وهكذا نشأت طبقة من الفهم المحصّن، لا بقوة الدليل فقط، بل بقوة العادة والخشية والرهبة.
إن المشكلة هنا ليست في احترام العلماء، ولا في الاعتراف بفضلهم، بل في الخلط بين الاحترام والعصمة. فكل اجتهاد هو محاولة بشرية لفهم المطلق، لكنه يظل محدودًا بأدوات عصره، وبمفاهيم زمنه، وبحدود اللغة التي استعملها. وعندما ننسى هذه الحقيقة، يتحول الاجتهاد من جسر نحو المعنى إلى جدار يمنع الوصول إليه.
لقد أدى هذا المسار إلى نتيجة مزدوجة:
من جهة، تعاظم الشعور بأن التراث يمثل الحقيقة النهائية.
ومن جهة أخرى، تضاءلت الجرأة على إعادة النظر فيه.
وصار العقل يتعامل مع الموروث لا بوصفه تجربة تاريخية يمكن التعلم منها، بل بوصفه سقفًا لا يجوز تجاوزه. ومع كل جيل، كان هذا السقف يزداد صلابة، حتى بدا وكأنه جزء من بنية الدين ذاته.
غير أن التفريق يظل ضروريًا:
الدين في مصدره إلهي،
أما فهمه فبشري.
 

والبشري، مهما علا شأنه، لا يخرج عن حدود النسبي. إن الاعتراف ببشرية الاجتهاد لا ينتقص من قيمته، بل يعيده إلى مجاله الطبيعي. فالاجتهاد العظيم هو الذي يعترف بحدوده، لا الذي يُتوهم له الكمال.
إن الانتقال من الاجتهاد إلى التقديس لم يكن مؤامرة بقدر ما كان مسارًا نفسيًا واجتماعيًا وتاريخيًا. فالخوف من الفوضى المعرفية، والرغبة في الاستقرار، والرهبة من الخطأ، كلها عوامل ساهمت في تثبيت الفهم وتحويله إلى يقين جامد. لكن الثمن كان باهظًا: جمود في التفكير، وانكماش في الخيال الفقهي، وقلق من كل قراءة جديدة.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس: هل كان الاجتهاد الأول صادقًا؟
بل: هل نملك الشجاعة لنمارس اجتهادًا جديدًا بالروح نفسها التي مارسه بها الأوائل؟
إن استعادة روح الاجتهاد لا تعني القطيعة مع التراث، بل تحريره من صورة لم يخترها لنفسه. فالرواد الأوائل لم يقصدوا أن تُخلّد آراؤهم خارج سياقها، ولم يطالبوا بعصمة لآرائهم. كانوا أبناء زمنهم، ومارسوا حقهم في التفكير. فهل نمنح أنفسنا الحق ذاته؟
إن تحرير المعنى يبدأ بإعادة الاجتهاد إلى طبيعته الأولى:
فعلًا إنسانيًا مسؤولًا، 
مفتوحًا على المراجعة،
غير خائف من السؤال،
وغير مدّعٍ لامتلاك الحقيقة النهائية.
فالقداسة للنص،
أما الفهم…
فهو رحلة لا تنتهي.
 

• من كتاب سيصدر قريبا تحت عنوان: ( تحرير المعنى : نحو قراءة معاصرة للقرآن وتفكيك الجمود العقلي )