عبد الواحد غيات
لم يكن فبراير من عام 2026 مجرد رقم في تقويم الدبلوماسية الدولية، بل كان اللحظة التي أعلن فيها العالم أن زمن "الجمود المريح" قد انتهى، وأن قطار الحل النهائي لنزاع الصحراء المغربية قد انطلق فعلياً من محطة مدريد. في هذا المنعطف الدراماتيكي، لم يعد النقاش يدور حول "مشروعية" الحق المغربي —فهذا أمر حسمه اليقين التاريخي والاعترافات الدولية المتتالية— بل انتقل إلى مرحلة "الهندسة التقنية" الدقيقة لكيفية تنزيل الحكم الذاتي كخيار وحيد وأوحد تحت السيادة المغربية الكاملة.
أولاً: من "تقرير المصير" المتجاوز إلى "الواقعية السيادية"
لقد أضحى الحديث عن "استفتاء تقرير المصير" في ردهات الأمم المتحدة أشبه باستحضار أطلال سياسية من حقبة الحرب الباردة. فمنذ اعتماد القرار الأممي رقم 2797 في أكتوبر 2025، تكرس القناعة الدولية بأن المقترح المغربي للحكم الذاتي هو "الطاولة الوحيدة" المتاحة للنقاش.
إن التحول الذي شهده اجتماع مدريد الأخير، والذي ضم أطراف النزاع تحت إشراف أمريكي مباشر، يعكس نضج المسار الدبلوماسي. لم يعد "شبح الانفصال" مطروحاً حتى في كواليس المفاوضات السرية؛ بل إن الجوهر الحقيقي للنقاش اليوم هو "التخلي الضمني عن أوهام الاستقلال" مقابل ضمانات سياسية وإدارية وحقوقية واسعة لسكان الأقاليم الجنوبية، في إطار مغرب موحد وقوي.
ثانياً: "خطة مدريد 2026" والسيادة المرنة
تستند المسودة المسربة لما بات يُعرف بـ "خطة مدريد" إلى مبدأ "الحكم الذاتي الداخلي الكلاسيكي"، وهي هندسة دستورية متطورة توازن بين وحدة الدولة وخصوصية التدبير المحلي. ويمكن تفصيل ملامح هذه الخطة في ثلاث ركائز كبرى:
1. توزيع السلطات: المركز والأطراف
تقضي الخطة بأن يمتلك الإقليم صلاحيات واسعة وغير مسبوقة في تدبير شؤونه اليومية، بما في ذلك الاقتصاد الجهوي، التعليم، الصحة، والأمن الداخلي المحلي. وفي المقابل، يظل "المركز" في الرباط محتفظاً بحصر الحصون السيادية العليا: الدفاع الوطني، التمثيل الدبلوماسي الخارجي، العملة الموحدة، وفوق كل ذلك "إمارة المؤمنين" والرمزية الروحية والوطنية للملكية، التي تشكل الضامن الأسمى لوحدة النسيج المجتمعي.
2. المصالحة الكبرى و"بشرى" العودة
تتضمن الخطة جانباً إنسانياً وصفه المراقبون بـ "الجريء". فالحل لا يكتمل إلا بعودة "النبض" إلى العروق التي انقطعت لعقود. تشمل الخطة عفواً شاملاً وتدابير لإعادة الإدماج تضمن لجميع سكان مخيمات تندوف، بمن فيهم الكوادر السياسية، العودة الكريمة والمشاركة في بناء "المغرب الجديد". إنها لحظة "تفتح الأماني" التي تنهي مأساة إنسانية استنزفت أجيالاً.
3. المؤسسات المنتخبة والشرعية المحلية
إنشاء "جمعية تشريعية" (برلمان جهوي) ليس مجرد خطوة إدارية، بل هو تمكين سياسي حقيقي للسكان للتعبير عن تطلعاتهم وتدبير مواردهم المحلية، مما يقطع الطريق نهائياً على أي ادعاء بالتمثيلية من خارج المؤسسات الدستورية للمملكة.
ثالثاً: الضغط الأمريكي و"كنوسا" الجزائرية
في قراءة سياسية عميقة، وصف المحلل السياسي ورئيس تحرير جريدة جون أفريك الفرنسية "فرانسوا سودان" الحضور الجزائري في اجتماع مدريد بأنه يشبه "الذهاب إلى كنوسا". هذا التعبير التاريخي، الذي يرمز للخضوع للواقعية السياسية، يختزل المشهد الراهن. فقد وجدت الجزائر نفسها أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في عزلة دبلوماسية خانقة وكلفة اقتصادية باهظة لدعم كيان وهمي، أو القبول بالخروج من "عنق الزجاجة" عبر البوابة المغربية-الأمريكية.
يبدو أن واشنطن مارست "دبلوماسية خشنة" خلف الكواليس، مفادها أن استقرار منطقة الساحل والصحراء يبدأ من طي ملف الصحراء المغربية. هذا الضغط أتى أكله، حيث بدأت الجزائر تدرك أن "الوضع القائم" لم يعد قابلاً للاستدامة، وأن التفاهم مع الرباط هو الممر الإجباري لتأمين دور إقليمي مستقبلي.
رابعاً: المثلث الضامن (مدريد، نواكشوط، واشنطن)
لا يتحرك هذا القطار في فراغ، بل يستند إلى مثلث من الضمانات الدولية:
إسبانيا: التي تحولت من "مستعمر قديم" إلى "شريك ضامن"، تدرك أن أمنها القومي وازدهارها الاقتصادي مرتبطان عضوياً بالسيادة المغربية الكاملة على صحرائه.
موريتانيا: التي انتقلت من الحياد السلبي إلى "المساهمة البناءة"، باحثة عن استقرار حدودها الشمالية وتأمين شريانها الاقتصادي نحو عمق القارة السمراء.
الولايات المتحدة: المحرك الفعلي والضامن الدولي الذي يسعى لإغلاق "ثقب أسود" في الخريطة الجيوسياسية لشمال أفريقيا، وتحويل المنطقة إلى قطب للاستثمار والتنمية.
خامساً: "شيطان التفاصيل" وعقبات اللحظة الأخيرة
رغم التفاؤل، تظل هناك نقاط عالقة ستكون محور "مخاض" عسير قبل اجتماع مايو المقبل:
1. آلية التعيين السيادي: يصر المغرب على أن يُعين رئيس السلطة التنفيذية المحلية من طرف الملك لضمان الترابط العضوي مع الدولة، بينما يدور النقاش حول كيفية دمج الشرعية الانتخابية مع هذا التعيين السيادي (مثلاً: ترشيح أسماء من البرلمان الجهوي يختار الملك من بينها).
2. الهيئة الناخبة والاستفتاء التأكيدي: الخلاف حول من يملك حق التصويت في "البصمة الأخيرة". وهنا تبرز الرؤية المغربية الواقعية التي تؤكد أن سكان الأقاليم الحاليين هم أصحاب الحق في تقرير مستقبل منطقتهم وتنميتها، بعيداً عن لوائح "المنورسو" المتقادمة وغير العملية.
سادساً: "نبض اليقين" وآفاق مايو 2026
عندما نتحدث عن "نبض اليقين"، فنحن نتحدث عن تلك الثقة الراسخة التي قادت الدبلوماسية المغربية طوال عقود. إن ما نراه اليوم هو "صدق وعدل" الرؤية المغربية التي لم تنحنِ للعواصف. اجتماع مايو 2026 المرتقب ليس مجرد موعد بروتوكولي، بل هو "بوابة العبور" نحو توقيع "اتفاق إطار سياسي" يضع حداً نهائياً للنزاع.
هذا الاتفاق لن يكون انتصاراً لطرف على آخر فحسب، بل هو انتصار لمنطق "الحق الذي تُلْقِيه" الحكمة، على "زيغ" الشعارات الزائفة. إنه ميلاد لواقع إقليمي جديد تُطوى فيه صفحة "الدياجي" (الظلمات) والحروب الباردة، لتزكو حياة المنطقة بنور السلام والوحدة والتنمية المستدامة.
الخلاصة والتوصيات الاستراتيجية
إن عام 2026 هو عام الحسم. ولكي تكتمل صورة هذا "الخلاص"، يجب العمل على مسارات موازية تضمن استدامة الحل وتحصين المكتسبات:
تعزيز الجبهة الداخلية: عبر تكثيف الحوار مع الأعيان والقبائل لضمان أن يكون الحكم الذاتي نابعاً من إرادة محلية صلبة تعتز بانتمائها للهوية الوطنية الموحدة.
التسويق الدولي للنموذج: تقديم الصحراء المغربية كـ "واحة للاستقرار" ومنصة لوجستية عالمية، مما يجعل المجتمع الدولي شريكاً حقيقياً في حماية هذا الحل وتنميته.
تحدي "الحكامة السيادية" للمشاريع الكبرى: يبرز هنا تساؤل جوهري حول من سيدير المشاريع الاستراتيجية التي أُنجزت قبل هذا الموعد؟ إن منشآت بحجم "ميناء الداخلة الأطلسي"، وأوراش "الطاقات المتجددة"، و"أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب"، ليست مجرد مشاريع جهوية، بل هي أصول سيادية وقارية. لذا، تتطلب "هندسة الخلاص" صياغة نموذج حكامة يوفق بين السيادة المركزية للرباط التي خططت وموّلت هذه الأوراش العابرة للحدود، وبين الصلاحيات التنفيذية للجهة في إطار الحكم الذاتي، لضمان استمرار إشعاع المغرب كقوة أطلسية صاعدة.
تحويل "الجبهة" إلى "حزب: تشجيع العناصر العائدة على الانخراط في العمل السياسي المدني والمؤسساتي، لضمان تفكيك العقيدة العسكرية الانفصالية واستبدالها بعقيدة البناء الوطني والتنافس الديمقراطي.
الخاتمة:
إن قطار الحكم الذاتي الذي انطلق من مدريد يحمل معه آمال الاستقرار الإقليمي. إن المغرب، بتمسكه بسيادته ومرونته في عرضه التقني، يثبت للعالم أن الحقائق الجيوسياسية هي التي تصوغ المستقبل. إن فجر الوحدة الذي بزغ فعلياً سينهي واحداً من أكثر النزاعات افتعالاً، ليفتح الباب أمام ازدهار اقتصادي تقوده مشاريع عملاقة ستكون هي الضامن الحقيقي لسلام دائم وتنمية مستدامة في منطقة شمال إفريقيا.
الدكتور عبد الواحد غيات، باحث في العلوم السياسية
يتمتع الدكتور عبد الواحد غيات بمسار استثنائي يمزج بين الرصانة الأكاديمية والخبرة الميدانية الواسعة. فهو حاصل على دكتوراة في العلوم السياسية، ودبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد من جامعة محمد الخامس، بالإضافة إلى ماجستير في تدبير الموارد البشرية من معهد (ISCAE) . وتتجسد خبرته العملية في تقلده لمناصب قيادية بالقطاع العام وممارسته للاستشارة في القطاع الخاص، فضلاً عن كونه كاتباً ومحللاً بارزاً في منصات إعلامية وطنية ودولية باللغتين العربية والفرنسية.