البروفسور عبد الإله هلالي، أخصائي نفساني وأستاذ علم النفس
يدعو البروفسور عبد الإله هلالي، أخصائي نفساني وأستاذ علم النفس المرضي الإكلينيكي الى التمييز بين هوس الاستهلاك خلال الأيام العادية والذي يدخل في خانة الاضطراب النفسي وهوس الشراء الارتدادي والذي يأتي كرد فعل على حالة المنع من الأكل والشراب خلال شهر رمضان، داعيا الى برمجة ايجابية للشهر الفضيل لمواجهة الظاهرة، داعيا الى عدم الإفراط في الأكل خلال الإفطار، علما أن طقوس رمضان هي تدريب للمعدة وللجسم على نمط معين، كما أن الصيام يعد فرصة للتخفيف على الجهاز الهضمي للإنسان واستغلال الفرصة للتعبد ونشر القيم الدينية السمحة وصلة الرحم والتضامن مع الفئات الفقيرة .
في نظرك كأخصائي، هل يمكن اعتبار هوس التسوق خلال شهر رمضان سلوكا مرضيا؟
بخصوص هوس الشراء، فينبغي التمييز بين هوس الشراء المرضي وهوس الشراء الارتدادي والذي يأتي كرد فعل إزاء موقف معين، فمثلا هوس الشراء خلال شهر رمضان يأتي كرد فعل على حالة المنع، فمثلا لما يدرك الإنسان أنه سيمنع من شيء معين يدفعه هذا الموقف الى طلبه بشكل أكبر والتفكير فيه أكثر، فمثلا لما يدرك الإنسان أنه سيمنع من المأكل والمشرب ومن ارتياد المقاهي، فهذا يدفعه الى تخزين العديد من المواد الأساسية قبل شهر رمضان وخلال شهر رمضان، قبل رمضان يفكر الإنسان في تخزين بعض المواد أو المأكولات ( التمر، الشباكية، سلو..) لدرجة أن الكثير من المواطنين يقتنون أكثر من المطلوب ، لدرجة أن رمضان ينتهي بشهور ومع ذلك تظل آثار التخزين مستمرة. فمجرد التفكير في شهر الصيام يجعل العديد من المواطنين يقبلون بلهفة على اقتناء عدد من المواد الغذائية، حيث نجد الازدحام في المحلات التجارية وارتفاع الطلب على اللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك..
الجانب الثاني ويتعلق بحالة الجوع خلال فترة الصيام، واذا لم يكن هناك وعي بأهمية الصوم أي تدريب النفس على عادات ونمط وأسلوب يومي في الحياة خال من الصراع مع الآخرين ويغلب عليه الجانب الديني وجانب التسامح والإخاء والصدقة وصلة الرحم، فنحن نصوم من أجل التوقف عن الأكل والشراب خلال فترة الصيام ، وينبغي أيضا عدم الإفراط في الأكل خلال الإفطار، فطقوس رمضان هي تدريب للمعدة وللجسم على نمط معين، حيث يتم تكسير عادة تناول وجبات ثلاث خلال اليوم بمناسبة شهر رمضان، وبالتالي فما سيضر الإنسان ليس هو الجوع، بل هو السلوك الذي اعتاد القيام به ، كما أن الصيام فرصة للتخفيف على البطن، ولما يبرمج الإنسان رمضان والغاية منه فإنه من الممكن أن يتحكم فيه، لكن اذا كان يختزل شهر رمضان في أداء صلاة التراويح وفي الصوم وفي ضرورة وجود مائدة للإفطار ممتلئة بالأطعمة الجيدة ، فلما يخرج الى السوق وهو في حالة جوع فمن الطبيعي أن يشتهي مأكولات أو مشروبات معينة، ولذلك فهناك مقولة سائدة تدعو الناس الى الامتناع عن التسوق خلال الفترة المسائية حيث يكون الإنسان قد وصل الى حالة جوع مما قد ينعكس على ما يقتنيه من السوق، حيث قد يقتني كل ما تشتهيه نفسه دون أن يهتم لثمن السلع والمواد الغذائية ، وهذا ما يفسر إقبال الناس على بعض المواد الغذائية رغم ارتفاع أسعارها خلال شهر رمضان ، مثل الأسماك، وبالتالي فإن هوس الشراء خلال شهر رمضان لا يمكن اعتباره اضطرابا نفسيا، فالاضطراب النفسي يتعلق بالأشخاص الذين يصابون بهوس الشراء خلال الأيام العادية، حيث أن مثل هؤلاء قد يشعرون بالفراغ اذا مر فيه يوم دون أن يقتنوا شيئا معينا، حيث قد يقتني حذاء رغم توفره على عدة أحذية، وقد يقتني ساعة جديدة رغم توفره على عدة ساعات، وقد يقتني المأكولات الخ، وهذا مرض يتطلب علاجا، أما هوس الشراء الناتج عن الشعور بالمنع مثل ما يحصل خلال شهر رمضان والذي يتطلب البرمجة Breafing أي أننا نعد أنفسنا لشهر رمضان باعتباره شهر لتطبيق التعاليم الدينية.
هل وجود الظاهرة يؤشر على وجود تراجع على مستوى منظومة القيم؟
صحيح..فمع الأسف لازلنا نفتقد إلى تغطية تربوية قوية لشهر رمضان رغم وجود منابر دينية. نحن بحاجة إلى فقه يربي الإنسان على كيفية قضاء صيامه، فالفقه لا يتعلق بالحديث عن تجنب الفواحش والأكل والشراب، بل أيضا بكيفية إعداد الأنفس على التسامح ، فكل شخص يدرك أن الفسوق يخل بالتعاليم الدينية، لكن السؤال هو نحن نربي الإنسان على التسامح وعلى الحكامة السلوكية طيلة شهر رمضان سواء مع أبنائه أو مع نفسه أو مع بطنه أو عمله. شهر رمضان هو شهر للعمل، ولكن بالنسبة للبعض هو شهر للكسل لماذا ؟ لأنهم يسهرون على ساعات متأخرة، وهناك أشخاص يصرون على الذهاب الى المقاهي يوميا خلال شهر رمضان نظرا لكونهم يعرفون أنهم ممنوعون منها خلال النهار، وانتهاز الفرصة للاستهلاك الى أقصى درجة من أجل التعويض عن ما لم يتمكن من القيام به خلال النهار، ومنهم لا ينام إلا بعد السحور ، مما يجعله عاجزا عن الاستيقاظ في الصباح ، ثم يأتي ليقول لك " رمضان أهلكني .." رمضان لم يهلكك، بل أنت الذي لم تحسن الصوم، فالصوم يعني كيف يمكن الاستمتاع برمضان دون أن تلحقني أضرار، رمضان يعني أن أكون نشيطا في عملي، رمضان يعني السفر، صلة الرحم ، ويوفر مساحة مهمة لقضاء العديد من المآرب لأن البال لا يكون منشغلا بالذهاب الى تناول الوجبات الغذائية أو احتساء كوب من القهوة ، فبمجرد الانتهاء من العمل يمكن للإنسان الذهاب الى بيته من أجل الإفطار. للأسف فعاداتنا لم تربينا على أداء صوم ايجابي، فشهر رمضان هو فرصة لإعادة التربية وإعادة التنشئة وإعادة تنظيم عاداتنا ، حيث وجدنا أن الناس الذين يصومون قادرون على محاربة إدمان معين ومحاربة عادات معينة، ومعرفة كيفية التعامل مع مواد غذائية..فلماذا نقتني أكثر ؟ لأن إفرازات الإشباع غير موجودة في الدماغ خلال فترة الصيام، الأمر الذي يجعل المرء يقدم على اقتناء أشياء كثيرة وغير مطلوبة أحيانا في البيت. نعد مائدة إفطار مليئة ومتنوعة ، لكن هل نتناول كل شيء ؟ كل شيء يتبقى للأسف..و الكثير من الناس يرمون بقايا الطعام.
ماذا عن تداعيات هذا السلوك على الفئات الفقيرة داخل المجتمع ؟ وكيف يمكن التخلص من هذه الظاهرة في نظرك؟
هذا السلوك يحمل تداعيات وخيمة على الفئات الفقيرة في المجتمع، علما أن الهدف من الصيام هو الشعور بالمسكين، لكننا للأسف نعذب المسكين خلال شهر الصيام، لأن موائد الناس كلها مليئة بالأطعمة المتنوعة وهو ما يجعل المسكين يبذل مجهودا كبيرا لكي تكون مائدته هو الآخر في هذا المستوى، بينما هو عاجز عن ذلك، مما يزيد من تكريس الفوارق خلال شهر رمضان، بينما رمضان يتطلب التقشف في الأكل وفي كل شيء. في رمضان تكثر المشاجرات لكوننا لا نحسن الصيام، لا نعمل خلاله، نطبق عادات سيئة خلال شهر رمضان مما يتسبب في تداعيات على معدتنا وعلى صحتنا ، كما نتسبب في غلاء الأسعار، وأعتقد أن علاج هذه الظاهرة يمكن أن يكون عبر علوم التربية النفسية قبل شهر رمضان، فشهر شعبان هو تمهيد لرمضان. فالوضوء واجب ليس بنية الطهارة الجسدية، بل بنية الطهارة النفسية والروحية أي إعداد النفس للصلاة، فطقوس الوضوء هي استعداد روحي وطقوسي قبل الدخول في الصلاة وما تتطلبه من خشوع، ولذلك فنحن بحاجة الى تربية تعدنا لاستقبال شهر رمضان على أوسع النطاق سواء في السلوك أو الأكل أو نمط النوم وغير ذلك ، ومن المؤكد لو توفرت لدينا برمجة ايجابية لشهر رمضان سنتمكن من تقليص نسبة التهافت على الاستهلاك خلال شهر رمضان، صحيح أن هناك جانب ايجابي في الموضوع، حيث يتحول شهر رمضان الى ما يشبه العرس، لكن الإفراط في الاستهلاك يلحق أضرارا فادحة بصحتنا وجيوبنا واذا كانت حكمة شهر رمضان هي التقشف في المأكل والمشرب فإن ميزانية الأسر المغرب – للأسف – تتضاعف ثلاث مرات عن الأيام العادية خلال شهر رمضان، ولذلك من العادي جدا أن ترتفع الأثمنة .