عبد الرحيم أريري
حين تلتزم دولة ما بتنظيم حدث دولي معين (كأس العالم - ألعاب أولمبية - مؤتمر دولي- إلخ...)، تسطر البرامج ويتم إعداد المونطاج المالي لتمويل البنيات التحتية، مع تحديد جداول زمنية لإخراجها لحيز الوجود من ملاعب ومطارات وطرق سريعة ومؤسسات فندقية واستشفائية وترفيهية ومواصلات سلكية ولاسلكية وما شاكل ذلك، حتى إذا حل الموعد المعلوم تكون الدولة في الموعد وتنال رضى العالم وتقدير المراقبين.
تأسيسا على ذلك، نجد أن الانتخابات التشريعية المقررة عام 2026، لم يتبق لها سوى بضعة أشهر، ورغم قرب الموعد لا يظهر في الأفق أن المغرب معني بهذه المحطة لتوفير البنية السياسية الحاضنة لتدبير الشأن العام: فأحزاب المعارضة باهتة إن لم نقل أنها باردة بشكل يفوق "برد سيبيريا"، وأحزاب الأغلبية مفككة ومترهلة ومتنافرة، والنقابات دب الوهن إلى مفاصلها، والإعلام العمومي تم اختطافه من طرف وكالات وشركات الإشهار.
نعم، الانتخابات ليست هي البلسم الشافي لأعطاب المجتمعات، لكنها تبقى أحسن ما اخترعه العقل الكوني لحد الآن لتدبير التدافع السياسي داخل المجتمع لاختيار نخبة تتولى تدبير أمور الناس.
المؤسف أن نخبنا السياسية منشغلة بتأمين ريعها وتأبيد امتيازاتها، أكثر من الانشغال بالموعد المحتوم عام 2026. إذ أيا كان لون الحزب السياسي الذي سيفوز في الانتخابات التشريعية القادمة، فإن المصير المجهول هو الذي ينتظر المغرب ما لم يتم الانتباه للحاجة إلى تمنيع الممارسة الحزبية وتمكين المجتمع من كوابح تفرمل انزياح الشارع نحو قوى غير منظمة أو نحو قوى عدمية لا تؤمن أصلا بجدوى التدافع السياسي المدني.
فالمرء ليس ملزما بأن يكون عضوا في حزب حتى يكتسب الشرعية لمساءلة هذا الحزب أو ذاك، بل كل مغربي له الحق في تتبع حياة الأحزاب ( أغلبية ومعارضة)، ورصد إشراقاتها وإخفاقاتها، مادامت الأحزاب هي القناة الرئيسية التي يمر منها اختيار «صناع القرار» الحكومي والبرلماني، ومنها يتم اختيار مسؤولي مجالس الجماعات الترابية. علما بأن مؤسسة الحكومة والبرلمان والجماعات، تسن قوانين وتشريعات، وتتخذ قرارات تمس الحياة اليومية والمعيشية للمواطن. وبالتالي من حق المواطن تتبع ومعرفة «العجينة» الحزبية التي ستلد رئيس الحكومة والوزراء والبرلمانيين في الاقتراع المقبل الذي سيفرز "حكومة المونديال".
فحين ندق ناقوس الخطر حول تآكل أحزاب الأغلبية والمعارضة، فإننا ندق الناقوس خوفا من أن تأتينا حملة 2026 بنخب سياسية مفلسة "تزيد تغرق روايض المغرب في الغيس".
فالمثل الشعبي يقول: «للي بغا الكراب في الصيف يتصاحب معاه في الليالي». وبالتالي فإن أردنا ربح رهان أحزاب قوية (أيا كانت مرجعياتها السياسية) في اقتراع 2026، لإحداث قطيعة مع الجفاء والعزوف، فعلينا خلق رجة قوية اليوم وليس غدا.