محمد النصراوي: ‏خور عبد الله.. السيادة المعلقة

محمد النصراوي: ‏خور عبد الله.. السيادة المعلقة محمد النصراوي

‏الأزمة اليوم ليست حكاية حدود بدأت عام 1963 أو قراراً صدر في تسعينات القرن الماضي، هي لحظة سياسية راهنة تُقاس بتوازنات 2026 لا بوثائق الأرشيف، العراق حين أودع خرائطه البحرية استناداً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لم يكن يحدث أوراقاً فقط بل يبعث برسالة مفادها اننا نعيد تعريف موقعنا البحري، والكويت حين ردت بسرعة وطلبت دعماً خليجياً لم تكن تدافع عن إحداثيات بل عن مبدأ ثابت (الحدود المرسومة بقرار من مجلس الأمن الدولي ليست مجالاً لإعادة التفاوض الضمني).

 

‏هنا تتقاطع الإرادتان، بغداد تتحرك تحت ضغط داخلي عنوانه السيادة أولاً، خصوصاً بعد حكم المحكمة الاتحادية العليا الذي ألغى قانون التصديق على اتفاقية تنظيم الملاحة الموقعة بين العراق والكويت والذي صادق عليها البرلمان عام 2013، الحُكم خلق فراغاً سياسياً أكثر منه قانونياً، فراغ يطالب الحكومة بإثبات أنها لم تخسر ماءها الإقليمي ولا حقها في منفذ آمن، لذلك جاء الإيداع البحري كإجراء تقني بغطاء سيادي.

 

‏في المقابل، الكويت لا ترى في الخطوة شأناً تقنياً لأنها تدرك أن أي صمت قد يُقرأ قبولاً ضمنياً بإعادة تفسير الحدود البحرية خصوصاً في منطقة حساسة تمس ممرات ملاحية ومناطق مغمورة وثروات محتملة، ولذلك جاء الاصطفاف الخليجي سريعاً، الموقف السعودي تحديداً لم يكن بيان تضامن فقط بل إشارة إلى أن المسألة قد تمس المنطقة المقسومة بين الرياض والكويت، ما يعني أن الأزمة يمكن أن تتجاوز ثنائيتها بسهولة.

 

‏إذاً نحن أمام معادلة معقدة، العراق يريد تثبيت حقه في الحركة البحرية من دون أن يُتهم بخرق الشرعية الدولية والكويت تريد تثبيت نهائية الترسيم من دون أن تفتح باب مراجعات مستقبلية، كل طرف يتحرك وهو يضع نصب عينيه جمهوره الداخلي قبل خصمه الخارجي، المشكلة أن الجغرافيا في شمال الخليج لا تمنح إمكانية المناورة الواسعة، الممر ضيق فعلياً، وأي قراءة متشددة قد تُحول التنظيم الملاحي إلى أداة ضغط متبادل، وهنا تكمن الخطورة، لأن الملف إذا انتقل من مستوى الخلاف القانوني إلى مستوى شد الإرادات، ستدخل عوامل جديدة، استثمار سياسي داخلي، تعبئة إعلامية، وربما تجميد مشاريع تعاون اقتصادي كانت تُعد مؤشراً على مرحلة أكثر هدوءاً.

 

‏الاشكالية الحقيقية ليس من يملك الحجة الأقوى في النصوص الدولية، فالنصوص يمكن تأويلها والخرائط يمكن رسمها بطرق مختلفة ضمن هامش قانوني معين، انما يكمن الجوهر في وجود إرادة لتفكيك الأزمة أو توظيفها، إذا استُخدمت كورقة داخلية لتعزيز مواقع سياسية فإنها ستطول، أما إذا قُرئت كعقدة تقنية تحتاج إلى لجان مشتركة وخبراء بحرية وقانون دولي فإنها ستنحصر في إطار يمكن التحكم به.

 

‏خور عبد الله اليوم ليس ساحة صراع عسكري بل ساحة اختبار للنضج السياسي، الاختبار الحقيقي هو القدرة على الفصل بين الخطاب الموجه للداخل والحسابات الاستراتيجية طويلة المدى، لأن أي توتر دائم في هذا الممر لن يضر طرفاً واحداً، العراق يحتاج استقراراً بحرياً لإنجاح مشاريعه الكبرى والكويت تحتاج بيئة آمنة لموانئها واستثماراتها، والاقتصاد في النهاية لا يحب المناطق الرمادية.

 

‏قد يبقى الخلاف قائماً حول تفاصيل العلامات البحرية ونقاط الترسيم، لكن الخطر يكمن في تحويل التفاصيل إلى عناوين سيادية كبرى، هناك فرق بين أن تختلف على إدارة ممر وأن تشكك في أصل الحدود، الأول قابل للحل والثاني يفتح أبواباً يصعب إغلاقها.

 

‏لهذا، المسار الأكثر عقلانية لا يمر عبر التصعيد الإعلامي بل عبر إعادة تفعيل قنوات التفاوض الفني وربما الاستعانة بوساطة هادئة تضمن حفظ ماء وجه الجميع، لأن السياسة في مثل هذه الملفات ليست فن تسجيل النقاط بل فن منع الخسائر.

 

‏في شمال الخليج الماء ضيق، لكن الخيارات ليست ضيقة بالضرورة، ما سيحسم المشهد ليس عرض الممر البحري بل عرض الأفق السياسي لدى الطرفين.