فكري سوسان
لا يمكن للمغرب، وهو يخطو بثبات نحو ريادة إقليمية وقارية، ويستعد لاحتضان العالم سنة 2030، أن يترك خاصرته المدنية مكشوفة أمام رياح العزوف السياسي. إن هذا المقال التحليلي لا يكتفي بقرع ناقوس الخطر، بل يضعنا جميعاً — أحزاباً ومؤسسات ومواطنين — أمام مسؤولية تأمل جماعي صريح.
إن الديمقراطية المغربية ليست بناءً مكتملَ التشييد منذ 2011، بل هي كائن حي يتنفس عبر صناديق الاقتراع. وعندما يختار الشاب المغربي الصمت السياسي أو الانسحاب من اللوائح الانتخابية، فإنه لا يعاقب الأحزاب بقدر ما يمنح تفويضاً ضمنياً لمن قد لا يمثل طموحاته.
مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، لا يتهيأ المغرب فقط لتجديد مؤسساته البرلمانية، بل يقف أيضاً أمام امتحان أعمق يتعلق بقياس الحيوية الحقيقية لديمقراطيته. فخلف أرقام الامتناع عن التصويت تبرز قضية جوهرية: مدى قوة الرابط المدني الذي يجمع المواطنين بمؤسساتهم.
بين التآكل التدريجي لرأس المال الاجتماعي، وتراجع تسجيل الشباب في اللوائح الانتخابية، وتنامي نزعة الانسحاب من الفعل السياسي، لم يعد التصويت مجرد مؤشر إحصائي، بل تحول إلى مرآة تعكس مستوى الثقة الجماعية. وما يصفه بعض المراقبين بـ«الصحراء المدنية» لا يقتصر على ظاهرة انتخابية عابرة، بل يشكل إشارة بنيوية عميقة تطرح سؤال قدرة المجتمع على الحفاظ على التماسك بين المشروع المؤسساتي والمشاركة الشعبية.
انتخابات كصورة ذاتية جماعية
لن تكون انتخابات 2026 مجرد موعد انتخابي عادي، بل ستكون بمثابة صورة ذاتية للمجتمع.
فالدولة لا تُعرَّف فقط بنصوصها الدستورية، ولا بجودة دبلوماسيتها أو حجم إصلاحاتها، بل أيضاً بالطريقة التي يستجيب بها المواطنون لنداء المشاركة الانتخابية… أو يعزفون عنه. ومع اقتراب الاستحقاق التشريعي، يصبح السؤال المركزي هو: ما العمق الحقيقي للانخراط المدني؟
المؤشرات المسجلة خلال السنوات الأخيرة لافتة. فوفق معطيات تداولتها سنة 2025 الرابطة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، تراجعت نسبة الشباب المسجلين في اللوائح الانتخابية من حوالي 30% سنة 2011 إلى قرابة 20% سنة 2024. ولم يعد الأمر مجرد تقلب ظرفي، بل يعكس تحولاً عميقاً قد يعيد تشكيل القاعدة السوسيولوجية للتمثيل السياسي ويؤثر، على المدى البعيد، في ترتيب الأولويات العمومية.
يرسم عالم السياسة المغربي عبد الله أبو عواد صورة لشباب تتباين علاقته بالسياسة: فبعضهم يرى فيها وسيلة ظرفية لتحقيق مكاسب، وآخرون يحصرونها في لحظة الاقتراع، وأقلية تحاول الانخراط لكنها تصطدم ببنيات مغلقة، بينما تتزايد فئة تعتبر الفعل السياسي عديم الجدوى. هذا التشخيص يلتقي مع تحليل عباس الوردي منذ سنة 2012 حول ظاهرة «العزوف السياسي»، المرتبطة بضعف التأطير الحزبي وهشاشة العلاقة بين الأحزاب والمواطنين.
الأزمة، إذن، ليست انتخابية فقط، بل هي أزمة بنيوية ممتدة.
منطق الانسحاب
تلاحظ المؤرخة الأمريكية هيذر كوكس ريتشاردسون Heather Cox Richardson أن فترات الهشاشة الديمقراطية غالباً ما تسبقها عبارة واحدة: Someone will fix it — «سيهتم شخص آخر بالأمر». هذا التصور يمنح شعوراً بالاطمئنان، لأنه يفترض أن النخب ستتولى تصحيح الاختلالات وأن المؤسسات قادرة على ضبط نفسها ذاتياً.
لكن، كما تشير، فإن الديمقراطيات نادراً ما تنهار فجأة؛ بل تضعف تدريجياً عبر تراكم انسحابات عادية. ومن هذا المنظور، فإن الامتناع عن التصويت ليس موقفاً محايداً، بل هو تحويل غير مباشر لموازين القوة.
وفي السياق المغربي يصبح السؤال استراتيجياً: إذا انسحبت أجيال كاملة من العملية الانتخابية، فمن يحدد الأولويات العمومية؟ ومن يوجه الاختيارات الاجتماعية والتعليمية والميزانياتية؟
الانكماش المدني وتآكل رأس المال الاجتماعي
يبين عالم الاجتماع روبرت بوتنام Robert Putnam، في كتابه Bowling Alone، أن المشاركة المدنية تشكل جوهر رأس المال الاجتماعي لأي أمة. وعندما تتراجع هذه المشاركة، تضعف الثقة الجماعية، وتصبح المؤسسات أكثر عرضة لهيمنة أقليات منظمة.
ويبدو النسيج المدني المغربي بدوره هشاً في عدة مستويات: استمرار نسب مهمة من الأمية في بعض المناطق، التفاوت في انتشار الثقافة السياسية المؤسساتية، هيمنة منطق الشخصنة، وإعادة إنتاج النخب الحزبية نفسها. ويُضاف إلى ذلك تراكم خيبات الأمل الناتجة عن وعود انتخابية لم تتحقق.
كان بيير بورديو Pierre Bourdieu يتحدث عن «الهابيتوس habitus السياسي» بوصفه تلك الاستعدادات العميقة التي تحدد علاقة الأفراد بالسياسة. وإذا بُني هذا الهابيتوس على الشك وخيبة الأمل، فإن الامتناع عن التصويت يتحول من استثناء إلى قاعدة ضمنية.
وهنا يتخذ الخطر شكلاً صامتاً: تبخر تدريجي للرابط المدني وفقدان بوصلة الانخراط.
الحلقة الجيلية المفرغة
تشكل فئة الشباب أحد أبرز رهانات المرحلة، لأن انسحابها يغير ميكانيكياً البنية السوسيولوجية للناخبين.
فكلما تراجعت مشاركة الشباب، تضاءلت السياسات العمومية الموجهة إلى أولوياتهم، ما يولد مزيداً من الإحباط… وبالتالي انخفاضاً إضافياً في المشاركة. وهكذا تدخل الديمقراطية في حلقة مفرغة.
وقد يؤدي ذلك إلى تراجع مركزية قضايا التشغيل والابتكار والسكن والمشاركة المحلية لصالح فئات أكثر استقراراً انتخابياً. وكان ألكسيس دو توكفيل Alexis de Tocqueville قد نبه إلى أن الديمقراطية لا تعيش فقط بالقوانين، بل بالعادات المدنية؛ فالهندسة المؤسساتية المتينة لا تكفي إذا أصبحت المشاركة استثناءً اجتماعياً بدل أن تكون ممارسة يومية.
2026: اختبار يتجاوز التداول السياسي
لا تكتسب انتخابات 2026 بُعدها من الداخل فقط، بل تأتي في لحظة يسعى فيها المغرب إلى تعزيز حضوره الدولي على أكثر من واجهة.
فمخطط الحكم الذاتي في الصحراء، المدعوم من أكثر من مائة دولة والمندمج ضمن البناء الدستوري المغربي، يضع مصداقية المملكة الدبلوماسية على المحك. كما يلوح في الأفق رهان رمزي آخر: تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهو حدث يضع البلاد تحت أنظار العالم.
وفي الحالتين، يتجاوز الرهان الجانب المؤسساتي أو الرياضي؛ إذ يتعلق بقدرة الدولة على تقديم صورة مجتمع مستقر، واثق في مؤسساته، ومسنود بدينامية مدنية فعالة. فالملفات الجيوسياسية الكبرى والفعاليات الدولية تُقاس وفق مؤشرات متعددة، من بينها المشاركة الانتخابية ذات الدلالة الرمزية القوية.
عملياً، ستتابع المنظمات الدولية، ومراصد الحوكمة، والبعثات الدبلوماسية، ووسائل الإعلام العالمية نسبة المشاركة بدقة. فالمشاركة المرتفعة تُقرأ عادة كدليل على الثقة المؤسساتية، بينما قد تُغذي نسبة امتناع مرتفعة قراءات نقدية حول حيوية الديمقراطية.
وكما أشار روبرت دال Robert Dahl، فإن الشرعية الديمقراطية لا تقوم فقط على المشروعية القانونية، بل على المشاركة الفعلية للمواطنين. أما خوان لينز Juan Linz فقد أكد على ضرورة التوازن بين الشرعية الدستورية والقبول المجتمعي كشرط للاستقرار. ومن هذا المنظور، فإن نسبة المشاركة في 2026 ستتجاوز التنافس الحزبي لتعكس مدى الانسجام — أو التباعد — بين الحضور الدولي والحيوية الداخلية.
مسؤولية مشتركة
اختزال النقاش في خطاب أخلاقي موجه إلى الممتنعين عن التصويت سيكون تبسيطاً مفرطاً. فالمسؤولية جماعية.
لقد اشتغلت الأحزاب المغربية طويلاً بمنطق الأعيان، وإعادة تدوير الوجوه نفسها، والتأطير العمودي. كما ساهم ضعف مدارس التكوين السياسي، والاستعانة الظرفية بالشباب خلال الحملات، وصعوبة التجديد الداخلي، في تعميق العزوف.
ولا يمكن أن تقتصر الاستجابة على حملات تحسيسية تدعو إلى التصويت، بل تتطلب إصلاحاً أعمق: إدماجاً فعلياً للشباب في مراكز القرار، ديمقراطية داخلية حقيقية داخل الأحزاب، إعداد برامج مبنية على دراسات اجتماعية دقيقة، واعتماد سياسة قرب مستمرة.
فالمشاركة الانتخابية ليست فقط مؤشراً داخلياً، بل رسالة خارجية في عالم باتت فيه الشرعية السياسية تُقاس بقدر الانخراط المدني بقدر ما تُقاس بالأداء المؤسساتي.
خاتمة: صورة المغرب في 2026
لا تضعف الديمقراطية فقط في لحظات الأزمات، بل تترنح أكثر حين يصبح الانخراط خياراً لا ضرورة.
في 2026، سيخوض المغرب في الآن نفسه اختبار التداول البرلماني واختبار كثافة الروح المدنية. فالنظام السياسي ليس سوى انعكاس للسلوك الجماعي وتجسيد لاختيارات المواطنين.
عندما يعتقد عدد كبير من الناس أن «شخصاً آخر سيتكفل بالأمر»، يأتي وقت لا يتكفل فيه أحد بشيء.
2026 ستحدد من سيحكم.
لكنها ستكشف أيضاً من لا يزال يرى في المشاركة واجباً مدنياً لا مجرد احتمال اختياري.
الله يخرج العاقبة بخير
فكري سوسان، أستاذ باحث