الكراهية والسلام في مواجهة التحديات الفكرية.. ندوة تسلط الضوء على آليات التعايش ونبذ التطرف

الكراهية والسلام في مواجهة التحديات الفكرية.. ندوة تسلط الضوء على آليات التعايش ونبذ التطرف محمد قمار

في سياق نقاش فكري انصب على رهانات المرحلة وتحولات الخطاب المجتمعي، شدد الأستاذ محمد قمار على مركزية موضوع “ثنائية الكراهية والسلام”، معتبرا أنه لم يعد ترفا فكريا بقدر ما أصبح سؤالا ملحا يرتبط مباشرة بأمن المجتمعات واستقرارها. جاء ذلك خلال ندوة نظمها كل من المجمع الوطني للثقافة الثقافي ومنتدى الإبداع والمواطنة، حيث خُصصت المداخلات لاستقراء مظاهر تصاعد خطاب الكراهية وسبل ترسيخ ثقافة السلام في الفضاءين العام والرقمي.

قمار أوضح في مداخلته أن الكراهية لا يمكن اختزالها في كونها انفعالا عابرا أو رد فعل ظرفي، بل هي منظومة ذهنية قابلة للتغذية والتوظيف، تتحول في سياقات معينة إلى قوة تفكيك تهدد تماسك المجتمعات. وأبرز أن هذا الشعور حين يجد بيئة خصبة من الجهل والإقصاء وتهميش الآخر، سرعان ما يتحول إلى خطاب ممنهج يقوم على شيطنة المختلف وإقصائه، قبل أن يُستثمر كأداة لإذكاء الفتنة وزرع الانقسام بين مكونات المجتمع الواحد.

وسجل المتدخل أن خطابات العنف والتطرف تسهم في إعادة إنتاج الكراهية عبر آليات متعددة، من بينها التبسيط المخل للقضايا المعقدة، وترويج الصور النمطية، وبناء سرديات تقوم على التخويف والتحريض. واعتبر أن مواجهة هذه الظواهر تقتضي وعيا نقديا جماعيا، يعيد الاعتبار لقيم الحوار والاختلاف الإيجابي، ويحصن الفضاء العمومي من الانزلاق نحو منطق الاستقطاب الحاد.

في المقابل، قدم قمار ما وصفه بـ“رسالة الأمل”، مبرزا أن السلام لا يختزل في غياب الحروب أو توقف مظاهر العنف، بل يتجاوز ذلك ليعني حالة من التعايش الفعلي بين الأفراد والجماعات، رغم تباين مرجعياتهم الثقافية والاجتماعية والفكرية. وأكد أن السلام يقوم على تبادل الاحترام، وترسيخ ثقافة الاعتراف المتبادل، وبناء جسور الثقة، مشيرا إلى أن تحقيقه يظل رهينا بعمل تراكمي طويل الأمد، لا يتحقق بقرارات ظرفية أو شعارات عابرة.

وشدد على أن ترسيخ السلام يتطلب التزاما مجتمعيا شاملا، تشارك فيه المؤسسات التربوية والثقافية والمدنية، من خلال برامج عملية تستهدف الأجيال الصاعدة، وتعمل على تعزيز مناعتهم الفكرية ضد خطابات التطرف والكراهية. وفي هذا السياق، توقف عند تجربة “المرصد المغربي لنبذ الإرهاب والتطرف”، الذي يشتغل، بحسب قوله، على إشاعة ثقافة التسامح والتعايش عبر مبادرات ميدانية متنوعة.

وأوضح أن من بين أبرز هذه المبادرات تنظيم مخيمات صيفية سنوية تستهدف الأطفال والشباب من مختلف المناطق، وتشكل فضاءات للتلاقي والتفاعل وتبادل التجارب. هذه المخيمات، كما أبرز، لا تقتصر على الأنشطة الترفيهية، بل تتضمن برامج تأطيرية تسعى إلى غرس قيم التسامح، واحترام التنوع، ونبذ الكراهية، وتعزيز ثقافة السلام باعتبارها خيارا استراتيجيا للمستقبل.

وأضاف أن أنشطة المرصد تمتد أيضا إلى تنظيم منتديات ولقاءات شبابية تفتح المجال أمام حوار متعدد المشارب، يتيح للشباب من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة فرصة تبادل الرؤى والخبرات. واعتبر أن مثل هذه المبادرات تسهم في تقليص الفجوات التي قد تشكل أرضية خصبة لنمو مشاعر الإقصاء والعداء، كما تساعد على ترسيخ مفاهيم التنوع الثقافي وقبول الآخر في الوعي الجماعي.

وفي ما يتعلق بالدبلوماسية الموازية، أشار قمار إلى أن المرصد يعمل على بناء جسور تعاون مع عدد من الدول والمنظمات الدولية التي تتقاطع أهدافها مع مشروع نشر ثقافة التسامح ومحاربة التطرف. وأبرز أن التجربة المغربية في هذا المجال تقدم نموذجا قائما على مقاربة شمولية تجمع بين البعد الأمني والبعد الفكري والثقافي، بما يعزز صورة المغرب كفضاء للتعايش والانفتاح في محيط إقليمي ودولي متقلب.

وفي ختام مداخلته، أكد قمار أن ثقافة التسامح لا يمكن أن تبقى مجرد شعار يرفع في المناسبات، بل ينبغي أن تتحول إلى ممارسة يومية تنعكس في السلوك الفردي والجماعي. واعتبر أن التربية والتوعية تشكلان المدخل الأساس لبناء مجتمع منيع ضد خطابات الكراهية، موضحا أن التغيير الحقيقي ينطلق من الفرد قبل أن يتسع ليشمل البنية المجتمعية ككل.