منير لكماني: الإمامة في ألمانيا.. دين في خدمة الدولة أم دعوة في مفترق الاندماج؟

منير لكماني: الإمامة في ألمانيا.. دين في خدمة الدولة أم دعوة في مفترق الاندماج؟ منير لكماني

سؤال الإمامة في حضرة الحداثة

لم تعد الإمامة في ألمانيا وظيفةً دينيةً “محايدة” كما في كثير من السياقات الإسلامية التقليدية. ومع اتساع الوجود الإسلامي وتعقّد أسئلة الاندماج والأمن والهوية، صار الإمام يقف على خط تماسّ بين الإيمان الفردي ومؤسسات الدولة الحديثة. في بلد يحرص على حياد الدولة تجاه الأديان، تحولت الخطبة، واللغة التي تُلقى بها، ومصدر تمويل الإمام، وحتى سيرته التعليمية، إلى موضوعات عامة تُناقَش خارج المسجد بقدر ما تُعاش داخله.

 

من هو الإمام في السياق الألماني؟

تقديرات الجهات الرسمية الألمانية تشير إلى أن عدد المسلمين في ألمانيا يبلغ نحو 5.5 مليون نسمة (قرابة 6.6% من السكان)، وأن ما يقارب 3 ملايين منهم يحملون الجنسية الألمانية. كما أن ذوي الجذور التركية ما زالوا أكبر مجموعة بنحو 2.5 مليون، لكن نسبتهم تراجعت إلى حوالي 45% بعد أن كانت 53% عام 2015، مقابل ارتفاع نسبة ذوي الجذور العربية إلى نحو 27%. هذا التغير لا يعيد رسم الخريطة السكانية فقط، بل يفرض أيضاً أسئلة جديدة على وظيفة الإمام ومعايير حضوره.

 

في الواقع الألماني لم يعد الإمام مجرد قائد صلاة وخطيب جمعة. صحيح أن مهامه الأساسية تشمل إقامة الشعائر والوعظ والإرشاد وتنظيم الشؤون الاجتماعية مثل الجنائز والصلح الأسري، لكنه بات كذلك وسيطاً مجتمعياً: يتعامل مع أسئلة الشباب، ويتواصل مع المدرسة والبلدية، ويظهر في الإعلام عند الأزمات، ويمثل المسلمين رمزياً في المجال العام. وهنا تتشكل معضلة مزدوجة: المجتمع ينتظر إماماً مفهوماً باللغة والقيم الدستورية، فيما تريد الجماعة إماماً يصون الهوية ويمنح معنىً روحياً في مجتمع سريع التحول.

 

النجاح النسبي: إعادة تشكيل الخطاب الديني

خلال السنوات الأخيرة ظهرت مؤشرات نجاح نسبية في بعض البيئات المسجدية: انتقال جزء من الخطاب من الانشغال الضيق بالمسائل الفقهية اليومية إلى خطاب أخلاقي مدني يناقش قضايا الاندماج، المدرسة، التماسك الأسري، المشاركة الاجتماعية، وأحياناً قضايا البيئة. هذا التحول تدعمه مسارات تكوين محلية؛ فمنذ عام 2011 دعمت وزارة التعليم والبحث الألمانية إنشاء مراكز جامعية للاهوت الإسلامي بتمويل يقارب 44 مليون يورو، في محاولة لترسيخ دراسة أكاديمية باللغة الألمانية وتكوين كوادر محلية. كما ظهرت مبادرات تدريب عملي لفائدة كوادر دينية تستهدف تعزيز اللغة وفهم السياق، وترسيخ نموذج “الإمام المحلي” القادر على مخاطبة أجيال وُلدت وتعلمت في ألمانيا.

 

الإخفاقات: أزمة التمويل والاعتراف

رغم التقدم، تصطدم الإمامة بعوائق بنيوية، أولها التمويل الخارجي والتداخل السياسي. فجزء معتبر من المشهد الإسلامي المؤسسي ظل مرتبطاً تاريخياً بترتيبات إرسال الأئمة أو الإشراف عليهم من الخارج. وتظل DITIB مثالاً محورياً في النقاش الألماني حول الاستقلالية، إذ تضم في ألمانيا أكثر من 900 جمعية محلية بينها أكثر من 850 جماعة مسجدية وفق بياناتها، ما يجعل سؤال “من يموّل ومن يوجّه؟” سؤالاً عاماً يتجاوز الشأن الداخلي للمسجد.

 

العائق الثاني هو فجوة اللغة والمعرفة بالسياق. عندما لا يتقن الإمام الألمانية أو لا يملك معرفة كافية بمؤسسات المجتمع—المدرسة، خدمات الشباب، قوانين الأسرة والطفولة—يصبح التواصل مع الجيلين الثاني والثالث هشاً، وتظهر بدائل غير مؤسسية: خطابات رقمية عابرة للحدود أو “سلطات” بلا مساءلة محلية.

أما العائق الثالث فيتعلق بالاعتراف والتمثيل. فالإسلام المؤسسي في ألمانيا متشظٍّ بين جمعيات واتحادات متعددة، ووضعه القانوني يختلف بين الولايات، ما ينعكس على القدرة على وضع معايير واضحة للمهنة وعلى ضمان الاستقرار الوظيفي والحقوق الاجتماعية للإمام.

 

بين الدولة والجماعة: ازدواجية الدور

يحمل الإمام في ألمانيا دوراً مزدوجاً: فهو من جهة راعٍ ديني يحفظ الهوية والطقوس ويؤمن المعنى، ومن جهة أخرى يُنتظر منه أن يكون جسراً للاندماج، وأن يساهم في السلم الاجتماعي، وأن يبرهن على انسجام خطابه مع قيم الدستور. هذه الازدواجية قد تُربكه أمام الطرفين: فالدولة تريد إماماً مطمئناً ومفهوماً، والجماعة تريد إماماً أصيلاً وحارساً للمرجعية. وبين الطرفين تتحدد وظيفة الخطبة وحدود الدين داخل المجال العام.

 

نحو إمامة مواطِنة: بين الممكن والمأمول

تتجه النقاشات الألمانية عملياً نحو “إمامة مواطِنة”: إمام يعمل داخل المجتمع الألماني وبأدواته، دون أن يتحول إلى موظف سياسي أو جهاز اندماج رسمي. المطلوب هو تقليص الاعتماد على الأئمة الموفدين من الخارج، وتوسيع التدريب المحلي، وتعزيز الشفافية في التمويل، وربط الخطاب الديني بحاجات الناس اليومية. في النهاية، ليست القضية تقنية فقط، بل سؤال معنى: كيف يمكن لإمامٍ في ألمانيا أن يمنح جماعته ثقةً روحية وهو في الوقت نفسه يبني ثقةً مدنية مع المجتمع الأوسع؟

 

الإمام كمؤسسة دينية وفلسفية

الإمامة في ألمانيا لم تعد وظيفة شعائرية، بل صارت مرآة لرهانات كبرى: الحرية الدينية، الاندماج، الأمن المجتمعي، وسؤال المعنى في زمن متشظّي القيم. وبين أن تكون “ديناً في خدمة الدولة” أو “دعوة في مفترق الاندماج”، تبدو الحقيقة متشكلةً في التفاصيل اليومية: في لغة الإمام، وفي استقلاله، وفي قدرته على تحويل المسجد من مساحة دفاعية إلى فضاء يمنح المعنى ويصنع الثقة داخل المجتمع الألماني.